الإسلاميون: محاولات اختراق أهل عُمان

ٍتجربة في التعايش مسنودة بماضٍ متسامح

تحفل خارطة الإسلام السياسي في عُمان بالتنوع الأيديولوجي، بالموازاة مع خارطة التنوع المذهبي، منذ عام 1967 الذي يعتبر نقطة التحول الزمنية في ريادة العمل الإسلامي السياسي والحركي، حيث بدأت هذه التجارب تتسلل إلى سلطنة عمان، حيث بدأت تغزو وتنتشر وترتحل من بلاد الشام ومصر والسعودية إلى أنحاء الخليج العربي.

يتوافر اليوم على أرض السلطنة العمانية العديد من فرعيات تلك الأصول السياسية، سواء تلك التي تظهر بمظهرها الطهوري وتتفق مع الأهداف السياسية الرأسية في وجوب إقامة الإمامة واستعادة شكل الدولة الإسلامية "الخلافة"، مثل جماعة الدعوة والتبليغ، التي ظهرت في عمان في سبعينيات القرن العشرين بزعامة خليفة اليافعي، أو تلك المجموعات الصغيرة التي تمثل التيار السلفي بشقيه: سلفية الجزيرة العربية، وسلفية بلاد الشام، المتأثرون بأفكار الشيخ الألباني، أو أتباع تيار الجامية بعدده القليل وتأثيره المحدود، نجد في المقابل تيارات الإسلام السياسي الحركية من أمثال الحركة السرورية والإخوان المسلمين، والشيعة الشيرازية.

الإخوان المسلمون

بدأت حركة الإخوان المسلمين نشاطها في سلطنة عمان منذ نهاية السبعينيات، وتصنف الحركة نفسها بأنها "حركة معتدلة، تعليمية أكثر منها سياسية، تتبنى المنهج الإصلاحي، ولا تسعى إلى السلطة، وتحدد أهدافها في إعداد أجيال تؤمن بالإسلام عقيدة ونظام حياة، وتتميز عناصرها بالنزاهة والاستقامة والنبوغ العلمي والعملي، ولا تؤمن بالعنف والمواجهة كوسيلة للتغيير.

ولم تدع الحركة أي وسيلة ممكنة لإيصال صوتها للشرائح العمانية المستهدفة لتحقيق أهدافها وإحياء التدين وسط عامة الناس من خلال نشر الكتاب، والشريط الإسلامي، مع رعاية أسر شبابية متوزعة على المناطق ذات الكثافة السنة (محافظة مسقط، محافظة ظفار، المنطقة الشرقية، ومنطقة الباطنية). حدثت لتنظيم الإخوان المسلمين في عمان نقلتان نوعيتان: الأولى، كانت عام 1988 حيث نشأ تنظيم أكثر دقة وإحكاما تجاوزت به الجماعة مرحلة تأسيس الحالة الفكرية، والثانية حدثت عام 1992، باعتماد شكل جديد يؤطره دستور مكتوب للتنظيم، في نقلة أكثر جرأة وأشبه بثورة فكرية وإدارية داخل الحركة، وهو نتيجة طبيعة لعودة كثير من الكوادر المتعلمة تعليما نوعيا رفيعا من بلدان عربية وغربية وفي عدة تخصصات. إضافة إلى ترصيع تجربتهم بالتثاقف التنظيمي والفكري مع التنظيمات الأخرى في الخارج؛ من خلال الحوارات والمؤتمرات العالمية التي كانوا يحرصون على المشاركة فيها والتفاعل معها. وقد وافق ذلك تحرك المجتمع العماني إلى الحداثة والمدينة العمرانية والتعليمية التي شهدتها البلاد في تلك الفترة، الأمر الذي أوجد وفرة في قابلية الناس -ولا سيما الشباب منهم- في ما تطرحه الجماعة من أطروحات فكرية وتربوية تفاعل معها نفر ليس بالقليل، إلى حد أن تبنى الفكر الإخواني عدد من قيادات الصف الثاني في القطاعين المدني والعسكري في الحكومة العمانية، كمسلم سالم قطن، وكيل وزارة الزراعة، وخميس مبارك الكيومي، وكيل وزارة التجارة والصناعة.

كان عام 1992 في تنظيم الإخوان العماني عام التغييرات الجذرية بحق؛ إذ تم وضع رؤية استراتيجية مبرمجة زمنيا للمناشط والفعاليات، كما تم اعتماد بنية تنظيمية جدية راعت التطورات المحلية والإقليمية للجماعة. وكان للتنظيم هيئات انتخابية، قسمت الوطن العماني إلى هيئتين؛ واحدة للشمال، وأخرى للجنوب. كما كان له مجلس شورى منتخب، عدد أفراده 15 عضوا؛ منهم 3 معينون. وهناك مكتب تنفيذي منتخب كذلك برئاسة المراقب العام. يتحفظ الإخوان على التصريح بأسماء من تقلدوا هذه المسؤولية لأسباب أمنية، بالإضافة إلى مكاتب إدارية ولجان وأقسام متخصصة. كما كانت البلاد مقسمة بالنسبة إلى الجماعة إلى مناطق، والمناطق إلى شُعَب. والأهم في كل ذلك أن الناظم له كان وجود دستور للجماعة ينظم كل ما سبق من نشاط، تم استصداره والاتفاق عليه عام 1992.

ويبرز في طليعة الأسماء الإخوانية العمانية التي أدت دورا تأسيسيا في العمل الإخواني في عمان كل من: عبداله محمد الغيلاني، وسالم أحمد الغزالي، وعبدالله طاهر باعمر.

تؤكد قيادات تنظيم الإخوان المسلمين في سلطنة عمان أنها "إيمانا منها بمجموعة من الثوابت التي تعزز المشهد السياسي العماني، ولا تسعى إلى هدمه، فهي تؤيد شرعية الحكومة الحالية للسلطنة، وتحرص على صيانة الوحدة الوطنية، جنبا إلى جنب مع السلم الاجتماعي، مع الحفاظ على المكتسبات المتحققة للإنسان على الأرض؛ كل ذلك مع تأكيد مرجعية الشريعة، والتي تعتبر منطلقا سياسيا محوريا للتنظيم".

على الرغم من كل التطمينات التي يحتويها المتن الفكري والسياسي الإخواني في السلطنة، ومع تماهيه مع سياسية الدولة التي تتخذ من التعددية شكلا عاما لها، فقد وجهت لتنظيم الإخوان ضربة أمنية في مايو (أيار) 1994 بتهمة تكوين تنظيم سري مناهض للدولة، وشنت على التنظيم حملة من الاعتقالات في صفوف الجماعة من مدنيين وعسكريين، وحكمت عليهم فيما بعد أحكاما صارمة تراوحت بين الإعدام والمؤبد للعسكريين، وطالت المدنيين أحكام بالسجن تراوحت مددها بين 3 سنوات و20 سنة.

الجماعة الشيرازية

عرف محمد الشيرازي بين الشيعة بغزارة تآليفه التي وصلت إلى نحو 600 مؤلف، في عناوين متنوعة ومعارف متعددة. كما عرف بكثرة المؤسسات التي أنشأها في شتى أنحاء المعمورة، كالمؤسسات الدينية والثقافية لنشر فكر آل البيت. وله آراؤه الخاصة في الشورى والديمقراطية والحكم، وقد اشتهر بمناهضته شتى أنواع الديكتاتورية.

كما واصل شيخ آخر الجهود الثقافية والدينية والتنظيمية التي بدأها الشيرازي، وهو تلميذه البارز حسن الصفار، الذي يعد اليوم أحد أبرز رموز التيار الإسلامي الشيعي في السعودية. والصفار من أكثر المنادين والمشجعين لأفراد الطائفة الشيعية على المشاركة السياسية، من أجل تحقيق مكاسب سياسية واجتماعية للشيعية.

بانضمام الشيخ الصفار وأبناء الحاج محمد تقي السيف (توفيق، فوزي، محمود) إلى التيار الشيرازي، والمشاركة في برامجه المتنوعة وغير التقليدية، سواء في مدرسة الرسول أو من خلال "حركة الطلائع الرساليين" (وهي حركة إقليمية تأسست في العراق عام 1968، بمباركة الشيرازي، وانبثق منها لاحقا منظمة الثورة الإسلامية في السعودية، والجبهة الإسلامية في البحرين، ومنظمة العمل الإسلامي في العراق)، تم استقطاب العديد من الشباب من مختلف بلدان الخليج الذين انخرطوا في تلك التشكيلات، وعلى إثر ذلك برز على السطح ما بات يعرف على نطاق واسع اليوم بـ"التيار الشيرازي" المنتشر في دول عديدة.

امتداد إلى شمال إفريقيا

كان استقطاب الشبان الخليجيين الجدد، خصوصا السعوديين الشيعة، وضمهم إلى التيار الشيرازي، نتيجة جهود من التواصل مع الشباب بذلها أبناء محمد تقي السيف إلى جانب الصفار، الذي كان يتردد بين سلطنة عمان والكويت عام 1973، وأسس مكتبة "الرسول الأعظم" ومجلة "الوعي" في عمان بمعية شبان عمانيين.

في 1979، مع قيام الثور الإسلامية في إيران، أصبح هذا التيار أكثر تنظيما في أطروحاته الفكرية ونشر مبادئها في عمان، وأقام التيار أشكالا مختلفة من التعاون بين الجمهورية الإيرانية والتيار، تمثلت بشكل بارز باستدعاء شخصيات دينية إيرانية لإلقاء الخطب والمحاضرات في السلطنة، والتي لقيت رواجا قبل أن تبدأ السلطات العمانية بتشديد الرقابة على هذا التيار.

وتشير المعلومات البسيطة التي رشحت عن هذه الجماعة إلى أن الشباب المتحمس للأفكار الإسلامية من المنظور الشيعي، واصل جهوده الدعوية من دون إطار تنظيمي، ولا سيما بعد مغادرة الشيخ الصفار عُمان إلى إيران. بل يصر أفراد هذه الجماعة حتى اليوم على إزاحة "شبهة العمل السياسي" عنهم.

لم توفر تلك القناعات أي غطاء سلمي ومعقول أمام الجهات الأمنية في السلطنة. الأمر الذي أسفر عن اعتقال الجماعة في ديسمبر (كانون الأول) 1987، وحكمت محكمة أمن الدولة على 18 شخصا منهم بأحكام تراوحت بين سنتين وثماني سنين بتهمة "التخابر مع جهات خارجية لقلب نظام الحكم". وبعد أن قضوا مدد محكومياتهم في السجن، يعيش معظم أفراد الشيعية الشيرازية اليوم حياتهم العامة ويمارسون نشاطاتهم الاقتصادية العادية، وتتركز أعمالهم على التدين الشخصي، والاهتمام التقليدي البسيط بمتطلبات المذهب الشيعي.