مصر تلقي بثقلها في عملية استعادة 'ليبيا المستقرة'

مصر تخشى على امنها من مستنقعات الفوضى الليبية

القاهرة - عرضت مصر تدريب القوات الحكومية التي تقاتل فصائل مسلحة متنافسة في ليبيا في تصعيد لجهودها للقضاء على ما تراه خطرا على استقرارها من الفوضى التي اجتاحت جارتها الغربية.

ويمثل هذا العرض أحدث علامة على تدخل قوى عربية متنافسة في ليبيا التي أصبحت ملاذا للمتشددين الاسلاميين وعلى وشك السقوط في هاوية الدولة الفاشلة، في الوقت الذي تنشغل فيه الحكومات الغربية بالأحداث في العراق وسوريا.

وتحاول مصر إعادة تأكيد نفوذها الاقليمي وفي الوقت نفسه استعادة المساعدات العسكرية التي أوقفتها الولايات المتحدة بعد الحملة التي شنتها القاهرة على جماعة الاخوان المسلمين.

وقال مسؤولون أمنيون مصريون إن مسؤولين عسكريين مصريين وممثلين لقوات الحكومة الليبية التقوا عدة مرات خلال الشهرين الأخيرين في القاهرة وفي مدينة مرسى مطروح المطلة على البحر المتوسط.

وقال مسؤول في المخابرات العامة، طلب عدم نشر اسمه، إن المطروح على المائدة "استخبارات وتدريب". وامتنع المتحدث باسم الحكومة المصرية عن التعقيب، لكن أحمد بوزياد المسماري، الناطق بلسان رئيس هيئة الأركان الليبية، أكد أن مصر عرضت تدريب القوات الليبية.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعا إلى القيام بعمل حاسم ضد المتشددين الذين يتخذون من ليبيا قاعدة لهم، وتقول مصر إنهم يتسللون عبر الحدود لمساعدة جماعة أنصار بيت المقدس في مهاجمة قوات الأمن المصرية في صحراء شبه جزيرة سيناء.

وقال مسؤول المخابرات "مصر لديها معلومات عن أماكن تواجدهم (المتشددون المرابطون في ليبيا) وعددهم ونوع الأسلحة التي بحوزتهم."

وكان مسؤولون أمنيون مصريون قالوا إن جماعة أنصار بيت المقدس أخطر الجماعات المتشددة في البلاد لها اتصالات بتنظيم الدولة الاسلامية الذي خرج من عباءة تنظيم القاعدة، والذي تستهدفه الان ضربات جوية تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا بعد أن اجتاح أراضي العراق وأعدم من لا يبايعه.

وفي شهر سبتمبر/ايلول، قال السيسي، الذي أيد الضربات لكنه لم يشارك فيها، إن على أي تحالف عالمي مناوئ للدولة الاسلامية أن يتعامل مع طائفة من الجماعات المتطرفة، موضحا أن اهتمامه ينصب على بلده.

وتعرض اسلاميون في ليبيا تربطهم صلات بجماعة الاخوان المسلمين لضربات جوية خلال أغسطس/اب، ونقلت وسائل اعلام عن مسؤولين أميركيين قولهم إنها من تدبير مصر والإمارات العربية المتحدة.

ولم ترد الامارات رسميا على هذه الاتهامات كما أن مصر نفت اشتراكها في القصف الجوي الذي حدث وسط مخاوف أميركية من أن ترى بعض الدول في الحرب على الدولة الاسلامية ضوءا أخضر لشن هجمات أخرى.

ومع انتشار نفوذ الدولة الاسلامية بين جماعات اسلامية متشددة في شمال أفريقيا ترسل مقاتلين جهاديين إلى سوريا والعراق، تعتزم الجزائر الجار الغربي لليبيا تدريب قوات ليبية أيضا.

لكن تعزيز الدور المصري يشرك في الأحداث واحدا من أكبر جيوش الشرق الاوسط والذي يسعى لمعالجة ما لحق بسمعته من ضرر من جراء الاطاحة في العام 2013 بالرئيس الاسلامي المنتخب محمد مرسي بعد احتجاجات شعبية واسعة على حكمه.

وفي ابريل/نيسان أعادت واشنطن بعضا من المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار لمصر كانت قد جمدتها بعد عزل مرسي، لكن محللين قالوا إن المخاوف بشأن احترام حقوق الانسان أبقت على فتور العلاقات.

ليبيا مقسمة

أدت أسوأ أعمال عنف تشهدها ليبيا منذ الاطاحة بمعمر القذافي عام 2011 إلى تمزيق البلاد.

وانتقلت الحكومة والبرلمان المنتخب إلى طبرق في أقصى شرق البلاد منذ فقدت السيطرة على العاصمة طرابلس حيث أقامت قوى اسلامية من مدينة مصراتة الغربية حكومة منافسة.

واتهمت الحكومة الليبية السودان وقطر بالسعي لتسليح جماعات معارضة لها ونفت الدولتان هذه الاتهامات بشدة. وفي الأمم المتحدة طلبت الحكومة من القوى العالمية ارسال أسلحة للمساعدة في استعادة الأمن وإعادة بناء المؤسسات حتى لا تضطر للتصدي للإرهاب وحدها.

وقال مسؤول مصري بالأمن الوطني إن مصر لن تقدم سلاحا. وأضاف "السلاح في ليبيا زي الرز" مشيرا إلى وفرته.

ويقول مسؤولون أمنيون إن بعض هذه الاسلحة يهرب عبر الحدود ليصل في نهاية الامر إلى أيدى مقاتلي أنصار بيت المقدس.

وأضاف مسؤول الأمن الوطني "قوات الأمن تضبط مهربين كل يوم."

وقال المسؤولون إن أسلحة أخرى تصل عبر تجار في السودان يخبئونها في مراكب نيلية تسافر إلى مدن مصرية ليتم تفريغها فيها.

وقال مسؤول الأمن الوطني "المتشددون يدفعون ثمن هذه الاسلحة مثلا من خلال سرقة السيارات المصفحة التي تنقل الاموال من القاهرة إلى بنوك في الاسكندرية وشرم الشيخ."

وتشعر الدول الغربية على وجه الخصوص بقلق لوجود جماعة أنصار الشريعة المتشددة في ليبيا التي تتهمها الولايات المتحدة بقتل سفيرها وثلاثة أميركيين آخرين عام 2012 وأعلنتها جماعة ارهابية.

كذلك فإن المخاطر كبيرة بالنسبة لمصر، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة والتي تربطها معاهدة سلام بإسرائيل وتسيطر على قناة السويس الممر الملاحي العالمي، لكنها تعاني من عدم الاستقرار منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الاسبق حسني مبارك عام 2011.

وسحق السيسي جماعة الاخوان المسلمين بعد الإطاحة بها من مقاعد السلطة عندما كان وزيرا للدفاع وقائدا عاما للجيش في العام 2013. لكن اسلاميين متشددين تحدوا الحملات الأمنية وقتلوا المئات من قوات الامن ما ألحق ضررا شديدا بصناعة السياحة المهمة.

وقال السيسي لرئيس البرلمان الليبي إن القاهرة ستدعم بالكامل المساعي الرامية لتحقيق الاستقرار في ليبيا.

وتزايدت مخاوف مصر بعد أن قتل مسلحون اسلاميون يتخذون من ليبيا قاعدة لهم 21 من رجال حرس الحدود المصري في يوليو/تموز.

ويقول مسؤولون إن القاهرة ليس لديها أي نية للتدخل مباشرة في الصراع، لكن مسؤولين بالأمن الوطني قالا إن مصر درست امكانية شن هجمات عبر الحدود منذ عدة أشهر.

الدولة الاسلامية

وسلط المسؤولون الأمنيون المصريون الضوء على ما وصفوه بصلات تربط بين المتشددين في كل من ليبيا ومصر والدولة الاسلامية، وقالوا إن متشددين مصريين يعملون في ليبيا يحلمون بإقامة امبراطورية على غرار الدولة الاسلامية في بلدهم الأم.

وقال أحد قادة أنصار الشريعة لوكالة انباء رويترز في سبتمبر/ايلول إن الدولة الاسلامية تقدم المشورة لجماعته في اقامة خلايا سرية وتفادي الوقوع في أيدي السلطات، وأكد المسؤولون الامنيون ذلك.

وفي الأسبوع الماضي حثت الدولة الاسلامية المتشددين في مصر على شن هجمات على قوات الأمن وذبح أفرادها وذلك بعد يوم من انفجار قنبلة بجوار وزارة الخارجية المصرية في القاهرة أسفر عن مقتل ثلاثة من رجال الشرطة، وأعلنت جماعة متشددة مسؤوليتها عنه.

وقال مسؤول المخابرات "توجد علاقة بين متشددي ليبيا ومتشددي مصر والدولة الاسلامية. وتربط بينهم صلات عقائدية ويقولون إنهم معا."

وأضاف أن رسالة الدولة الاسلامية هي "(إذا كنتم تحتاجون شيئا أو تريدون الاستفادة من خبرتنا فقولوا لنا)".

وقال مسؤول الأمن الوطني إن هناك مؤشرات على أن تنظيم الدولة الاسلامية ربما يكون قد بدأ في توسيع علاقته بجماعة أنصار بيت المقدس استنادا إلى ابلاغ أحد المتشددين من أعضاء الجماعة السلطات المصرية أثناء التحقيق معه بعد القبض عليه أن مقاتلا من الدولة الاسلامية في العراق اتصل به وأرسل له أموالا.

ولم يتسن التأكد من هذه الرواية من مصدر مستقل. وكانت واشنطن أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس منظمة ارهابية، لكنها قالت في ابريل/نيسان إن الجماعة تحافظ بصفة عامة على تركيزها على الشأن المحلي.

ويتألف الجيش الليبي من جنود سابقين من عهد القذافي وثوار ساهموا في الاطاحة به وتعمل وزارة الدفاع الان على دمجهم. لكن الاضطرابات السياسية تؤخر محاولات الشركاء الأجانب تدريب جيش.

وبخلاف عرض تدريب القوات الليبية قال مسؤول المخابرات إن القاهرة مستعدة للتعامل مع اللواء السابق بالجيش الليبي خليفة حفتر من أجل التصدي للمتشددين.

وكان حفتر برز كقائد منشق يقاتل الاسلاميين لكنه دخل في الاونة الاخيرة في تحالف ضعيف مع الحكومة في طبرق في إطار حالة الفوضى التي تشهدها البلاد.

وقال مسؤول المخابرات إن "مصر أبلغت حفتر أن بوسعها مساعدته في التصدي للمتشددين في درنة وان بوسعها تزويده بمواقعهم وأن من الممكن تدريب رجاله على كيفية قتالهم."

ويشعر المسؤولون الامنيون المصريون بالانزعاج بصفة خاصة بسبب المتشددين الذين يعملون في محيط مدينة درنة الليبية التي تعد مركزا للاسلاميين ولتنظيم القاعدة على مسافة بضع مئات الكيلومترات من الحدود.

ويحاول جيران ليبيا ودول أوروبية التقريب بين الأطراف المتحاربة للتوصل إلى حل سلمي. وقالت الجزائر إنها مستعدة لاستضافة مؤتمر للمصالحة.

وقال مصدر أمني إن الشرطة الجزائرية تخطط لتدريب 60 ليبيا كخطوة أولى للمساعدة في ضبط الأمن الداخلي وإن الشرطة الجزائرية تشارك أيضا في جهود تدريب قوات الأمن الليبية.

لكن المصدر قال إن البرنامج واجه صعوبات. وقال مسؤولون جزائريون إن الحل الوحيد لتحقيق استقرار دائم حل سياسي.