فشل المحور الأميركي الإيراني نتيجة الضغطين السعودي التركي

كان القرن العشرين أميركيا في قيادة العالم اقتصاديا، كما كان القرن التاسع عشر بريطانيا، والقرن السادس عشر إسبانيا، لكن من يقود القرن الواحد والعشرين؟

الشرط المسبق الأكثر أهمية في الزعامة الاقتصادية العالمية هو الحجم، وتمتلك الولايات المتحدة أضخم اقتصاد على مستوى العالم، حيث يبلغ ناتجها الإجمالي 16.7 تريليون دولار، تأتي منطقة اليورو ثانيا نحو 12.6 تريليون دولار، وتحتل الصين التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 9 تريليونات دولار المرتبة الثالثة، كل الاقتصادات الثلاثة كبيرة بالقدر الكافي لتولي زعامة الاقتصاد العالمي في القرن الواحد والعشرين.

آفاق الاقتصاد في المستقبل تشكل أمرا حاسما في التأهل للزعامة، تعاني تلك الزعامات من تضخم الديون، فالصين تضخم الدين لديها إلى 240 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي تقريبا ضعف المستوى الذي كان عليه وقت الأزمة المالية عام 2008 حتى أصبحت فوائد دفع الديون 1.7 تريليون دولار الذي يقترب من الناتج المحلي الهندي، لذلك قررت الصين خفض الفوائد لخفض خدمة الدين.

لكن هذه النسبة لا تزال متواضعة قياساً إلى الولايات المتحدة التي يبلغ دينها نحو 322 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي بعض الدول الأوروبية مثل اسبانيا يبلغ الدين 400 في المائة.

أضر انهيار الطلب الأميركي عام 2008 أدى إلى خروج 30 مليون شخص من العمل في الصين في غضون أشهر، وأجبر الصين على إطلاق برنامج تحفيز استمد الزخم من طموحات الحكومات المحلية.

تواجه الولايات المتحدة مجموعة بريكس في اتجاه نظام اقتصادي عالمي جديد لتقليص الهيمنة الأميركية، والتبادل التجاري بين روسيا ومنطقة اليورو يسجل تراجعا لصالح مجموعة بريكس، والغرب يفتقر إلى زعيم يعالج ضمور العلاقات عبر الأطلسي ولا زالت التجارة الحرة متعثرة بين الجانبين.

منذ نهاية الحرب الباردة صارت أميركا تقود العالم بمفردها، لكن أصبح العالم من دون نظام مستقر، خصوصا بعدما أعلن الرئيس بوش الأب بعد تحرير الكويت عن نظام عالمي جديد بقيادة أميركا، لكن هناك استراتيجيين منهم كيسنجر يرون ضرورة أن يكون النظام العالمي الجديد شراكة بين أميركا والصين.

بعد الهزيمة الكبيرة التي مني بها الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس قلبت موازين القوى داخل الكونغرس، خصوصا وأن الجمهوريين يسيطرون أيضا على مجلس النواب، مما يشكل تحديا كبيرا لقدرة أوباما على التحرك، خصوصا وأن الجمهوريين وحتى بعض الديمقراطيين ينتقدون سياسة أوباما في الشرق الأوسط.

السيناتور الجمهوري جون ماكين من أكثر الجمهوريين الذين يشنون هجوما على أوباما تجاه محاربته داعش، وان ما يفعله أوباما مع داعش يشكل مشكلة استراتيجية، وحتى وزير دفاع الولايات المتحدة هيغل وهو جمهوري انتقد أوباما وشكك في استراتيجيته تجاه محاربة داعش وأنها تحارب السنة ولكن تستبعد نظام الأسد والشيعة مثل حزب الله مما يدخل أميركا في عداوة مع المكون السني في المنطقة مثل السعودية وتركيا.

وأرسل لسوزان رايس رئيسة الأمن القومي يطلب استراتيجية واضحة في التعامل مع نظام بشار الأسد، لذلك أقاله أوباما، وهو الوحيد الذي يشغل منصب في حكومة أوباما من الجمهوريين، وهو ما يدل على تخبط الإدارة الأميركية.

نتيجة تلك الانتقادات عين أوباما بلينكين مهندس الاستراتيجية الأميركية تجاه داعش وإيران نائبا لوزير الخارجية خلفا لبيرنز، واضطرت أميركا أن تخرج من عباءة النووي الإيراني نتيجة الضغوط السعودية وتنسيقها مع روسيا حول رفع أسعار النفط التي تخالف العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا وإيران، مما اضطر كيري أن يجتمع مع سعود الفيصل في باريس، وكذلك مع يوسف بن علوي في لندن، وأجرى سلسلة مباحثات هاتفية مع بقية نظرائه الخليجيين في الإمارات والكويت وقطر والبحرين وهو تغير في الإستراتيجية الأميركية التي اتبعتها في الفترة الماضية حيال المنطقة، وهو كذلك ضغط على إيران.

وحققت الولايات المتحدة اتفاقية أمنية مع أفغانستان ببقاء 12500 من قواتها في أفغانستان بتصويت أغلبية البرلمان غداة تنصيب الرئيس الأفغاني الجديد، بعدما رفض الاتفاقية كرزاي قبل نهاية فترته استجابة للمطلب الإيراني بعدم وجود قوات أميركية في أفغانستان أو في العراق حتى تبقى المنطقة تحت الهيمنة الإيرانية.

فشلت المفاوضات النووية مع إيران، وتم تمديد المفاوضات حتى يونيو 2015 وتم ربط المفاوضات بحوافز تقدم لإيران أثناء المفاوضات بتقديم 700 مليون دولار من الأموال المجمدة لإيران، وسبب الفشل أن إيران تريد أن تحتفظ بكامل قدراتها النووية مع رفع العقوبات، وتريد نزع الشرعية الدولية عن تلك العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عام 2010 بقراره رقم 1929 تحت البند السابع.

لذلك أوعزت إيران إلى الجبهة التابعة لها في العراق بإعلان القضاء العراقي بإعدام النائب عن العراقية الدكتور أحمد العلواني نتيجة دعمه ساحات الاعتصام في الأنبار، وتم القبض عليه في 19 يناير 2014 بسبب تبعية القضاء للمالكي.

نلاحظ أن صلاح الدين الأيوبي بعدما قضى على الدولة الفاطمية أول ما فعله تغيير القضاء التابع للدولة الفاطمية، ولكن لم يتغير النظام بالكامل في العراق، بل لا يزال العبادي من نفس حزب الدعوة، وإن كان العبادي اتخذ خطوة موازية تقلل من آثار الحكم على العلواني لدى المكون السني في إقالة الأسدي الذي عينه بول بريمر نائبا لوزير الداخلية، وكان الأكثر نفوذا في الملف الأمني في عهد المالكي، وهو المسؤول عن استهداف المكون السني وإلصاق تهمة الإرهاب بقيادات سنية مثل العلواني والهاشمي والدليمي وغيرهم.

استهداف السنة وإلصاق تهمة الإرهاب بهم جعلت جزء من المكون السنة يؤيد داعش بل وينضم ويقاتل معهم، وقدموا لهم الدعم اللوجستي، وحصلت داعش على 500 قطعة رشاش، و200 ألف بندقية، وتحرص الولايات المتحدة على تخلي السنة عن داعش، بعد إقناعهم بالمشاركة السياسية بعد التغيير الذي جرى في العراق نتيجة توافق إقليمي بعد سيطرة داعش على الموصل.

تلك الخطوة التي أوعزت لها إيران بعد فشلها في الحصول على نفوذ في المنطقة مقابل التوصل إلى اتفاق، خصوصا بعدما أعلنت أميركا مد العشائر السنية في الأنبار بالأسلحة لمواجهة داعش من أجل تواجد أميركا في العراق، وهي مناقضة لسياسة أوباما السابقة في الخروج من العراق لكن وجد معارضة من الجمهوريين.

بينما خطوة توقيت إعدام العلواني رغم أنها ليست نهائية ولكنها تربك المشهد بين المكونات في العراق، وبالفعل أعلنت العشائر السنية أنها لن تحارب داعش إذا واصلت حكومة المركز مواصلة سياساتها الطائفية.

وفي الجانب التركي فشل بايدن أثناء زيارته تركيا في ضم تركيا للتحالف الدولي، في المقابل حدث هناك توافق على فترة انتقالية بعيدا عن نظام الأسد، لأن تركيا تصر على أن الكل ينظر إلى داعش لكن المشكلة هي الأسد.

الضغط السعودي التركي أفشلا مشروع أي تقارب بين طهران وواشنطن، مما أدى إلى فشل المفاوضات النووية مقابل حصول إيران على نفوذ إيراني في المنطقة، خصوصا وأن تركيا منزعجة من قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي يقود محور جبهة القتال والحرب ضد داعش على محور الجبهة العراقية مع قوات الجيش العراقي والبيشمركة الكردية بمعرفة واشنطن ضد المصالح التركية، رفضت تركيا أن تلعب كل من إيران وواشنطن بورقة داعش ضد تركيا لتقسيم المنطقة.