مساواة إرهابية بين الرجل والمرأة في تونس

نساء تونس عرضة لثقافة الموت

تتنوع العمليات الإرهابية في تونس من حادثة إلى أخرى وتتخذ أشكالا ملتوية أفصحت حيثياتها ودلالاتها عن مكامن العقيدة الإرهابية للجهاديين من منطلق النسق الإرهابي المتغير وفق المكان والزمان والفصائل والتنظيمات وصولا إلى محو المسافة المتخذة بين الجنسين في الأداء الإرهابي.

نجاح السلطات الأمنية في تونس في تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية أفرز عديد المتغيرات المرتبطة أساسا بالرؤية الإرهابية الخفية للتنظيمات المتشددة في تونس، وإن كانت أغلبها غير مفصولة عن السياق التاريخي لمنظومة العمل الإرهابي، فإن المنعطف الخطير الذي طفح على السطح هو تنامي دور العنصر النسائي فيما يتعلق بحبك وتدبير وتنفيذ العمليات الإرهابية لتصبح المسألة ليست فلتات "متشظية" بمفعول الاستقطاب الأيديولوجي وإنما نحن أمام منظومة فكرية جديدة تتخذ من الفتيات "حد السكين" الذين يمكن أن ينغرس بكبسة زر ويُنجح المخطط الإرهابي.

 

بداية الطريق

منذ تفجر بعبع الإرهاب في تونس بدأت أنامل الأيادي الناعمة تلمس جوهر العمل الإرهابي بداية بتبني الفكر الجهادي ثم الانتقال إلى ما سمي بـ"جهاد النكاح" في سوريا وجاءت تقديرات السلطات الرسمية آنذاك لتنهي كافة محاور الجدل حول هذه القضية عندما أعلن وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو أن فتيات تونسيات سافرن إلى سوريا ثم عدن إلى تونس حوامل من مقاتلين أجانب من دون تحديد عددهن.

هذا التصريح الواضح كشف عن بداية تغير جذري فيما يتعلق بانخراط النساء والفتيات في دائرة الفكر المتطرف، وهو ما يمكن تصنيفه ببداية المغازلة الفكرية لجلبهن إلى خندق التنظيمات المتشددة وجعلهن وقودا حاميا لعمليات وأدوار أكثر نجاعة للمتطرفين وأقل احتراما لحياتهن.

التدرج في عملية الاستقطاب سمة واضحة في فكر المتشددين والتحول من مرحلة إلى أخرى يقتضي آليات جديدة وطرق مبتكرة بنماذج علمية تسهل عليهم عملية التجنيد والإغراء وكثيرا ما يتدثرون بعباءة الدين لإنجاح مشاريعهم، لذلك لم تعد تقتصر عمليات الاستقطاب على الشريحة "المفقرة" علميا بل استهدفت المتفوقات دراسيا للاستفادة من طاقاتهن العلمية ورميهن في بؤر الإرهاب دون الاكتراث بحجم مخططاتهم العبثية.

يافعات على حافة الجمر

مع تواتر الخلايا الإرهابية وتكثيف عملياتها بدت تظهر جليا بصمات العنصر النسائي الذي بدا أكثر حيوية وصمودا من أي وقت مضى، جاءت الدلائل والإثباتات لتؤكد ما كان قيد الخفاء، حين كشفت وزارة الداخلية التونسية عن إلقاء القبض على فتاة تترأس الجناح الإعلامي للتنظيمين الإرهابيين أنصار الشريعة المحظور وكتيبة عقبة والمدعوة فاطمة الزواغي من مواليد سنة 1994.

فتاة في عمر الزهور تدرس الطب حوّلها الإرهاب إلى قشّة في مهب التطرف، تدير أخطر أركان العمل اللوجستي للتنظيمات الإرهابية، لا يمكن تفسيره إلا ضمن خانة الاستقطاب الموجه الذي تنتهجه المجموعات المتطرفة، ما ينم عن بداية الاعتماد بشكل واضح على النساء لتأثيث زوايا جديدة تمكنهم من كسب عناصر إضافية لا يحسب لها حساب من قبل عيون الأمن وتدير ألف حساب إرهابي في نظرهم.

حادثة وادي الليل الإرهابية التي جدت في تونس مؤخرا مزقت الصمت وأطلقت العنان لضرورة كبح ظاهرة الاستقطاب النسوي بعد قتل 5 نساء وإلقاء القبض على أخريات كن يحملن أسلحة ثقيلة في وجه القوات الأمنية ويتحدثن بثقة عالية وبتصميم على عدم الاستسلام ولو كلفهم ذلك حياتهن.

منعطف لا يمكن الاستهانة به أو التقليل من تبعاته بالنظر إلى خطورة انعكاساته مستقبلا خاصة إذا ما اعتبرنا أن السكوت عما يطلق عنه نوادر أصبح ظواهر صادمة، وتجربة العراق مع "انتحاريات" القاعدة بعد الغزو الأميركي دليل على تغذي الإرهابي من إناء "الجنس اللطيف" وتوظيفه لإدارة معارك ضارية لحسابات ومآرب ضيقة.

لا يمكن إذن النظر من منظور ضيق لهذه المتغيرات في الشأن التونسي فمن فكرت ودبرت وساعدت ونفذت هي حتما مشروع يمكن أن ينفجر في أي وقت، والحذر من النزعة الانتقامية لبعضهن أصبح معطى ضروريا في خضم التكتيكات الجديدة التي تستعملها كتائب إرهابية لاستمالة النساء والتغرير والدفع بهن إلى ساحات المعارك إما لوجيستيا أو إعلاميا أو عمليا.

صفحة جديدة اذن من صفحات الإرهاب تُكتب وتُحبّر بملمس أنثوي بحت، عجّل بضرورة معالجة هذه الظاهرة ليس من مقاربة أمنية فقط بل سيكولوجيا واجتماعيا لقطع دابر الإرهاب "الناعم" والقضاء على الظاهرة الفتية قبل الاستشراء والتغول في المخيال النسوي التونسي.