مقتدى الصدر وقد اختفى

كان رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي لا يخفي كراهيته لمقتدى الصدر، رجل الميليشيا الدينية الذي ورث تركة عاطفية ضخمة دفعت بالبسطاء والفقراء من الناس إلى الالتفاف من حوله باعتباره زعيما شعبويا لم تحمله الدبابة الاميركية إلى موقعه.

كراهية المالكي لمقتدى وصلت في نهاية حقبة الاول في الحكم إلى درجة الازدراء المعلن، وهو ما قابله سليل عائلة الصدر الدينية بما يشبه الصمت الذي استغربه الكثيرون، فهل كان ذلك الموقف اشارة واضحة إلى بدء مرحلة أفول نجم مقتدى في الحياة السياسية المتعثرة في العراق؟

رجل الدين الشاب الذي لم يحظ بالقبول من قبل المؤسسة الدينية المتمثلة بمرجعيات النجف الشيعية كان متقلب المزاج، وهو ما أنعكس سلبا على تياره الذي صار يخلط التعصب المذهبي بالسياسة بطريقة متطرفة، ذهب بها إلى أقصى مدياتها حين كانت له اليد العليا في الحرب الاهلية التي شهدها العراق عامي 2006 و2007.

كانت حرب الصدر متعددة الاتجاهات، بالرغم من أن تياره قد انخرط في العمل السياسي من خلال وصوله إلى البرلمان بنسبة كبيرة لم يحافظ عليها، لا بسبب تدني شعبية الصدر نفسه حسب بل وأيضا بسبب كثرة خصومه الذين استعملوا كل ما يملكون من دعاية لالحاق الهزيمة به، بعد أن تمكنوا بيسر من الاهتداء إلى نقاط ضعفه.

وإذا ما كان الصدر قد أعلن غير مرة عن اعتزاله العمل السياسي، فإنه كان يعاود الظهور، باعتباره زعيما سياسيا، وهو ما لم يقو على تقديم الدليل عليه.

قد يقول البعض إن الرجل كان ماهرا في القفز على هزائمه، حتى الداخلية منها، حيث تعرض تياره للإنشقاقات التي نتج عنها ظهور عصابات ارهابية مثل عصائب أهل الحق التي لم تخف ولاءها للمالكي، العدو اللدود للصدر.

وكما يبدو فان تلك المهارة في القفز قد أدت به إلى أن يجد نفسه في فراغ لا يشاركه فيه أحد، لا من السياسيين ولا من رجال الدين. فالجميع كان يتمنى له هذه النهاية. ربما كان هو الآخر، وهو شخصية تميل إلى الانتحار (ظهر غير مرة مرتديا كفنا وهو يلقي خطبته في جامع الكوفة) يسعى إلى نهاية تفرده بعيدا عن الجمع الذي كان لا يطيقه.

كان مقتدى عدوا للجميع، وهو موقف كان قد فُرض عليه من قبل المؤسسة الدينية أولا ومن قبل الطاقم السياسي الذي حضر إلى العراق بمعية الغزاة.

لقد تم وضعه منذ بدء الغزو الاميركي في المربع الذي لن يكون فيه إلا عدوا.

كانت معاركه ضد الجيش الاميركي قد انتهت بهزيمته بعد أن تخلى الجميع عنه، وهو أمر كان متوقعا، غير أن معاركه السياسية ضد خصومه من الفاسدين لم تنته بالانتصار، حين انضم ممثلوه في الحكومة والبرلمان إلى الحشود الفاسدة التي صارت تستثمر مناصبها في سرقة أموال الشعب العراقي.

لا يكفي أن يكون الرجل قد أعلن براءته من أولئك الفاسدين الذين لم يسمهم بالاسم ليتطهر مما الحقه تياره من خراب بنفوس العراقيين. وهو ما يعرفه جيدا وما يحاول اليوم من خلال اختفائه المبرمج أن يتملص منه، معتمدا على آفة النسيان التي أنعم الله بها على الشعب العراقي.

لقد فشل مقتدى الصدر في أن يمثل دور المعارض حين شارك في عملية سياسية، كان يعرف أنها تهدف إلى اقصاء وتمهيش وإذلال جماهيره من الفقراء والبسطاء. وفشل أيضا في أن يدفع بأعوانه في الحكومة والبرلمان إلى أن يكونوا ممثلين حقيقيين لتلك الجماهير. أكان عليه أن يعتذر في الحالين؟

من سوء حظه أن تهمة خيانة الفقراء ستلاحقه. فهو لم يكن وفيا للملايين التي وقفت وراءه وأخرجته من العدم إلى الموقع الذي صار فيه زعيما.