التغيير والتبديل والكامخ بينهما

نبدأ بالاعتذار للعلامة العبقري المرحوم مصطفى جواد، لتطفلنا على ما نُسب إليه، من دعوة لإبدال مفردة السندويج واللفة بـ"الشاطر والمشطور والكامخ بينهما"، وما يهمنا هنا لا الشاطر، ولا المشطور، وإنما ما بينهما. ما يهمنا هو "الكامخ" أعزكم الله، فطالما ظل الذي بين الشاطر والمشطور كامخاً فالتسميات مهما إختلفت لا تغير شيئاً.

أصل الموضوع ياسادة هو عملية التغيير والتبديل التي جرت، وما زالت تجري على قدم وساق، والتي إنشغل البعض بها، بين مؤيد يحسب أننا أصبحنا على مشارف الإنطلاق، وبين مُشكك يرى أننا نغذ السير صوب الفوضى العارمة.

أما أصل الحكاية فهي تغيير الضباط، والمدراء العامين، وقيادات الشرطة بناء على تعليمات وضعت منـذ سنوات، ولم يُعمل بها، تقضي بتغيير أصحاب المراتب العليا كل أربع سنوات. يقولون أن السبب في هذا محاربة الفساد والمحسوبية، والرغبة في دفع دماء جديدة في مفاصل العمل الوظيفي، وفسح المجال للآخرين لمزاولة العمل القيادي.

التبريرات مقنعة إلى حد ما، رغم أنها تتعارض مع مبدأ الإستفادة من الخبرات والتجارب، وتحتكم إلى التجريب الذي لا يراكم الخبرات، ولا يكثفها، بل يُفرط بها، ويقطع الإستمرارية التي هي واحدة من أسباب تطور العمل الإداري، الذي يستوجب الإستفادة القصوى من الخبرات المتاحة.

في الدول التي قطعت شوطاً في ممارسة الديمقراطية قلما تجد شخصاً يلتصق بكرسيه أكثر من دورة إنتخابية، حتى بالنسبة للشركات الخاصة حيث تجري عملية تبديل القيادات الإدارية على نحو مُطرد، علماً أن الإنتخابات ممارسة دائمة ومستمرة تشمل كل المجالات، وقد يتم تثبيت المسؤول لدورة أو دورتين، حتى أكثر إذا أثبت كفاءة عالية، وحقق إنجازات مُعترف بها، أما الذي لا يثبت كفاءة، ولا يحقق أي إنجاز فيمكن تغييره، وإبداله حتى قبل إنقضاء دورته، والحكم الفصل في هذا المصلحة، مصلحة المؤسسة، ومصلحة الوطن والمواطن، وتكون مصلحة الموظف أو المنتسب في آخر الإهتمامات على قاعدة السوق الذهبية "الزبون على حق دائماً".

عملية التبديل والتغيير ليست عقوبة، ولا تحمل صفة الإقصاء والثأرية، إنما هي إجراء تستوجبه مصلحة العمل، لـذا يتم إستقبال هذه التغيرات بكل أريحية بإعتبارها إجراء طبيعي في حالة كونها تجري في إطارها السليم، لكن هذا الأمر لا يجري دائما، وفي مطلق الأحوال، وفق الأسس والمعايير السليمة، ففي كثير من الأحيان تجري عمليات إحتيال وتلاعب حتى في أكثر البلدان تطوراً، حيث يتدخل نفوذ رأس المال في إبقاء وتغيير من يريد أصحاب رؤوس المال إبعاده، أو إبقاءه، أو جلبه، وقد لا يكون لمصلحة العمل والمؤسسة، ولا لمصلحة الوطن أو المواطن، وإنما لإجل تمرير صفقات غير نظيفة، فمبدأ الربح، والربح السريع والوافر هو المحرك الأساس والهدف الأسمى لرأس المال، لذا ينبغي عدم النظر بمنظار أخلاقي لما يجري من ممارسات في دهاليز المؤسسات الرأسمالية، وفي دوائر المجتمع الرأسمالي، ثمة حسابات أخرى، لا علاقة لها بالأخلاق والقيم، ولا حتى بالمعايير والقوانين، تتحكم في العمليات الإنتاجية والإدارية، وبالتالي السياسية في هذا العالم الموسوم بالعالم الحر والديمقراطي، إلا أن هذا لا ينفي أن هذا العالم توصل إلى وضع أسس علم إداري كان من نتائجه هذا التطور المُبهر في شتى المجالات.

نعود إلى قضية "الكامخ" بين الشاطر والمشطور، ونتساءل هل أُبدل كامخنا بكامخ آخر، أجود نوعية، وأطيب نكهة، ومُثير للشهية، أم أن الذي أبدل الشاطر، وربما المشطور، والله أعلم؟!

"كامخنا" ظل كما هو.. عصي على التغيير والتبديل، وسيخلق بحلته الجديدة، ومع توالي الأيام، شاطره ومشطوره..

أحياناً أتساءل هل نحن محكومون من قبل مافيا سرية؟

إذا كان الأمر كذلك فمن هو العراب؟

دعونا نتأمل بعض ممن كانوا في الصف الأول ما بعد التاسع من نيسان 2003، ثم لنتساءل هل أبدلوا وتغيروا واستبعدوا من مصدر القرار، أم أن الحل والربط ما زال بإيديهم وإن تصارعوا؟

ولكثرتهم فلن نتطرق لهم كلهم، وإنما سنأخذ عينات منهم، ومن يريد الإستزادة فما عليه سوى البحث والإستقصاء، وسيجد عجبا.

أياد علاوي، رئيس كتلة مؤبد وإن تغيرت الأسماء، عضو مجلس الحكم البريمري، ورئيساً له في أكتوبر 2003، ترأس الحكومة المؤقتة، هو الآن نائب لرئيس الجمهورية.

إبراهيم الجعفري، عضو مجلس حكم، وأول رئيس له، نائب رئيس الجمهورية عام 2004، رئيس للوزراء عام 2005، وهو وزير الخارجية حاليا.

نوري المالكي، عضو مناوب في مجلس الحكم، ورئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان، ورئيس للوزراء في دورتين متتاليتين، هو الآن نائب لرئيس الجمهورية.

أسامه النجيفي، وزير الصناعة والمعادن في 2005، رئيس البرلمان السابق، نائب لرئيس الجمهورية حالياً.

هوشيار زيباري، وزير خارجية الحكومة التي عينها مجلس الحكم، وكذلك الحكومة المؤقتة، والإنتقالية، وحكومة الجعفري، وحكومتي المالكي، ولم لا فالرجل عبقرية دبلوماسية لا مثيل لها، الآن هو وزير للمالية. هل ثمة علاقة بين المالية ووزارة الخارجية أم هو سد حاجة، وربما ملأ بطن!

عادل عبدالمهدي، عضو مناوب في مجلس الحكم، وزير مالية في حكومة علاوى، نائب رئيس الجمهورية في حكومة الجعفري، وكذا الحكومة الأولى للمالكي، والآن وزير النفط.

باقر الزبيدي، الفتى المعجزة، عضو مناوب في مجلس الحكم، وزير الإعمار والإسكان في حكومة الإحتلال الأولى، مستشار لرئيس الوزراء أياد علاوي لشؤن الإعمار، وزير الداخلية في حكومة الجعفري، وزير المالية في حكومة المالكي الأولى، وزير النقل والمواصلات في حكومة العبادي.

مسعود البارزاني، عضو مجلس الحكم، ورئيسه في أبريل 2004، لم يكمل دراسته المتوسطة لكنه رئيس لإقليم كردستان منذ 1992، وزعيم بالوراثة شأنه في هذا شأن أقرانه، وليس نظرائه، عمار الحكيم ومقتدى الصدر.

فؤاد معصوم، عضو مناوب في مجلس الحكم، وأول رئيس مؤقت لمجلس النواب بعد الإحتلال، رئيس الجمهورية الحالي.

منذ أن جاء الأميركي ليدربنا على الديمقراطية، والشفافية، والتداول السلمي للسلطة، ولينقلنا من ظلام الإستبداد إلى فضاء الحرية والديمقراطية الرحب، وحالنا من حسن إلى أحسن، ومسئولونا يتركون الكرسي بعد إنقضاء دورتهم، ليعودوا إلى حضن الشعب، يحصلون على قوت يومهم من عرق جبينهم، لأنهم يؤمنون حتى النخاع بالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وبعد أن جربوا حظهم تركوا الآخرين ليجربوا حظوظهم، فالكرسي أو المنصب في بلدنا لا إغراء فيه، ولا منافع شخصية ترجى منه، وهو ليس سوى تضحية وإيثار ونكران ذات، لم الإستغراب؟ المسؤول عندنا مُضحي، وإبن الشعب هو المُستفيد، المسؤول كشرطي أيام زمان في خدمة الشعب، ألا ترون كيف يتنقل بواسطة الدراجة الهوائية في حين يتنقل إبن الشعب بالروز رايز والكدلك!

لا تقولوا أن الأميركان لم يختاروا لقيادتنا الأكثر نزاهة، الأكثر وطنية، الأكثر كفاءة، والأكثر إخلاصاً، ومن لا يُصدق منكم، فلينظر إلى ما حدث ويحدث في عراق النعيم والراحة من تغيير وتبديل وما بينهما، وبلا وجع رأس، انسوا وتناسوا مسألة الكامخ!