ثقافة في خدمة العنف

يكتبون ما يشبههم أو ما يشبه زمانهم الأغبر، وهم على قطيعة مبينة مع وظيفتهم التنويرية.

لقد ولى الزمن الذي كانوا فيه نجوما تأتلق، لتبدد ظلام خرائط الجمهوريات والممالك المنفلتة حديثا من براثن الزمن الكولونيالي والتي تتلمس الطريق الى الحرية. لقد كانوا من صنو الأنبياء، اذ الافكار من هداهم تتقولب مناهج ويقينا للضالين ان يهتدوا على شكل البلاد، دستورا وأمنا لسيادة قيم الانسان؛ يجترحها الوعي المبدع بذائقته الفنية لاطلاق عجلة الانتاج الى رحاب الترقي.

اليوم يكتبون ما يشبههم أو ما يشبه زمانهم مثقفو السوق وحسب العرض والطلب. وما حولهم سوى الحطام. يخالفون وظيفتهم حينما يرتضون ان يكونوا جزءا من هذا الحطام، ومن هذا الخراب المنتشر، ومن هذا الانحطاط المقيم. وينفخون على الجمر لبثّ الاشتعال.

اذا قلنا ان الامة مصابة بالعجز، فاذا بهم هم أسياد العجز... يجترّون كلماتهم المتفحمة من كثرة سواد القلب الممتد الى جدار العقل... يتصدع هذا الجدار ومن تشققاته يخرج الدخان الاسود، فاذا بالبلاد واقعة تحت ضباب كثيف، والسواد يملأ المعمورة كلها... والكل يتخبط.

مشهد الثقافة العربية الراهن، لا يختلف عن مشهد أوطاننا المحترقة. الكل في الأتون ولا ريادة ثاقبة تأخذ زمام المبادرة نحو طريق الخلاص، لأن الارجوحة الفكرية أفرغت اليقين من لمعان الهداية.

الشارع هو الشارع... هذا الموصوم بالغوغائية والتخلف من قبل عيّنة الفلاسفة والكتّاب اياهم الذين يبذرون في الحياة العربية بذور الطائفية البغيضة... وهؤلاء هم الذين أول من يقع في غواية المعاني التي هي نتاج عقولهم الدكناء... وينفخون في بوق الغوغائية سمفونياتهم الرديئة امعانا في عصر الانحطاط واصرارا عجيبا على إدارة الازمة.

السؤال البديهي: كيف لا يختلف الفيلسوف مع أسباب الأزمة؟ وبدل ان يخالف عناصر البلاء لشعبه، كيف ينصب افكار الفتنة كمصائد تنتظر ضحاياها؟ والكتابة لديه تصبح في اطارها العام تخصيب للحقد والكراهية...وهنا فقط يفلح ان ينتصر على العجزحيث فلسفة ثقافة العنف ستولّد ادواتها الفتاكة في جسم المجتمع المنهك اصلا منذ أمد بعيد.

والسؤال الصارخ هنا: كيف للمثقف ان يكون داعية لسفك الدماء؟

الطبيعي ان يغتبط المفكر التنويري لسقوط الفكر الظلامي المضاد... ومن غير الطبيعي ان يغتبط هذا المفكر لفكرة الموت والنفي للآخر ككائن، حيث تبدو الثقافة هنا لا تسير في اطارها التثقيفي والاجتماعي، ولا بد ان انحرافا خطيرا قد أصابها... وقد أصاب بالتحديد إنسانية النص وعطب الحواس. وأثناء هذا الوضع والى المستقبل، ان لم يتم تدارك الخلل فإن اي نتاج هو نتاج مهزوز من انسان مختل، شقي ويدعو الى الشقاء.