تفكيك الهياكل لرؤية السماء!

هل ثمة أمل في بلد انزلق بسرعة البرق الى أتون طائفي، وبدأت نار الكراهية تحصد فيه منذ عقد كامل؟ هل ثمة أمل في ان ينسى الناس هنا كل جراحاتهم، ويضمدوها بمستقبل أخر غير هذا العطن الذي ينبعثُ! كلما فكك "المتفيقهون" كتب التاريخ ونبشوا اختلافَ اسلافنا الماضيين، ووجودا فيها ما يؤلب الناس هنا جماعة على جماعة، وطائفة على أخرى، وقرية على جارتها، وعشيرة على حليفتها، هل ثمة أمل ان يقف العقلاء – على ندرتهم – في وجه تنابز الصغار، وبصاقهم الدموي كل بوجهِ صاحبهِ؟، هل ثمة أمل لتفكيك هذه الهياكل الغاشمة التي تحجبُ عن الناس سماء الحياة، ورمي تلك الهياكل حيث موقعها الحقيقي؟

كلها تساؤولات تراودني دون اجابات واضحة، ولكني احاول تملس الغد بشيء من الجرأة، بعيداً عن مقولات التشاؤم التي تبدو هي الأكثر واقعية الآن أكثر من غيرها، ولكن كما يقال ما اضيق العيش لو لا فسحة الأملِ!

في المرات السابقة التي كانت البلاد تعيش عصف الانفجارات والتقاتل الطاحن، كنتُ احاول تقمص دور ضحية هنا، وجلادُ هناك، فلا اجد سوى ان الجميع ضحايا ليس الا.

ايعقل ان يتساوى الضحية مع جلادهِ؟ لا طبعاً، علينا ان لا نكون عاطفيين، ولكننا يمكن ان نصنف الجميع بذات التصنيف، أنهم ضحايا بدرجات متفاوتة. فحين، يؤمن المرء بأن القتل هو الحل، فهو ضحية ثقافة كراهية، وجد نفسه تحتها كهيكل سماوي يحيطه اينما هرب، البيئة والمناخ، السلوك والثقافة، المنهج والممارسة، كلها تشير لهُ على أن يتحول الى ذئب، كيما يبقى قطيعهُ سالماً، ولذا فأن الأعمى لا يمكن مسائلتهِ حينما ينكرُ ان ضوء الشمس جميل، ولكن ينبغي ايقافه عند هذا الحد، فلا ينبغي له ان يحجب الأخرين عن الشمس.

مُعتنقو ثقافة القتل في هذه البلاد، عُميٌ لا يبصرون، ولكنهم تجاوزا الحد، وراحوا يفقئون عيون الآخرين بلا هوادة، حتى يتساوى الجميع!.

أنهُ العنف المنفلت من كل عقال يضرب كل خواصر المجتمع، ويترعُ في كل جانب، فيما تواصل مفاقس الارهاب عملها بلا هوادة، ضخُ مستمر لدماء في شرايين اترعت وتهرأت من كثرة هذا الضخ، والنتيجة حربُ شرسة دمرت كل شيء، وقتلت معاني الوجود في بلد مثل العراق.

المؤسف حقاً ان يتحول الجميع الى ذئاب، فيجد المرء نفسه محاصراً بخيارات لا يتمناها ابداً، والا كيف نفسر ان يستعين الأخر بالذئب لقتل حمل مثلهِ، سوى ان الاخر آمن الى حد اليقين، بأن انياب الحمل اشرس من انياب الذئب، والنتيجة، ذئب يفترس الطرفين!