حان وقت الميليشيات للتحرك بـ'شرعية ما' في الشرق الأوسط

البشمركة.. اداة عرقية في ايدي الغرب

لندن - لاقت القوات الكردية العراقية المتجهة الى كوباني، استقبالا شعبيا حارا في القرى الكردية التركية التي عبروها، واطلقت الهتافات المؤيدة ورفعت الاعلام الكردية وصرخ بعض المستقبلين "كوباني مقبرة داعش (الدولة الاسلامية)".

ودخلت القوات التابعة لاقليم كردستان العراق، والتي يطلق عليها "البشمركة" بالكردية، عين العرب او كوباني مساء الجمعة لمساندة المقاتلين الاكراد في المدينة السورية الكردية الحدودية مع تركيا التي يحاصرها جهاديو تنظيم الدولة الاسلامية المتطرف.

لكن الحكومة السورية في دمشق لا يروق لها ذلك. وقالت وزارة الخارجية السورية ان ذلك "يشكل انتهاكا سافرا للسيادة السورية".

وهذه ليست المرة الاولى التي يتم فيها انتهاك تلك السيادة من قبل قوات اجنبية غير حكومية تنخرط في الحرب الاهلية السورية منذ اندلاع شرارتها قبل ثلاثة اعوام.

فهناك ميليشيا حزب الله اللبناني، التي تقاتل وحداته الى جانب القوات التابعة للرئيس بشار الاسد، بالاضافة الى ميليشيات شيعية عراقية تقدم الدعم للنظام في الشرق السوري، وعلى رأسها جماعة أبوفضل العباس.

أثار ذلك مخاوف كبيرة. فالأزمة السورية شرعت في ترسيخ مفهوم الميليشيات المسلحة لدى كثيرين، في الوقت الذي باتت فيه حكومات اقليمية على ما يبدو تروق الى الاعتماد على الميليشيات لتحقيق مكاسب عسكرية بأقل تكلفة ممكنة.

ومن المرتكزات الفعلية التي تكتسب من خلالها الميليشيات شرعيتها في القتال خارج اراضيها الانقسامات الطائفية الحادة والتهميش العرقي او القومي.

ولعل جماعة حزب الله اللبنانية الشيعية، والمدعومة من ايران، التي لعبت دورا هاما في اطالة امد الصراع وحماية النظام السوري من السقوط، اكبر مثال على ذلك.

المثال الاخر يتمثل في جماعة الحوثيين اليمنية المعروفة بـ"أنصارالله". فقد تمكنت، تحت قيادة عبدالملك الحوثي، من السيطرة على العاصمة صنعاء دون مقاومة تذك من جانب قوات الامن النظامية او الجيش.

والجماعة، التي تعتنق المذهب الشيعي، تتلقى دعما ايضا من ايران، وتسعى الى تطبيق نموذج حزب الله اللبناني في الحكم من خلال المشاركة في الحكومة وتولي شخصيات محسوبة عليها مناصب سيادية.

معالجة المشاكل بأرخص الاثمان

منذ اغسطس/اب تحتجز "جبهة النصرة" وتنظيم "الدولة الاسلامية" 27 جنديا لبنانيا قتل منهم ثلاثة بعد خطفهم في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا في شرق لبنان اثر معارك خاضوها مع الجيش.

ويقول التنظيمان المتشددان ان ذلك جاء ردا على مشاركة حزب الله في الحرب السورية ودعمه لنظام الاسد.

ورغم ذلك لا يبدو ان سياسة الاعتماد على كيانات عسكرية، بعضها يحمل صفة رسمية، لكنها لا ترتقي الى الجيوش النظامية، تتراجع.

فالتنوع الطائفي والاثني في سوريا والعراق ساهم في دفع القوى الاقليمية والدولية المنخرطة في الازمة التي يعانيان منها الى تبني "سياسة الميليشيات" بالتزامن مع تعمق الاستقطاب بين المكونات المتعددة للمجتمع هناك.

وعندما شعرت تركيا بأنها ستتورط عسكريا في سوريا، دفاعا عن اكراد كوباني تحت ضغط أميركي شديد، بادرت للترويج الى الاستعانة بقوات البشمركة العراقية، وسمحت لها بالمرور باسلحتها الثقيلة عبر اراضيها، على الرغم من المحاولات المتكررة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي للعبور الى كوباني، لكن انقرة لم تبد تسامحا معهم.

ولم يتضح بعد قدرة البشمركة او حدود الدور الذي ستقوم به على الاراضي السورية، الا ان ذلك لا يبدو موضع اهتمام لدى الحكومة التركية، التي بدأت تشعر بارتياح ولو مؤقت لتوظيف الاكراد العراقيين للعب الدور الذي كان من المنتظر ان تلعبه هي في كوباني.

ورغم توافق تحركات البشمركة خارج الحدود مع الدستور العراقي، الا ان مراقبين يقولون ان تلك التحركات تمثل معضلة كبيرة لمفهوم السيادة في نظر الحكومة المركزية في بغداد.

ولعل الفترة القادمة ستشهد غليانا بين اروقة الحكومة العراقية، بدأ منذ اعلان مسعود البرزاني، رئيس اقليم كردستان، نيته ارسال قوات تابعة له لتقديم الدعم للأكراد المحاصرين في كوباني السورية، ولكنه ظل مكتوما.

فبغداد ترى انها الجهة الوحيدة المخول لها ارسال قوات مسلحة خارج حدودها، ومازالت تنظر الى قوات البشمركة، ولو انها تحظى بصيغة رسمية ضمن اتفاق الحكم الذاتي للاقليم، باعتبارها ميليشيا غير نظامية ينبغي ان تخضع تحركاتها في النهاية الى نقاشات مع بغداد اولا قبل كل شىء.

لكن المراقبين يرون ان الخلاف بين بغداد واربيل سيظل داخل الغرف المغلقة بفعل الضغط من قبل الولايات المتحدة، التي شجعت خطوات البرزاني لحماية الاكراد السوريين، كبديل عن تدخل تركي لاح في الافق.

وكما تستغل ايران البعد الطائفي في توظيف ميليشيات شيعية في عدة دول عربية لتحقيق جملة من الاهداف على اجنديتها السياسي، يبدو ان تركيا بدأت تنتهج نفس السياسة في الاستعانة بـ"ميليشيا" كردية عراقية كثمن لعدم تدخلها عسكريا في سوريا، في خطوة لا تختلف كثيرا عن دفع ايران والاسد بحزب الله وميليشيات عراقية شيعية الى المعركة لخدمة مصالحهم.