عسكر الجزائر يغتصبون السلطة باسم شرعية ثورية ذابلة

الطبيعة ستنهي مرجعية هذه المرحلة

الجزائر - ما زالت حرب الجزائر التي انهت 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، تمثل مصدر شرعية السلطة بعد 60 سنة من اندلاعها، لكن تاثير هذا الكفاح المسلح يتجه نحو التراجع.

ويعد كل القادة الجزائريين الذين يديرون دفة الحكم من المشاركين في هذه الحرب التي اندلعت في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر 1954. والرئيس عبد العزيز بوتفليقة (77 سنة) واحد منهم فقد تقلد اول وزارة وعمره لا يتعدى 25 سنة.

وبعد ستين سنة مازال المشاركون في هذه الحرب واسرهم يشكلون اساس الحكم، وتمثلهم وزارة كبيرة بميزانية ضخمة تسمى وزارة المجاهدين.

وهذه الشرعية مرسخة في الدستور الجزائري الذي ينص على انه لا يحق الترشح لمنصب رئيس الجمهورية الا لمن شارك في "ثورة اول نوفمبر" اذا كان مولودا قبل سنة 1942 اي ان سنه لم يكن يتعدى 20 سنة عند الاستقلال في 1962.

اما اذا كان المترشح مولودا بعد هذا التاريخ فعليه ان "يثبت عدم تورط ابويه في اعمال ضد ثورة أول نوفمبر 1954"، وهذا الشرط جاء ليقطع الطريق امام "الحركيون" (الجزائريون الذين تعاونوا مع الاستعمار) وابنائهم.

وبحسب تحليل الاستاذ الجامعي كريم املال فان "الكفاح من اجل الاستقلال في الجزائر يمثل رحم الحكم سواء السياسي او العسكري في مختلف اشكاله التي شهدناها منذ 1962".

واضاف "في تاريخ الجزائر المستقلة فان المرجعية الاساسية هي حرب التحرير، اي ان الانتماء يحب ان يمتد الى هذه المرحلة ومن هذا الماضي تستمد السلطة شرعية حكمها في الحاضر" حتى وان اضطرت الى تجميل التاريخ الرسمي.

وبما ان جبهة التحرير الوطني تعتبر "معول التمكين الوطني.. فانها ما زالت اليوم المالك الحقيقي الوحيد للشرعية الثورية، في غياب مصدر ديمقراطي للشرعية بالنسبة للسلطة الجزائرية" كما يوضح املال.

والى غاية سنة 1989 ظل حزب جبهة التحرير الوطني يحكم البلاد بمفرده، ويعمل وفق النظام السوفياتي. وحتى بعد التعددية الحزبية ظل الحزب يتمتع بالاغلبية في البرلمان.

وردا على سؤال: الى متى سيستمر هذا الوضع؟ يرد املال "كلما ابتعدنا عن فترة حرب التحرير كلما ذبلت هذه الشرعية".

ومن جهته اكد المحلل السياسي رشيد تلمساني ان "الطبيعة ستكفل بعملها، وستنتهي مرجعية هذه المرحلة" من تاريخ الجزائر.

واعتبر تلمساني ان "الشرعية الثورية اصبحت وسيلة لتسويق حكم العسكر الذين استولوا على السلطة في 1962".

وبمناسبة حلول الذكرى الستين لهذه الحرب وجه بوتفليقة رسالة الى الجزائريين ذكر فيها ان الرجال الذين قادوا الحرب "كانوا على قلتهم وتواضع مستوياتهم العلمية، وحداثة سنهم يحملون رؤية واضحة المعالم، وحدسا صحيحا لما كان يختمر في عالم السياسة والتحالفات الاستراتيجية من آراء وأفكار".

وبالنسبة للرئيس الجزائري فان "الشعب الجزائري اضحى (...) على وعي تام بالمخاطر المحدقة به وبالمنطقة فلن يتهاون في مجابهة من يروم المساس بوحدته وثوابته او تهديد امنه واستقراره".

وفي تلك الليلة التي اصبحت تمثل عيدا وطنيا في الجزائر نفذ مقاتلو جبهة التحرير الوطني ثلاثين هجوما على مراكز الشرطة وثكنات الجيش الفرنسي ما اسفر عن مقتل سبعة فرنسيين بينهم مدرس، واحد الاعيان الجزائريين الموالين للاستعمار.

ومنذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر في 1830، كان الهدف هو ضم البلاد التي كانت تحت الحكم العثماني التركي، وتحويلها الى مقاطعة فرنسية يتمتع فيها اقلية من الاوروبيين بوضع سياسي واقتصادي واجتماعي يفوق وضع السكان الاصليين.

وبالنسبة للمؤرخ المتخصص في الجزائر بنجامين ستورا فانه حتى وان لم يكن التمييز العنصري مرسخا في القانون كما في جنوب افريقيا، الا ان "التمييز كان مرسخا في الواقع"، موضحا ان صوت المواطن الاوروبي في الانتخابات كان يساوي سبعة اصوات جزائرية.

"الثورة" كما يسميها الجزائريون تسببت في سقوط الجمهورية الرابعة في فرنسا وانهت اي امل في حل سياسي مبني على المساواة بين الاوروبيين و"الاهالي"، في اشارة الى الجزائريين.

كما ان جبهة التحرير التي قادت العمل المسلح وتلقت دعم دول عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ في 1955 لم تكن لترضى باقل من الاستقلال التام عن المستعمر الفرنسي.

وفي 1962 حقق الجزائريون مطلبهم بعد سبع سنوات من الحرب المتواصلة ومليون ونصف مليون "شهيد" بحسب الجزائريين بينما يتحدث المؤرخون الفرنسيون عن 500 الف قتيل.