هل يتمكن نداء تونس من قراءة خريطة التحالفات جيدا؟

حركة النهضة تراجعت ولم تسقط

لم تتزين السماء بالألعاب النارية ولم تقم حفلات موسيقية ولا مسيرات احتفالية امام مقر حزب نداء تونس بضاحية البحيرة الراقية في تونس عقب اعتراف حركة النهضة الاسلامية بهزيمتها في انتخابات البرلمانية في تونس يوم الأحد امام خصمها العلماني.

وفي المقابل كان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي يخاطب حشود من انصاره تجمعوا أمام مقر حزبه في خطاب لم يكن يشر للهزيمة وبدا كأنه خطاب نصر.

وهزيمة النهضة أمام منافسه العلماني نداء تونس وإن كانت طفيفة فهي تبدو صفعة لأول حزب اسلامي يصل للحكم عقب انتفاضات الربيع العربي في 2011.

وربما يشير الحذر، الذي تلقى به نداء تونس فوزه في ثاني انتخابات برلمانية بعد الثورة، الى المهمة المعقدة التي تنتظره في تشكيل حكومة جديدة مع او بدون خصومه الاسلاميين.

وتونس الآن بحاجة ماسة للاستقرار، فديمقراطيتها تتقدم بثبات مع إقرار دستور جديد بعد الخروج من أزمة سياسية عاصفة العام 2013. لكن الدولة الواقعة في شمال أفريقيا يتعين عليها المضي قدما في إصلاحات اقتصادية صعبة ومواصلة جهود مكافحة التشدد الاسلامي المتنامي.

ونداء تونس، الذي أسسه الباجي قائد السبسي قبل عامين لكبح هيمنة الاسلاميين والذي يضم مزيجا من مسؤولين عملوا مع الرئيس السابق زين العابدين بن علي ونقابيين ويساريين، لا يمكنه ان يحكم بمفرده. ولكن اختيار شركائه وكيفية تعامله مع خصمه النهضة سيحدد الخطوات المقبلة في البلاد.

وأظهرت نتائج أعلنتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس في وقت مبكر يوم الخميس ان حزب حركة نداء تونس العلماني فاز بخمسة وثمانين مقعدا في البرلمان الجديد المؤلف من 217 عضوا في حين حصل حزب حركة النهضة الاسلامي على 69 مقعدا. وحصل حزب الاتحاد الوطني الحر الليبرالي على 16 مقعدا بينما نالت الجبهة الشعبية ذات التوجهات اليسارية 15 مقعدا وفاز حزب آفاق تونس الليبرالي بثمانية مقاعد.

وسيكون السبسي زعيم نداء تونس امام معادلة حرجة ودقيقة. فالتحالف مع احزاب علمانية صغيرة يمنحه اغلبية ولكن استثناء خصم قوي مثل النهضة قد يشوه الصورة التي برز بها التونسيون على انهم قادرون على التوافق. وهي ميزة ساهمت في خفض التوتر وأنهت مأزقا سياسيا العام 2013.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني -والتي يبدو فيها السبسي أبرز المرشحين للفوز بالمنصب- فان أي اعلان عن نية التقارب بين نداء تونس والنهضة قد يغضب مؤيدي السبسي الذين صوتوا ضد الاسلاميين في انتخابات الأحد وقد يهدد بتقلص رصيده الانتخابي ويعرقل حلمه في الوصول الى قصر قرطاج.

ويرى الكاتب الصحفي زياد كريشان ان نداء تونس "امام خيارات محدودة" وان التحالف مع أحزاب علمانية صغرى سيكون هشا وقد ينفجر في أي وقت، مضيفا ان الخيار الثاني لنداء تونس هو تشكيل ائتلاف قوي مع النهضة.

وبعد نحو أربع سنوات على الاطاحة ببن علي ينظر الى تونس على نطاق واسع على انها نموذج للانتقال الديمقراطي في المنطقة المضطربة خصوصا مع تغلب الخصوم السياسيين فيها على خلافاتهم بشأن دور الاسلام في السياسة وإنهاء الجدل بشأن عودة مسؤولي النظام السابق للحياة السياسية.

وفازت النهضة بأول انتخابات حرة في 2011 وكونت ائتلافا مع حزبين علمانيين، ولكن ازمة سياسية عاصفة أعقبت اغتيال اثنين من قادة المعارضة العلمانية دفعتها للتخلي عن الحكم لحكومة مؤقتة.

وأصبح التوافق كلمة سحرية في المشد السياسي التونسي وساهم في انهاء خلافات حادة وفي المصادقة على دستور جديد يحظى بإشادة واسعة.

وقد يحتاج السياسيون في تونس لعدة أسابيع من النقاشات لتشكيل حكومة جديدة ولكي يتسنى للبرلمان الجديد المصادقة على رئيس جديد للوزراء.

وقال السبسي عقب اعلان فوز حزبه في الانتخابات البرلمانية "لن نحكم وحدنا ولكن يتعين الانتظار للحسم في موضوع التحالفات بعد الانتخابات الرئاسية".

وستجري تونس الانتخابات الرئاسية في 23 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وسيشارك فيها 27 مرشحا أبرزهم السبسي وكمال مرجان وزير خارجية بن علي السابق والمنصف المرزوقي رئيس البلاد الحالي اضافة لنجيب الشابي القيادي بالحزب الجمهوري.

خيارات صعبة امام نداء تونس، ولكن داخل نداء تونس بدأت النقاشات فعلا حول امكانيات التحالف في المرحلة المقبلة. والتحالف مع حزب الجبهة الشعبية ذات التوجهات اليسارية وحزب افاق تونس الليبرالي اضافة للاتحاد الوطني الحر الليبرالي الذي يتزعمه المليادير سليم الرياحي قد يكون من بين افضل الخيارات لنداء تونس.

ولكن الجبهة الشعبية، التي تم اغتيال اثنين من قادتها العام 2013، قد تبدو أكثر صرامة مع توجهات نداء تونس الاقتصادية والاجتماعية خصوصا ان الحكومة المقبلة ستكون مقبلة على تحديات صعبة من بينها اصلاحات اقتصادية مؤلمة وربما اجراءات تقشف.

والتوجهات الاقتصادية المحافظة للجبهة تتعارض تماما مع ما يراه نداء تونس من ضرورة اصلاحات يطلبها المقرضون الدوليون. وقد يكون هذا من بين الاسباب التي تعرقل اي ائتلاف حكومي بين الطرفين.

كيف سيتعامل السبسي مع النهضة؟

والسؤال الرئيسي هو كيف سيتعامل السبسي مع خصمه القوي النهضة. وقبل الانتخابات لم يستبعد السبسي تكوين ائتلاف مع الاسلاميين ولكن أصواتا قوية داخل حزبه لا تؤيد مثل هذا التوجه وتعارضه بشدة. وأصبح بعض المسؤولين في نداء تونس يتحدثون عن "التعايش" مع النهضة.

وقال القيادي البارز في نداء تونس محسن مرزوق "نحن نقول نعم يمكن ان نتعايش معا ولكن كيف.. ربما تحت قبة البرلمان".

السبسي في حيرة من امره

وأضاف أن الحكومة المقبلة قد تكون حكومة كفاءات تحتاجها البلاد في الوقت الحالي وقد تكون حكومة حزبية أو ائتلاف.

وقبل عامين أسس السبسي حزب نداء تونس لمواجهة قوة الاسلاميين وتعديل المشهد السياسي. ولكن حزبه أخذ حجما أكبر وأصبح قاطرة للمعارضة العلمانية عقب احتجاجات أنهت عامين من حكم الاسلاميين.

ومنذ المصادقة على الدستور خف الجدل بشأن دور الاسلام والهوية وربما أي تحرك من نداء تونس لاستبعاد خصمها الإسلامي حركة النهضة قد يشكل تهديدا حقيقيا لأي حكومة جديدة وفي البرلمان وربما في الشوارع أيضا.

وتونس ليست مثل مصر التي لايزال يلعب فيها الجيش دورا هاما في السياسة. والعام 2013 أعلن الجيش المصري عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي بعد احتجاجات واسعة تطالب بتنحيه. وعقب الاطاحة بمرسي شنت السلطات حملة واسعة ضد جماعة الاخوان المسلمين واعتقلت المئات منهم.

ويقول جيف هاوورد من منظمة مراقبة المخاطر "ان استبعاد حركة النهضة من العملية السياسية من شانه ان يعمق الانقسامات بين الاسلاميين والعلمانيين مما من شأنه ان يزيد الاستقطاب الثنائي ويشجع اكثر الجماعات الاسلامية المتشددة على اللجوء للعنف".

واعترف مسؤولون في حركة النهضة ان نتائح انتخابات يوم الاحد كانت عقابا على الحكم في فترة حرجة اقتصادية وأمنية. ولكن مسؤولي النهضة، التي حصدت عددا مهما من المقاعد في البرلمان، استغربوا الاداء الضعيف لأحزاب اخرى في الانتخابات الاخيرة كان يمكن ان تكون قوة تعديل فعلية.

وطالبت حركة النهضة التي هنأت خصمها العلماني بحكومة وحدة وطنية للمساهمة في دعم الديمقراطية الناشئة. وبحصدها لحوالي سبعين مقعدا ستكون النهضة جبهة معارضة قوية في البرلمان مع تمتعها بتنظيم محكم وقاعدة جماهيرية واسعة.

وقال لطفي زيتون، وهو مستشار لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، "لا يمكن ان تكون هناك معارضة مريحة اكثر من هذه.. نحن ندعو حكومة وحدة وطنية في مرحلة حرجة من تاريح البلاد المقبلة على عدة تحديات".

اما علي العريض رئيس الوزراء السابق والقيادي البارز في النهضة فخاطب بعض انصار النهضة المحبطين من فوز نداء تونس امام مقر الحزب قائلا "لا تحزنوا.. نحن ما زلنا في الصفوف الامامية وسنكون أفضل ضمانة للحرية والديمقراطية".

تنازلات

وقد تضطر ايضا الحكومة المقبلة التي سيقودها نداء تونس على تقديم تنازلات بسبب المصاعب الاقتصادية التي تواجهها البلاد. ويطالب المقرضون من تونس اصلاحات هيكيلة مثل خفض الدعم ورفع اسعار الوقود لتقليص العجز في الميزانية وتوفير فرص عمل يطالب به الناخبون. وقد تتطلب هذه الجهود اصطفاف عدد كبير من الاحزاب وراءها.

ويقول المحلل ريكاردو فابياني من أوراسيا جروب ان نداء تونس قد يبحث عن ائتلاف علماني ولكن مثل هذا الائتلاف الهش قد لا يصمد مع بدء تنفيذ اصلاحات اقتصادية تحتاجها تونس.

وفي سبتمبر ايلول قال رئيس الوزراء الحالي مهدي جمعة ان تونس تحتاج لثلاث سنوات اخرى من الاصلاحات المؤلمة لإنعاش اقتصادها المتأزم وخلق فرص عمل.

ولكن مثل هذه الخطوات شديدة الحساسية وليس من السهل ان يتقبلها التونسييون الذي انتفضوا ضد بن علي بسبب نقص التنمية وغلاء الاسعار وتجمد الرواتب.

والعام 2013 حاولت حكومة النهضة الاسلامية تطبيق مثل هذه الخطوات الاصلاحية بفرض ضرائب جديدة لكن احتجاجات عنيفة أجبرت الحكومة على تجميد القرار.

ومثل هذه الصعوبات قد تطرح حلا آخر أمام نداء تونس وهي تكليف حكومة كفاءات لإدارة الملف الاقتصادي والأمني الشائك.