أقباط مصر: هواجسهم وخطاب الإخوان والسلفيين

أول ملامح تجديد الخطاب الإسلامي الموقف من الأديان الأُخر

إن الحديث عن خطاب السلفيين والإخوان حول الأقباط يجب أن يكون من خلال فهم عام لقضية الخطاب الديني في مصر. هذا الخطاب الذي يتأرجح بين التحدي والاختلاف، كما أنه يتأثر بقضايا التشدد والتسامح التي سادت مصر، كذلك من المهم التعرف على بعض سمات عقلية الأقلية التي شكلت وعي الأقباط في المرحلة السابقة.

ذاع في الآونة الأخيرة الحديث عن تجديد الخطاب الديني. ولقد أخذنا المبادرة بالحديث عن هذه القضية الشائكة منذ فترة، ومازلنا نتحدث عنها، وذلك من منطلق حرصنا على أن يقوم هذا الخطاب بدوره على أكمل وجه في تطوير المجتمع ودعم القيم السامية والفكر المستنير.

لقد شهد العالم العربي سجالات فكرية حادة –بل مزمنة– بشأن قضية تطوير أو تجديد الخطاب الديني منذ مطلع التسعينيات حتي الآن. وتطايرت فيها الاتهامات بالعمالة والاستهداف والمؤامرة وغيرها. وذلك ليس في وسط ديني من دون آخر، بل ظهر ذلك في كل الأوساط الدينية والطائفية على حد سواء. بالطبع هناك العديد من المسببات التي يتعذر فحصها تفصيلاً في هذه العجالة.

نجد أن مفهوم الخطاب الديني، الذي شاع في أدبيات الفكر المعاصر، مقتبس كما هو معلوم من النظرية "البنيوية". يفيد معنى "الكلام" المنطوق والمكتوب، فهو الوعاء الذي يحوي هذا الكلام في نسق متميز محكوم بآلات وقواعد. والمصطلح بهذا المعنى استخدمه القدماء، خصوصًا في مجال اللغة والأدب والنقد الفني، كما هو الحال بالنسبة لابن قتيبة والجرجاني وغيرهما.

عقلية الأقلية:

بنظرة سريعة على سمات عقلية الأقلية يمكننا أن نوجز بعضًا منها كما يلي:

التدخل السماوي:

تنحو عقلية الأقلية إلى الأحلام الرؤويَّة التي تتمثل في تدخل الله ودعمه، هذه الأحلام تسهم في انتهاء الضغوط، وخلق مجتمع جديد تختفي فيه فكرة التمييز الديني. من هنا فإن هذه الأحلام، تعكس رؤية دينية ذات دلالات سياسية واجتماعية وثقافية. إنها تمثل هروبًا من الواقع الحالي بضغوطه، إلى مستقبل مثالي بأحلامه. وهنا عندما تنقل الأقلية فكرها وحياتها من العالم نفسه، إلى العالم الآخر، والمستوى السماوي، فإن التاريخ يتوقف تمامًا، ويصبح الفكر محصورًا فيما هو غير قابل للتحليل والدراسة.

المعجزات العامة:

إن تزايد الضغوط على الأقلية، يجعل من المعجزات العامة تأكيدًا على أن الله مع هذه الجماعة، وأنه يتدخل لصالحها. فحينما تتعرض الأقلية لضغوط، تشكك في إيمانها وعقيدتها وتهددها بالزوال، تأتي المعجزات العامة لتقدم يقينًا للأقلية، بالحماية الإلهية. ولعل الحديث المتكرر عن اختبارات فردية وجماعية لظهورات ومعجزات لقديسين في النصف الثاني من القرن العشرين تعكس هذه السمة.

الهوية:

إن واحدة من أهم المتناقضات التي تشكل عقل الأقلية، هي الهوية الدينية. ففي الوقت الذي تحتاج فيه الأقلية إلى دفع المجتمع نحو هوية قومية، تنزلق هي إلى الاحتماء بالهوية الدينية، هذا التناقض يخلق فكرًا مزدوجًا يؤثر في مصداقية الانتماء القومي. ومن جانب آخر تشعر الأقلية دائمًا بخطر الذوبان القومي، مما يجعلها تؤكد هويتها الدينية. هذا الموقف المعقد يُحدث بلبلة، وفي بعض الحالات قد يُشجع انتماءات دينية ذات توجه متطرف يستخدم الهوية الدينية لأسباب سياسية.

الانغلاق الثقافي واللغوي:

تلجأ الأقليات إلى الانغلاق اللغوي الذي يشكل ثقافة فرعية. وترى الأقلية في استخدام لغة خاصة، نوعًا من التميز. لكن هذا التميز يؤدي في مرات كثيرة إلى نوع من الانغلاق وسوء الفهم. ولعل خير دليل على هذا الانغلاق اللغوي هو الطريقة التي تقدم بها الكنيسة عقيدتها عن الثالوث في مجتمع إسلامي. فنحن نعرف أن هذه العقيدة تبلورت صياغتها اللاهوتية بوضوح في القرن الرابع الميلادي. وتمَّ استخدام تعبيرات مثل "أقنوم" للتعبير عن وحدانية الله المتعدد في ذاته. ومع أن هذه المفردات اللغوية (مثل أقنوم) كانت ذات دلالة في الوقت الذي استخدمتها الكنيسة، فإن تغيير البيئة الثقافية، وقيام الحضارة العربية الإسلامية، كانا يتطلبان من الكنيسة إعادة صياغة الفكرة اللاهوتية نفسها في مفردات جديدة.

فاللغة تلعب دورًا مهما في صياغة التواصل، لذلك فالكنيسة تحتاج أن تتكلم لغة يفهمها العامة. إن خلق ثقافة خاصة منغلقة، يؤدي إلى الانعزال والتغريب والتهميش، لذلك فالكنيسة مدعوة لإعادة النظر في اللغة التي تستخدمها، لكي تكون قادرة على بناء الجسور، والتعامل والوجود الخلاق.

هذا عرض مختصر لبعض السمات التي تشكل عقل الأقلية، ومن هنا علينا النظر بعمق للواقع الذي نعيش فيه، فنحن نعيش في حضارة عربية إسلامية، وفي الوقت نفسه نشكل أقلية عددية دينية. هذان العاملان يمثلان أساسًا مهما في صياغة فكر لاهوتي عربي.

إن مفردات مثل: "الوطن السماوي" في مقابل الوطن الأرضي، أو تأكيد الهوية الدينية التي تتجاوز الانتماء القومي، واستخدام مفردات تتسم بالغموض، وغيرها من التعبيرات اللاهوتية الشائعة تحتاج إلى إعادة قراءة وصياغة.

على الجانب الآخر يمثل صعود الإسلام السياسي إلى الساحة المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين، تطورًا جديدًا للأقباط، فالتأكيد على الهوية الدينية، وإعادة إنتاج مفهوم الذميَّة وطرح نظام سياسي ديني، كانت تمثل تحديات هائلة للأقباط.

الإسلام السياسي قبل الربيع

تشمل الحركات الإسلامية في مصر العديد من الجماعات التي لديها اهتمام سياسي مباشر وغير مباشر. والجماعات التي لديها اهتمام سياسي مباشر يمكن تسميتها بالجماعات الثورية، والتي كانت تسعى إلى تغيير النظام السياسي من خلال استخدام العنف، هذه الجماعات تشمل حركات مثل: التكفير والهجرة، والفنية العسكرية، والجهاد، والجماعة الإسلامية. لقد سعت هذه الجماعات إلى التغيير من فوق إلى أسفل، وذلك من خلال استراتيجيات عنيفة وكان موقفها من الأقباط واضحًا.

لقد شهدت الثلاثون عامًا الأخيرة من القرن العشرين عنفًا شديدًا ضد الأقباط في الفترة ما بين 1972 و1995 كان عدد القتلى (1205) وعدد المصابين (1024). ولقد قامت الجماعة الإسلامية بنسبة كبرى من هذه الأعمال الصعبة تصل إلى 90٪ فيما قامت جماعة الجهاد بالنسبة الباقية، وفي هذه الفترة لم تتورط جماعة الإخوان المسلمين في أي أعمال عنف ضد الأقباط.

وعلى بداية الألفية الثانية لم يتوقف العنف ضد الأقباط. وربما تمثل حادثة كنيسة القديسين بالإسكندرية عام 2010، وكذلك حادثة الاعتداء على أقباط نجع حمادي في 2011 نموذجًا للعنف غير المبرر من هذه الجماعات الثورية.

أما جماعة الإخوان المسلمين فهي تمثل نموذجًا للجماعات التطورية التي تسعى إلى الوصول إلى السلطة عبر التغيير القاعدي. فالجماعة تؤمن بأهمية تغيير العقول وأسلمة مؤسسات الدولة بهدف التغيير من القاعدة للقمة.

في مرحلة ما قبل ما يسمى بالربيع العربي، كانت هناك جماعات وحركات إسلامية مثل جماعة أنصار السنة، والجماعات السلفية بأنواعها، وهذه الجماعات كانت تمثل نموذجًا للمشاركة السياسية غير المباشرة، مع أن البعض منها كان حليفًا مباشرًا وغير مباشر للنظام.