المرأة... في الخطاب الإسلامي التقليدي

حضارات الأمم بمعاملة النساء

يعرف المهتمون بمقاربة مسارات الفكر الإنساني أن الممارسة العقلية/ العقلانية ممارسة في التحوّل والمُتحوّل. من هنا فهي – حتما – تقف على الضد من الثابت واللا متغير، ذلك أن الثابت واللا متغير يتفاعل جدليا مع خطاب التقليد والتبليد الناسخ بالمطابقة – عن الأسلاف. خطاب التقليد سكوني، ثابت، قارّ لكونه خطاب اللاّ فكر، أو خطاب الاستنساخ المستعاد (= خطاب النقل/ الأثر)، أو هو – إذا أردنا التقريب؛ مع شيء من التجوّز – "تفكير!" بواسطة الذاكرة التي لا تعمل إلا إذا امتلأت بمادة أنتِجَت سلفا.

لقد أصبح واضحا أن المرأة برمزيتها، وبفاعليتها الاجتماعية، وبما تتصف به العلاقات المتواشجة معها من ثبات أو تغيّر، تُعدّ مَحكّا حادّا تظهر عليه الإشكاليات العامة للمجتمع، حتى في المجالات التي يُظن أنها أبعد ما تكون عن إشكاليات المرأة الخاصة. لهذا السبب، أصبح الخطاب التقليدي يحبذ السكوت، عندما يكون الكلام بحثا في الأنثوي.

من البدهي أن هذه المادة التي تُصنع منها الذاكرة لا يمكن أن تحتل مكانا بارزا في تشكيل نظام الوعي؛ ما لم تأخذ الوقت الكافي الذي يكفل لها أن تُحقق حضورا يمنحها فرصة أن تفتح لها الذاكرة المُؤسطِرة أبوابها. وبمثل هذه الحال نجد أن المُفَكَّر فيه، أو المُفَكَّر له – وهو الأقرب هنا – يكتسب قيمته بالتقادم، فكلما كان يمتلك بُعدا زمنيا موغلا في القدم – كالعادات والتقاليد الراسخة الموروثة مثلا -؛ كان أقدر على استدعاء خطاب التقليد (= خطاب الذاكرة/ النقل)، وأحرى أن يتفاعل معه بما يكفل التعزيز المتبادل.

الانحياز إلى اللاعقل

إذن، لا نعجب حين نجد خطاب اللاّ عقل (= الخطاب التقليدي الرافض – على مستوى الوعي - للعقل) ينحاز إلى الثبات، وينأى عن التحوّل، يحبذ الوجود المتعين الناجز، ويتجافى عن المأمول المتخيّل. ولعل فزعه من التحول والتغيير أشد ما يكون ضراوة وعنفا؛ عندما تكون المرأة موضوع البحث، وميدان التناول. وهو – بلا شك – معذور في فزعه وهلعه!

إذ من المعروف أن موضوع المرأة موضوع شمولي، ذو أبعاد متعددة، تضرب بعمقها في مضامين الأبعاد السوسيو- ثقافية، تلك المضامين التي يُراد لها – من قِبَل التقليديين - البقاء على ما هي عليه، خاصة وأن بعض هذه الأبعاد تتماس – بشكل أو آخر – مع الطابع السيكولوجي للإنسان البدائي وشبه البدائي الذي هو الطابع العام لمجتمعات التقليد. ومن المهم الإشارة إلى أن الأبحاث الأنثروبولوجية ما زالت تؤكد على أن المرأة في المجتمعات البدائية، والشبه بدائية، تتمحور حولها جملة من التصورات الميتافيزيقية، وتعد من أهم نقاط التقاطع في الشبكات الداخلية لمنظومة القيم، وربما منظومة العقائد أيضا. وفي كل هذا ما يؤكد على أنها محور للثابت والمُستقر، وملاذ رمزي وعيني لما يُراد ترسيخه في الوعي، ومن ثم في الواقع.

لقد أصبح واضحا أن المرأة برمزيتها، وبفاعليتها الاجتماعية، وبما تتصف به العلاقات المتواشجة معها من ثبات أو تغيّر، تُعدّ مَحكّا حادّا تظهر عليه الإشكاليات العامة للمجتمع، حتى في المجالات التي يُظن أنها أبعد ما تكون عن إشكاليات المرأة الخاصة. ولهذا السبب، أصبح الخطاب التقليدي يحبذ السكوت، عندما يكون الكلام بحثا في الأنثوي (بل ويسعى أحيانا بشكل صريح إلى التصميت، وذلك بعدة وسائل، بعضها هجومي وبعضها دفاعي)، لأن موضوع المرأة لا يُعرّيه من جهة واحدة فحسب، وإنما يعريه من جميع جهاته، حتى تلك الجهات التي لم تكن لتخطر له على بال.

حدود المتعة والانجاب

إن المرأة في مجتمعاتنا الراهنة غالبا ما تعيش وضع السلب (اللاّ فاعلية) الذي يختصرها إلى حدود الوظيفة البيولوجية، وهو وضع يعكس مظاهر التخلف؛ مهما كانت مبررات هذا الوضع اللا طبيعي، الذي يُراد له – بكل صور الإكراه الفكري/ الديني - أن يصبح طبيعيا. وبما أنه ليس طبيعيا؛ فلا شك أنه مأساوي على نحو ما. ومهما قدم لها الخطاب التقليدي من خداع للذات، فإنه لا يغني عنها - في نهاية الأمر - فتيلا. ولعل المرأة المُندمجة في هذا الخطاب المخادع أصبحت تعي بؤسها الراهن، تعيه إذا قارنت نفسها بما حققته المرأة على المستوى الإنساني عامة. أما إذا قارنت ما هي عليه بما كانت عليه أمها وجدتها – وهي مقارنة يحبذها الخطاب التقليدي – فستجد نتيجة هذه المقارنة لصالحها في بعض مناحي الحياة (وليس كلها بطبيعة الحال؛ فهناك مكتسبات موروثة قضى عليها خطاب الصحوة). والمهم في كل هذا، هل تعي المرأة - إذ تقوم بذلك - أنها لا تعدو أن قارنت تخلفا بتخلف؛ فخرجت بنتيجة ظالمة للواقع وللتاريخ ؟!

الموقف واحد وإن تعددت قراءات المذاهب

إن مما لا شك فيه أن المرأة، بوصفها كائنا إنسانيا كامل الإنسانية، تطمح – كالرجل تماما – إلى الأفضل في كل مناحي حياتها. غير أن الخطاب التقليدي المتزمت الذي لم يرها إلا موضوعا لفعل لا ذاتا فاعلة، لم ولن يرضى لها بمثل هذا الطموح. ولهذا فهو يُحاول أن يؤسس، ويشرعن، بل و(يعقلن!) ما هي عليه من بؤس وتخلف، لا ليضمن لها الثبات على ما هي عليه، بل ليضمن لنفسه الثبات بثباتها. وهذا ما يجعل من الخطاب التقليدي/ اللا عقلاني خطابا سلبيا في موقفه العام من المرأة؛ حتى وإن ادعى غير ذلك، فدعوى المقال تفندها وقائع الأفعال.

سلبيات الخطاب الديني

لعلي أُجْمِلُ – اختصارا – سلبيات هذا الخطاب التقليدي في علاقته مع المرأة في النقاط التالية:

1- بما أن هذا الخطاب يتوسل بالشرعي في عمومه، فإن من الملاحظ عليه أنه لا يتوسل كلَّ الشرعي، بل يمارس عملية انتقائية تخدم رؤيته الضيقة التي يحاول الترويج لها. وهذه العملية الانتقائية لها وجهان – -وقد مارس هذه الانتقائية بوجهيها بكر أبو زيد في كتابه "حراسة الفضيلة" فبلغ الغاية القصوى في الانتقاء المزاجي-:

الأول: انتقاء في اختيار النص، بحيث يستحضر الدليل الذي يؤيد وجهة النظر المطروحة من قبله، ويستبعد كل نص/ دليل يمكن أن ينقضها؛ مع كون المُستبعَد - في الغالب - أصحّ ثبوتا، وأقوى حجة، وربما أكثر عددا.

الثاني: انتقاء من القراءات المشروعة للنصوص/ التأويلات، فلا يذكر إلا التأويل المراد الداعم لوجهة النظر الخاصة، حتى لو كانت التأويلات الأخرى حاضرة بقوة، حتى في المصدر الذي يمتاح منه تأويله الخاص. ففي الخطاب التقليدي، يتم تجاهل كل تأويل يتعارض من الرؤية المنغلقة؛ حتى ولو كان صاحب التأويل ذا حضور فاعل في ميدان العلوم الشرعية. بل ربما يكون مُمارِس الانتقاء أكثر الناس علما بأطروحات صاحب التأويل المستبعَد، وغير خافٍ عليه أن الانتقاء بهذه الطريقة ينطوي على عملية تزوير علمي لا يمكن التسامح معها علميا؛ فضلا عن كونها جرأة دينية يُجرّم صاحبها شرعا بتهمة التدليس والتزييف.

2- للعادات والتقاليد المتوارثة في الخطاب التقليدي دور فاعل في توجيه زوايا الرؤية لقضايا المرأة. فالعادات والتقاليد تحضر بعد أن تكتسي ثوبا شرعيا. ولقد غدا من الواضح أن اعتياد المجتمع على سلوك ما، هو ما يعطي هذا السلوك شرعيته التي تستدعي الشرعة الدينية.

بهذا لا يحضر النص الشرعي هنا إلا ليؤكد ما تناقلته الأجيال، وما درج عليه المجتمع في واقع الحال، مع أن الواجب فيه (النص الشرعي) أن يكون حضوره حضوراً يؤسس للأحكام ابتداء، وليس مجرد هوامش وحواشي لأحكام قُررت في زمن غابر، فاكتسبت شرعيتها من تقادمها. ولعل الاستقراء العابر للفتاوى التي تمس حضور المرأة اجتماعيا يظهر اختلافا واسعا بين المجتمعات الإسلامية في هذا الشأن؛ تبعا للعادات والأعراف الموروثة اجتماعيا. وأيا كان الأمر، هو اختلاف مقبول بل ومطلوب؛ لو لم تكن أحكامها في كل إقليم تتناغم مع الطابع الاجتماعي للإقليم الصادر منه، بحيث أصبحت تعكس الواقع الاجتماعي أكثر مما تعكس تعدد الرؤى واختلاف القراءات بالإحالة إلى المعنى الديني الخالص.

3- يحاول هذا الخطاب التقليدي إيهام المرأة باستثمار هيبة المقدس الديني؛ كي تعتقد بجُملة أوهام تأسرها إلى مقولات سدنة الخطاب التقليدي في النهاية. ومن جملة تلك الأوهام التي يُروّج لها، إيهامها أنها قد حققت ذاتها، وأنها في أحسن حال يمكنها بلوغها. وهنا تتم عملية الإيهام بطريقتين:

الأولى: التقليل من شأن ما حققته المرأة عالميا، وذلك بتضخيم جوانب السلب فيه، أو بتسليط الضوء على اللا مشروع (إسلاميا) فيه، أو بالتعتيم عليه؛ وكأن وضع المرأة عالميا لم يتغير منذ قرون إلا في هوامش لا أهمية لها.

الثانية: الاستشهاد بالنادر جدا من الحالات ذات الدلالة على ندية المرأة للرجل في مجتمعنا، ومحاولة إظهار ما ينطوي عليه الزواج (ودائما الزواج، وكأن لا حضور للمرأة خارج نطاقه) من شراكة، مع أنها شراكة على مستوى الطرح النظري، لا على مستوى الواقع العملي. بل إن الواقع في الحقيقة ينقض هذه الشراكة المزعومة، ويُفنّدها في كل تجلياته، إذ هو واقع يشي بهيمنة ذكورية صارخة، إلى درجة يمكن أن تُعدّ ممارسة المرأة النادرة لشراكتها جزءا من هذه الهيمنة الذكورية؛ على أساس أن هذه الهيمنة هي التي تمنح المرأة حق المشاركة المزعومة، وتسلبها منها متى شاءت.

4- يعمد هذا الخطاب التقليدي إلى تسجيل اعترافات من هنا وهناك، مما تدلي به المرأة أحيانا؛ ليؤكد لها من خلال منطوقها أنها راضية مطمئنة بحالها. وبهذا يُحاكمها بشهادة شاهد من أهلها. وهذا الانتقاء يتلاءم مع الطبيعة العامة للخطاب اللا عقلي؛ لأن في هذا تجاهلا لمن لم يرض بالواقع من جهة، ومن جهة أخرى فهو جهل بما هو من البدهيات؛ لأن مكتسبات الحرية لا يرفضها إلا من لا يريد تحمل مسؤولياتها. وبناء على هذا، فالرافض لهذه المكتسبات غير مسؤول ابتداء.

محمد بن علي المحمود

كاتب سعودي