جواد علي وتظاهرات نوري المالكي

ماذا فعل المحتفى بهم سنوياً غير سكب الوهم في عقول العراقيين؟

عندما قرأت الخبر الذي يقول إن مكتبة الإسكندرية المصرية احتفت بالمؤرخ العراقي الكبير جواد علي وجمعت أبحاثه غير المنشورة ونشرتها بمجلدين، قلت لأحد الزملاء لا يقدِّر الكبار سوى الكبار.

درس العلامة جواد علي أخبار وأحداث ابن خلدون وحفظها واطّلع على معظم ما كتب عنها وكلّ ذلك في إعجاب شديد وحبّ صادق للمعرفة، وكان جواد علي ابن الكاظمية يعرف أن الأندلسي"ابن خلدون"ينفر من الحكايات التي تريد أن تحوّل التاريخ إلى مجموعة أساطير وخرافات، وعندما أصدر جواد علي موسوعته الشهيرة"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"كان يريد أن يردّ فيها على الذين يتخذون من كتابة التاريخ منهجاً في تزوير الحقائق، لأنه كان يرى في درس ابن خلدون "إن المؤرخ يجب أن يكون واعياً متماسكاً مدركاً لنفسه ولتجربته، وهو يدرس أحوال الزمان والبشر"، ولم يتصور صاحب المفصل، أن بغداد التي ظل يعشقها ويرفض مغادرتها ستنساه يوماً، لأنه تفرّغ لتهذيب تاريخ الأجداد من"الخزعبلات"، وستتذكره مدينة الشاعر كفافيس أول من نبّهنا إلى ان البرابرة ينتظروننا على الأبواب.

لِمَ لا يحدث أي شيء في مجلس الشيوخ؟

لماذا يجلس الشيوخ هناك من دون سنّ القوانين؟

لأنّ البرابرة سيأتون اليوم.

فأيّة قوانين يسنـُّها الشيوخ الآن؟

فعندما يصل البرابرة، سيتولون سنّ القوانين.

عاش جواد علي ومات وهو ينتمي إلى فكر وثقافة مضادة لاثنين، الطغاة ودعاة الطائفية..كلاهما كان وراء مصادرة ومحاربة مؤلفاته، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الكتاب الذي جلب العداوة للراحل، وجعل منه هدفاً للمتطرفين في كتابة التأريخ من كلا الطائفتين السُنّة والشيعة.

مرّت ذكرى رحيل جواد علي بصمت، مثلما مرّت أيضا مئوية فائق حسن وهاشم الخطاط وصبيحة الشيخ داود والبغدادي جلال الحنفي وأضف اليهم حافظ الدروبي، وسط صمت حكومي بامتياز، فكان التجاهل، ونكران الجميل والنسيان لأبرز بُنـــاة النهضة العراقية الحديثة، الذين أتمنى عليهم ألّا يغضبوا أو يحزنوا لأننا اليوم نعيش عصر أُمراء الطوائف والمحاصصة البغيضة والبحث عن الغنائم، عصر المحسوبية والانتهازية، والنواب الذين يتهالكون على الامتيازات أكثر من تهالكهم على حضور جلسات البرلمان، عصر وزّعت فيه رواتب تقاعدية لسياسيين أمضوا تسعة أشهر في الخدمة قضّوها بين مصايف لبنان وأبراج دبــي!

أما القائمون على وزارة الثقافة فهم مهمومون بإقامة مهرجانات ثقافية نجومها مدراء عامون وسكرتيرات ومدراء مكاتب، كما أن جواد علي لا ينتمي إلى حزب من أحزاب هذا الزمان، يُجبر مؤسسات الدولة على إقامة الاحتفالات والموائد. وليس من دعاة القبلية حتى يطالب بـ"ضرورة تشريع قانون المجلس الوطني للعشائر".

كما أن ذكرى رحيله تزامنت وساستنا الموقرون يخوضون حرب الحصول على وزارتي الدفاع والداخلية، وإذا كانت بعض شعوب العالم تحتفل بمفكريها وأدبائها الكبار، فهذا لأنهم شعوب عاطفية أكثر من اللازم، ويملكون وقتاً فارغاً لا يعرفون ماذا يفعلون به!
ماذا انتج رؤساء الأحزاب الدينية؟

أكثر من ربع قرن مرَّ على رحيل مؤرخ العرب الأبرز، وخمسة عقود على غياب رائد الحداثة الشعرية العربية بدر شاكر السياب، ونحن نعيش سنوات من الأسى والخراب، فيما خيول داحس والغبراء منشغلة بنزاعات الثأر والطائفية، من البصرة و بغداد والأنبار والموصل وميسان إلى صلاح الدين، ويصرّ ساستنا الأشاوس على نقل المعركة من أجل العدالة الاجتماعية والقانون والرفاهية والمستقبل إلى معركة يريد أن يتوّجها البعض بتظاهرات"حوثيّو المالكي "تيمناً بتجربة"المناضل"علي عبد الله صالح الذي ظل يفاوض ويخطب، ويجادل ثم يستقيل، ثم يخرج على أهل صنعاء ليقول لهم : لقد بدأنا للتو. مبتكراً مفاهيم جديدة في السياسة شعارها حرب حتى النفَس الأخير من أجل المناصب والمغانم، لا مكان لصوت العقل والفكر، فلا صوت يعلو على صوت المعركة، وطبول الحرب، وتظاهرات الولاية التي لا تريد أن تنتهي.

علي حسين

كاتب عراقي