نظام عالمي جديد في حلة سايكس بيكو متجددة

مع انتصاف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تدخل المنطقة العربية الشرق أوسطية مرحلة إضطرابات سياسية وعسكرية وإقتصادية يعتبرها البعض الأخطر منذ عملية تقسيم أقطار المنطقة بموجب اتفاقية سايكس بيكو لسنة 1916، التي وزعت على المنتصرين وفي مقدمتهم بريطانيا وفرنسا غنائم تركة الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

شكل سقوط العاصمة العراقية بغداد تحت الإحتلال الأميركي في 9 أبريل سنة 2003، بداية تنفيذ مخطط أميركي متجدد للهيمنة على المنطقة الشرق أوسطية كانت إنطلاقته قد بدأت في أفغانستان سنة 2001. الغزو العسكري كان مكلفا بسبب ما لاقاه من مقاومة وهو ما ساهم في عرقلة مشروع التوسع لسنوات، ولكن واشنطن تداركت التأخير والتعثر بتكتيك جديد سماه البعض جيل الحروب بالوكالة، حيث تمت صناعة أو استغلال قوى محلية وإقليمية لتقوم بالمهمة وبتكلفة أقل.

العنف المستديم

خلال سنة 2007 وفي مناقشات داخلية لمجالس مخططي السياسة العسكرية الأميركية ولمواجهة تصاعد المقاومة للوجود الأميركي في العراق وأفغانستان ومناطق أخرى ذكر ديفيد بترايوس، قائد قوات الاحتلال بالعراق، إن "ما نحتاج اليه هو العنف المستديم داخل العراق، اي العنف المسيطر عليه لفترات مديدة، لتسهل السيطرة على البلد وإبقائه شبه عاجز وبلا قوة حقيقية. هذا المبدأ تم توسيع تطبيقه في كل منطقة الشرق الأوسط ولكن أحيانا بمصطلحات مختلفة مثل '"الجيل الرابع من الحروب" و"النزاع منخفض الشدة" والذي نراه مطبقا بوضوح الأن في الربع الأخير من سنة 2014، في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومالي والنيجر وغيرها.

إن تحليل ملامح هذه "النزاعات" بمسمياتها الجديدة، عبر عنه الرئيس الاميركي أوباما وهو يروج له تحت مسمى "نهاية الحروب الأميركية". فقد أعلن باراك اوباما، اثر انتخابه رئيسا للمرة الثانية "انتهاء عقد من الحروب"، التي علمت الإدارة الأميركية درسا مكلفا جعلها تنأى بنفسها عن شن الحرب مباشرة على بلدان أخرى وأن تستبدل جيوشها بعملاء مباشرين أو غير مباشرين ولكن بدون تعديل الأهداف الاساسية للتوسع والهيمنة.

تدور في العراق حروب متعددة، المقاومة الوطنية تواجه القوى التي أفرزها الإحتلال الأميركي بالتعاون مع إيران، أنصار طهران وبمشاركة من جيشها وحرسها الثوري يخوضون حربا ضد المقاومة العراقية. واشنطن إصطنعت تنظيم داعش وجلبت الحلفاء من كل حدب لحرب يراد بها استهداف بلاد مجاورة. سوريا تعرف منذ أكثر من ثلاث سنوات حربا إقليمية ذات أبعاد دولية تختلط فيها التحالفات في تقليد للحرب الأهلية الإسبانية التي دارت رحاها من سنة 1936 إلى سنة 1939. لبنان يعيش حالة أزمة سياسية شبه دائمة تتربص به إسرائيل من الجنوب بينما يحاول اللاعبون الدوليون تعديل معادلة الوضع الداخلي فيه كل لصالحه وهو ما يهدد بحرب أهلية جديدة.

اليمن وبعد زعزعة استقراره تحت غطاء أسطورة الربيع العربي يعرف حروبا متعددة، حرب القاعدة التي تستهدفها الطائرات الأميركية بدون طيار من حين لآخر دون أن يؤثر ذلك على قوتها، حرب الحوثيين الذين تدعمهم إيران في نطاق جهودها للسيطرة على منطقة الخليج العربي وفرض تقسيم أفضل للنفوذ مع واشنطن، حرب الجماعات الإنفصالية الجنوبية التي تريد العودة بالوضع إلا ما قبل سنة 1990، القبائل التي تحاول التصدي في آن واحد للحوثيين والقاعدة والانفصاليين.

دول مجلس التعاون الخليجي تواجه أخطارا متعددة داخلية وخارجية، في البحرين والامارات العربية والسعودية محاولات لزعزعة الإستقرار وأعمال عنف وإرهاب. مراكز الرصد تتوقع المزيد من التهديدات والتدخلات الخارجية.

مصر التي تعثرت فيها الخطط الأميركية لإيجاد وطن بديل للفلسطينيين في سيناء وتقسيمها إلى ثلاث دويلات على أساس ديني وعرقي تواجه حربا مفتوحة في شبه جزيرة سيناء، وأخرى بدأت تجمع أنفاسها على حدودها الغربية مع ليبيا. السودان الذي قسم يعرف حروبا داخلية تغذيها القوى التي تريد أن يفتت البلد إلى 7 دويلات إضافية. ليبيا تعرف صراعا يزداد شراسة ومخططات للتقسيم إلى ثلاث دويلات كمرحلة أولى نحو ما أكثر، وليبيا بعد سقوط نظامها أصبحت مصدرا السلاح والإرهاب والتنظيمات المسلحة إلى كل الشمال الأفريقي وخاصة تونس ومنطقة الساحل.

إنه طوق الأزمات أو النار كما يسميه البعض، وهذا الطوق بحدته وحجم الأطراف المشاركة في صراعاته ليس له نظير في أي منطقة أخرى من الكرة الأرضية، وهو ما يثبت أنه في هذه المنطقة المركز على الخارطة الدولية يدور الصراع الأكبر في الوقت الحاضر من أجل تحديد خطوط نظام عالمي جديد.

شرذمة المنطقة العربية

دعا زبيغنيو بريجنسكي المفكر الإستراتيجي ومستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر بين عامي 1977 و1981 والمحسوب على تيار المحافظين الجدد في كتابه "بين عصرين.. أميركا والعصر التكنوتروني" الصادر في العام 1970 إلى إعادة تشكيل "الوطن العربي" على شكل كانتونات عرقية ودينية وطائفية، لأن ذلك وحده سيسمح للكانتون الإسرائيلي أن يعيش في المنطقة. وواصل برنارد لويس الأستاذ الفخري البريطاني الأميركي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون ومن ألمع المفكرين المناصرين للصهيونية دعم فكرة تقسيم الدول العربية، بحيث تضيع ملامح الفكرة العروبية، بصعود الهويات الفرعية "المصغرة" للمكرو-دويلة التي سينقسم إليها العرب.

الباحث الهندي الأميركي باراج خانا من مؤسسة أميركا الجديدة ذكر في كتاب أصدره عشية ما سمي بالربيع العربي بعنوان "كيف ندير العالم" إلى احتمال وصول دول العالم إلى نحو 300 دولة خلال العقود القليلة المقبلة، أي أنها ستزيد بأكثر من 100 دولة عما هو قائم الآن وهو ما سيسهل على الولايات المتحدة تشكيل نظام عالمي جديد تحت هيمنتها.

وذكر الباحث باراج خانا أن القوى الغربية تميل إلى شرق أوسط متصارع ومنقسم، بل أقرب إلى التشظي، وهو ما تشجع عليه قوى المحافظين الجدد، بل تسهم فيه، كما يقول خانا، وعندها ستكون "إسرائيل" قادرة على فرض قوتها ونفوذها في المنطقة بأسرها. ويواصل باراج خانا سيناريوهاته في مقالة أخرى بالتعاون مع فرانك جاكوبس التي قام بترجمتها مركز الزيتونة في بيروت، حيث يتم تناول سوريا.

يقول خانا وجاكوبس: قد تعود سوريا إلى التقسيم العرقي الذي وضعه الفرنسيون: دولة للدروز وأخرى للعلويين في الساحل والجبل ودول منفصلة في دمشق وحلب للسنة.

وأفغانستان هي الأخرى يمكن أن تنقسم بعد الانسحاب الأميركي إلى باشتوستان وقد ينفصل شعب بلوشستان في دولة خاصة، في منطقة غنية بالغاز، وحسب رالف بيترز، فإن ما تخسره أفغانستان غربا لمصلحة إيران، يمكن أن تكسبه شرقا من باكستان، وهكذا يتم عبور الحدود بحدود جديدة وبكل الاتجاهات.

وحسب هذه السيناريوهات، فإن خريطة الشرق الأوسط ستشهد دولا جديدة لا تنشأ عبر الانفصال وحسب، بل من خلال ولادات جديدة، بدلا من الخصومات القديمة، ولكن بعضها سيكون معزولا وبعيدا عن السواحل مثل جنوب السودان وفلسطين وكردستان، إلا إذا تم تجهيزها ببنية تحتية جيدة تربطها بالأسواق العالمية، إلى جانب أنابيب النفط المتجهة إلى أوروبا أو عبر البحر المتوسط، حيث ستكون الروابط الخارجية، هي سياسة حمائية لتأمين عدم انقيادها للدول المجاورة، الأمر الذي يحتاج إلى بناء جديد وهو ما سيصب في صالح المشروع الأميركي.

وهكذا فإذا كانت سايكس بيكو الأولى تشكيلا وتعبيرا عن مرحلة الاستعمار القديم، فإن سايكس بيكو الثانية هي التعبير النموذجي عن مرحلة ما بعد هذا الاستعمار في صورته البدائية.

أوهام حدود على الرمال

كتب وزير الخارجية البريطاني السابق فيليب هاموند مقالا يوم 25 سبتمبر 2014 يحاول عبره تبرير خطط تقسيم دول منطقة الشرق الأوسط معتمدا على الأطروحات المرتبطة بالدين والعرق، متناسيا أن دولا كالولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها مشكلة من كل أديان العالم وعرقياتها. كما تناسى الوزير السابق أن العراق كان دولة قبل 6000 سنة بنيت على أرضه أقدم الحضارات الإنسانية حين كانت أوروبا لا تعرف حتى فكرة الدولة، كما تجاهل الوزير الذي كانت بلاده أحد صانعي الكيان الصهيوني أن العراق وسوريا حيث غالبية السكان من العرب عاشا عشرات القرون في سلام وتعايش وأن سوريا كانت مهد الدولة الأموية التي وصلت جيوشها إلى جنوب فرنسا.

يقول فيليب هاموند:

"العراق مثل سوريا نتاج للحرب العالمية الأولى ولاتفاقية سيئة السمعة في أعين العرب بين السير مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو. هذه الاتفاقية التي مر عليها 100 عام تقريبا تترنح اليوم على ما يبدو إذ أن الدولتين العراق وسوريا تتفككان وأنهكتهما سنوات من الحرب والانقسام الطائفي اللتين لا يوجد إصلاح سهل لهما.

"وفي هذا الصدد قد ننظر إلى شرق أوروبا بعد عام 1989 بحثا عن سوابق.

"فبعد انهيار جدار برلين انتقلت جميع بلدان أوروبا الشرقية تقريبا باستثناء دولتين للانضمام تدريجيا إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف شمال الأطلسي دون مشكلات. وتفككت دولة تشيكوسلوفاكيا السابقة إلى دولتين هما جمهورية التشيك وسلوفاكيا فيما عرف باسم 'الانفصال المخملي'. لكن مصير يوغوسلافيا يقدم مثالا أكثر مأسوية. وتفككت هذه الدولة عبر سلسلة من الحروب المتتالية في كرواتيا والبوسنة وأخيرا في كوسوفو استمرت عبر التسعينات.

"لقد دمرت إطاحة الولايات المتحدة بنظام صدام حسين في عام 2003 الارتباط بين الدولة والنظام وأدى ذلك إلى التآكل المستمر للعراق كدولة قومية.

"وكثيرا ما تكون الحرب قابلة لميلاد الدول الجديدة. ففي أوروبا المعاصرة أصبحت كرواتيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو دولا بسبب الحروب في التسعينات.

"وحديثا جدا نشأت تيمور الشرقية وجنوب السودان من الصراع على الأقاليم التي شكلتها القوى الاستعمارية السابقة. والخطر الحقيقي أن سوريا والعراق قد لا يفسحا الطريق أمام دول جديدة. لكن من المؤكد أن العودة إلى دولة سورية أو عراقية قوية كما تخيلتهما اتفاقية سايكس بيكو أمر مستبعد إلى حد كبير".

قوس الحرائق

كتب محلل عربي: ظهر قوس الحرائق المحيط بالمنطقة العربية واضحا الآن، عبر وبعد صناعة منظمات ارهابية مستمدة من تجربة صناعة تنظيم القاعدة في افغانستان وباكستان تحت مسميات محاربة الشيوعية والاتحاد السوفياتي في وقته، او امتداداتها خلاصة انتاجها. وهذه الصناعة مفضوحة من نشاطاتها وعناوينها والأجهزة المشرفة عليها والممولة والمحركة لها في الساحات المطلوبة حاليا والتهديد بها لغيرها من الساحات التي تعرض لها وعليها الصولات للمشاركة معها في الصناعة والتمويل والإعلام وغيرها من الامكانات المقصودة والمطلوبة لها. كما يبدو ان فشل الادارات الغربية في قيادة العمليات التغييرية والحراك الشعبي الغاضب وجيش الشباب الذي ينتفض دفع تلك الادارات الى التحرك على مخططات قديمة جديدة لاستيعاب الشارع وإعادة دورة التغيير الى تقليب اوجه الاوراق التي يمكنها من الادارة والقيادة، في تغيير التحالفات واثارة الازمات وتصعيد الاضطرابات.

قوس الحرائق المتصاعدة والممتدة من شمال العراق، مرورا بسوريا ولبنان وفلسطين وصولا الى سيناء وليبيا وتونس. والحرائق فيها تشعلها المنظمة الجديدة التي صنعت وبنيت بمعرفة وتمويل الاجهزة الغربية وحلفائها في المنطقة وحدودها ومخابراتها والتخادم الوظيفي بينها، والتي تطورت تسمياتها من جماعة التوحيد والجهاد الى القاعدة في بلاد الرافدين، الى قاعدة الجهاد، دولة العراق الاسلامية، جبهة النصرة، اجناد الاسلام، السلفية الجهادية، والمسميات الاخرى...

ومن ثم اعلان الدولة الاسلامية في العراق والشام "داعش"، وأخيرا في مسرحية الجامع الكبير في الموصل، وتسميتها بالخلافة الاسلامية أو الدولة الاسلامية والمطالبة بالمبايعة لها وللخليفة الجديد.

قوس الحرائق المتمددة هذه مرسوم له ان ينتشر ويمتد الى مساحات وساحات اوسع من الحدود القائمة وقد يغير في خطوطها ومسمياتها عمليا وظاهريا ولكن الواقع الذي صنعته الحرائق لا يمكن ان يظل كما خطط له او رسم للتناقضات الحادة وللأخطار المحدقة والممكنة التي قد تخلط الاوراق وتحرق الايدي التي شاركت فيها. وان الرؤية الاستراتيجية لها تشمل او تتسع الى صناعة بدائل مجهولة في المنظور المطروح ومعلومة عند المآلات المسيرة اليها. اذ لا يمكن تركها للفراغ الجغراسياسي او رميها الى جحيم الارض. وكانت التحذيرات الكثيرة التي تحدثت عن صندوق باندورا في اوقات سابقة تستعيد نفسها اليوم بإشعال الحرائق والتمهيد لها ودعمها ونشرها وتمويلها وتوفير كل الخدمات اللوجستية العملية لها. فهل حدود تركيا العربية خالية منها؟ وهل غرف اجهزة المخابرات فيها للسياحة ام لشم هواء منعش هناك؟ وهل القواعد العسكرية الجديدة في مناطق عدة، بعض الدول العربية الافريقية للاستراحة وتبادل زيارات اجتماعية؟!.

هذه الخطوات ليست عفوية او اصطناعية بل جاءت بعد تلك الدراسات والرؤى الغربية للمنطقة ومستقبلها والعمل على استمرار الهيمنة والنفوذ الغربي عليها. وتبدل الخطط والمشاريع شكل من اشكالها او حلول موقتة لها. وكذلك التسميات لها، فالتحولات ليست دائما تأتي كما هو مراد لها او منها. ولهذا تشعل المنطقة الآن بالحرائق الدموية وبقوى جربت في افغانستان، رغم احداث 11 سبتمبر 2001 المختلف في مصادرها ونتائجها، إلا انها لم تزل القوى التي تتخادم معها الادارات العسكرية والاستخبارية الغربية وتستفيد من الجهات والحكومات التي تدعمها او تتوافق معها حتى ولو بالخفاء. ومنها سياسات التطبيع مع الاعداء وإخراج الصورة يما يليق بها من الوان الدم المراق فيها والتدمير والخراب. هل تساءل احد، كيف تكون داعش في غرب العراق ومن اين وصل الى شرق سوريا؟ وكيف اعاد تنفيذ مخطط احتلال العراق الذي وضعه البنتاغون؟ سبق وان كشفه الجنرال العسكري الاميركي ويسلي كلارك في كتابه وفي حوارات اخرى موجودة على الشبكة العنكبوتية، وقبله الجنرال تومي فرانكس في كتابه "جندي اميركي"... هل توضحت الصورة التي ترسم خطوطها الآن وتستعيد نفسها بإعادة انتاج مخططات الغزو والاحتلال وتجديد وجوه قيادتها والقوى المنفذة لها؟

السيناريوهات الموضوعة للمنطقة التي تتحرك فيها الحرائق تتحدث عن خطط التقسيم والتجزئة للخرائط السابقة على اسس اخرى، طائفية واثنية، وتمزيق البلدان القائمة الى "امارات" و"دويلات" وغيرها من التسميات. وأيضاً في اطار تفكيك العلاقات الجغراسياسية القائمة وتفتيتها لإضعافها داخليا والتمكن من السيطرة عليها ودفعها الى طلب المساعدة من القوى المهيمنة عليها، او اعادة رسم الخرائط بصور اخرى قد لا تشمل التقسيم المعلنة خططه، ولكن بأشكال متحركة بحسب آبار النفط والغاز والتهديد بها لغيرها، القريب والبعيد من المنطقة المشتعلة الساخنة حاليا.

التدخل لوقف الفوضى

تحت عنوان "فكرة التدخل العسكري العربي"، كتب الصحفي عبد الرحمن الراشد: "في الماضي القريب، كانت المعارك والحرائق السياسية محدودة، وغالبا طبعت أزمة واحدة كل زمن، وما كانت تتجاوز نيران بلد إلى البلدان المجاورة لأسباب موضوعية، مثل أن الوضع السياسي محكوم بمراكز إقليمية، وكانت لحدود المنطقة المرسومة حرمة، وفوق هذا كله، كان هناك اعتراف دولي بالوضع القائم حينذاك.

"لكن، منذ ما يسمى الربيع العربي، سقطت هذه الثوابت، فمظاهرات تونس تردد صداها في مصر وليبيا وسوريا واليمن. وجيوش المقاتلين الأجانب يتم شحنهم عبر الحدود إلى ما لا يقل عن 4 دول عربية. والحروب الأهلية لم تعد تقف عند حدود بلدانها، فإرهاب ليبيا يصل إلى سيناء مصر وغرب تونس، وتنظيم داعش يتنقل بين سوريا ولبنان، والقتال يدور على الحدود مع تركيا، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.

"وبسبب كثرة الأزمات المتزامنة، وصعوبة استشعار اتجاهات الريح التي تنقلها، في ليبيا تنفذ تجربة توحي لنا بأنها تصلح للتطبيق في بعض المواقع المضطربة، إن لم يكن من أجل فرض السلم، على الأقل احتواء الأزمة. فمن الواضح أن مصر ودولا أخرى، نشطت في الفترة الأخيرة عسكريا وسياسيا لوقف الفوضى، ودعم الشرعية هناك. ومع أن الوضع لم يستقر بعد، لكن يمكن أن نسجل أن هذه المرة الأولى التي نرى فيها بوادر اتفاق إقليمي باستخدام القوة العسكرية والسياسية في ليبيا من أجل وقف الفوضى والحد من نزيف الدم".

موسكو ترفض إملاءات واشنطن

إذا كانت واشنطن تظهر كاللاعب الدولي الكبير المستوحذ على خطوط الصراع في المنطقة العربية فإن هناك قوى تقاومه. يوم الجمعة 24 أكتوبر 2014 اتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الولايات المتحدة بتعريض الأمن العالمي للخطر من خلال فرض "إملاءات من جانب واحد" على بقية العالم.

وفي هجوم لاذع استمر 40 دقيقة على الغرب يذكر بالحرب الباردة ويؤكد على عمق الخلاف بين موسكو والغرب نفى بوتين أنه يحاول إعادة بناء الامبراطورية السوفيتية على حساب الدول المجاورة لروسيا.

وقال بوتين لمجموعة غير رسمية من الخبراء في الشؤون الروسية ضمت العديد من المتخصصين الغربيين الذين يوجهون له انتقادات "نحن لم نبدأ هذا" محذرا من أن واشنطن تحاول "إعادة تشكيل العالم كله" استنادا لمصالحها.

وأعلن الضابط السابق بجهاز الأمن الروسي "كيه.جي.بي" الذي أنقذ بلاده من الإنهيار الكامل في كلمة ألقاها في منتجع تزلج في الجبال فوق مدينة سوتشي المطلة على البحر الأسود "التصريحات بأن روسيا تحاول اعادة نوع ما من الامبراطورية وانها تطبق على سيادة جيرانها لا اساس لها من الصحة".

وتساءل بوتين وهو يشير إلى سلسلة من الصراعات التي نسب الخطأ فيها إلى أفعال الولايات المتحدة وشملت ليبيا وسوريا والعراق إن كانت سياسات واشنطن عززت السلام والديمقراطية.

ورد بوتين بقوله "لا". وأضاف "الإملاءات من جانب واحد وفرض مشروعات على الآخرين يؤدي إلى الأثر العكسي بالضبط".

في واشنطن أعتبرت كلمته أكثر الخطب عداء التي ألقاها ضد الغرب وأكدت لشعب روسيا أن الكرملين سيواجه الولايات المتحدة.

والانتقادات التي وجهها إلى نظام عالمي تهيمن عليه واشنطن بعد أكثر من عقدين من انتهاء الحرب الباردة ذكرت بكلمة ألقاها في عام 2007 في ميونيخ والتي صدم فيها بوتين الغرب بانتقاده اللاذع لنظرة واشنطن "الأحادية" للعالم. ودفعت هذه الانتقادات زعماء الغرب لاعادة تقييم رأيهم في بوتين.

من ناحية أخرى دعا بوتين إلى إجراء محادثات بشأن الشروط المقبولة دوليا لاستخدام القوة وانتقد ما وصفه بأنه تدخل أجنبي تعسفي في شؤون داخلية لدول أخرى.

وقال بوتين إن من يسمون أنفسهم "المنتصرين" في الحرب الباردة يريدون نظاما عالميا جديدا يناسبهم فحسب.

وأشار بوتين خلال كلمته إلى أن النظام الأمني الدولي والإقليمي تم إضعافه. وشدد بوتين على أن روسيا بلد قوي بعد عقدين من انتهاء الحرب الباردة.

في موازاة مع تصريحات بوتين حذرت مصادر رصد في الولايات المتحدة من أن موسكو تقدم معلومات استخبارية ثمينة لعدد من الحكومات العربية وخاصة دمشق والقاهرة حول المخططات الميدانية والدعم التسليحي الذي تقوم بمنحه أطراف متعددة للقوى التي تزعزع الإستقرار في البلدين. وسط هذا الصراع سجلت موسكو مكسبا لا يمكن حساب أبعاده الدولية حاليا، بنجاحها الحصول على موافقة فرنسا على تسليمها رجل المال القازاخستاني المسجون مختار أبليازوف الذي يواجه اتهامات باختلاس ما يصل إلى ستة مليارات دولار من مصرفه السابق "بي.تي.إيه" والذي نشط في تجارة السلاح لصالح مصالح استخبارات غربية.

واعتقل أبليازوف في يوليو 2014 قرب منتجع كان حيث كان مختبئا منذ أن حكم عليه قاض انجليزي بالسجن لازدرائه المحكمة عام 2012.

الرجل كان قبل سنوات عميلا مزدوجا وعمل مع دول خليجية والمخابرات المركزية الأميركية لتهريب أسلحة إلى جماعات مسلحة في سوريا ولبنان واليمن وليبيا ونيجيريا والسنغال ومنطقة الساحل.

طموحات إمبريالية

يعتبر المحافظون الجدد الذين وضعوا مشروع الشرق الأوسط الجديد والذي يقضي بتقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دولة، أن المنطقة العربية هي المفتاح الذي سيكفل لمن يستحوذ عليه القدرة على توجيه النظام العالمي الجديد. وإذا كانت واشنطن تخشى من المنافسة الروسية في المقام الأول فإنها في نفس الوقت حذرة من التوجهات الأوروبية المستقلة عنها، ولهذا فإنها وإن أشركت حلفائها في القارة العجوز في بعض حروبها ومواجهاتها فإنها تحرص على الحفاظ على حصر لجام القيادة بيدها.

كتب المفكر الأميركي نعوم تشومسكي في كتابه طموحات إمبريالية: بدأت أوروبا ومنطقة شرق آسيا تحتلان مركزا اقتصاديا عالميا مهما لا يقل أهمية عن مركز الولايات المتحدة، ولكنها مجموعات اقتصادية مرتبطة ببعضها ولديها مصالح مشتركة، وإن كان لكل منها مصالح منفصلة.

طالما كان للولايات المتحدة الأميركية موقف متناقض تجاه أوروبا، فهي تريد أوروبا موحدة تكون سوقا أكثر كفاءة للشركات الأميركية تقدم مزايا من الحجم الكبير، لكنها تخشى دائما التهديد الناجم عن احتمال تحرك أوروبا في اتجاه آخر، ويتصل بذلك انضمام العديد من دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي. فالولايات المتحدة تؤيد عملية الانضمام هذه لأنها تأمل أن تكون هذه البلدان أكثر عرضة للنفوذ الأميركي، وأن تتمكن من تقويض نواة أوروبا، وهي فرنسا وألمانيا.

واشنطن تخشى خاصة بعد أن توحدت المانيا من أن يعيد التاريخ نفسه وتصطدم مصالحها مع مصالح برلين، ويحدث تحول نحو عالم جديد في موازين قواه، موازين قامت من أجلها حربين عالميتين. الاعبون وراء الستار والذين يتحكمون في القوة العالمية الأولى التي بزغت بعد نهاية الإتحاد السوفيتي يرتعدون أمام أي تحالف بين القوى الأوروبية المتزعمة ألمانيا مع قوى أخرى كالصين أو روسيا أو قوى أخرى تملك مقومات القوة والثقل الحضاري والتاريخي مما يكفل تعدد مراكز القوة بعيدا عن المحور الوحيد الذي شرع في الترسخ فيه منذ سقوط الأندلس في القرن الخامس عشر.

عالم الاجتماع الإيطالي أنطونيو غرامسكي كتب في سنة 1925 "إن إحدى العقبات الرئيسية أمام التغيير هي أن القوى المهيمنة تعيد إنتاج أيدولوجية الهيمنة، ومن المهام الجليلة والملحة تطوير تفسيرات بديلة للواقع." ويقدم روبرت مكنمارا في الفيلم الوثائقي "ضباب الحرب" اعترافا مثيرا للاهتمام، فهو يستشهد بقول الجنرال كورتي ليماي، وكان قد خدم معه في فترة قصف المدن اليابانية بالقنابل الحارقة في الحرب العالمية الثانية، "لو خسرنا الحرب لكنا حوكمنا جميعا كمجرمي حرب" فما الذي يجعل الحرب غير أخلاقية إذا خسرت وأخلاقية إذا ربحت؟

إن الإستراتيجية الأميركية التي تفسر السلوك الأميركي هي إستراتيجية الدفاع الوقائي، وهي كما تقول مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية في عهد كليتنون كانت موجودة في جيب أي رئيس، ولكن بوش الأبن هو من بالغ في استخدامها، وقد علق هنري كيسنغر على هذه الإستراتيجية بأنها تمزق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بل وتلغي منظومة وستفاليا للقانون الدولي التي وضعت في القرن السابع عشر.

إن الحرب رهان والسلام رهان والمشروعات الكبري سياسية واقتصادية وأمنية رهانات يضع فيها كل طرف أرصدته علي "مأمول مطلوب" يبحث عن الحق أو التفوق أو التقدم أو الأمن، وذلك جار من بداية القصة الإنسانية إلي نهايتها، هذا إذا كانت للقصة الإنسانية نهاية.

مصر تحت الحصار

للصراع الذي تديره الولايات المتحدة في المنطقة العربية حاليا هدف مرحلي وهو مصر التي يعتبر المخططون في واشنطن أن سقوطها سيكفل إتمام تنفيذ مشروعهم في جزء جديد من منطقة الشرق الأوسط.

في كلمة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عند تدشين مشروع بناء قناة سويس جديدة موازية، قال: "أنظروا الى المنطقة المحيطة بمصر. لنرى ما يحدث فيها هناك قوى تهدد في المنطقة. والذي يهدد لا يتراجع مرة أخرى.. الإرهاب يحاصر مصر.. توجهوا الي الله بقلوبكم ألا تلقي مصر نفس المصير".

وبعد مذبحة الجنود المصريين في الشيخ زويد يوم الجمعة 24 أكتوبر قال السيسي:"ان ما يجري لا يستهدف الجيش فقط وانما يستهدف تدمير مصر كدولة".

جاء في مقال نشر في صحيفة الأهرام: مصر محاصرة الان من كل الاتجاهات والدائرة تضيق شيئا فشيئا والقوى الغربية تراهن على انفجار أزمات داخلية بمصر في وجه السيسي والتي ستتدحرج وصولا إلى النزول للشوارع كمما حصل مع مبارك ومرسي.

هنالك توجهات ضاغطة على دول الخليج العربي التي أبدت استعدادا لدعم الاقتصاد المصري وهذا الضغط يمارس على دول الخليج وأحيانا تستطيع تجاوزه وفي أحيان أخرى تكون الضغوط كبيرة وشديدة فتضطر دول الخليج لاختيار السلامة.