الى 'علماء' الدين الاسلامي... انتم المشكلة لا داعش

عندما اطلعت على رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في الحملة الدولية ضد الارهاب في سوريا والعراق اخذني الفضول للتعرف على موقفه متخيلا بأنه سيزيل الكثير من اللبس عند الناس في اتخاذ موقف واضح من داعش وجرائمها، ويعيد للناس ثقتهم برجال دينهم المسلمين. غير ان اللغة الانشائية التي تميز بها الخطاب، والتلاعب بالكلمات، والقفز على المفاهيم فيه زاد من الطين بلة، قد يكون سببا في التحاق المزيد من الشباب بهذه التنظيمات المتطرفة. فقد بدا الخطاب بنفس اللغة البائسة لساسة العالم الاسلامي، وبمفهوم لا يرتقي لخطورة الحدث، في كيل التهم للآخرين لكل ما يجري في العالم الاسلامي. فبدأ باتهام ما سماه (تهكما) بالعالم "الحر – الحضاري – الانساني" بالقول بان:

"أكثر من ثلاثة أعوام ونحن نناشد ونستجدي ونقدم الأدلة والدماء تسيل والمعتقلات مكتظة بمئات الآلاف من الأبرياء، والأسر أنهكها التشرد، وفقد أكثر العقلاء رشدهم من شدة الجور وفظاعة المشهد. والعالم 'الحر' 'الحضاري' 'الإنساني' يرى ويسمع ويعطي الجاني الفرصة تلو الفرصة ليتمكن من القضاء على الاسلام روحاً وفكراً ويمكّن لبعض الأقليات التابعة والمنغمسة في العمالة له لتبقى الحارس الأمين على مصالحه، ذلك الغرب الفاقد لأدنى معايير الانسانية يخرج علينا اليوم مستعيناً بمن يدين بديننا ويتكلم لغتنا ليساند الباغي عسكرياً ويدعم بقاءه علناً وبمسوغ سياسي تشمئز من وقاحته النفوس."

ثم اضاف:

"وعليه فإن المسلم الحر الغيور لا يمكنه الوقوف إلى جانب أي تحالف يستهدف أرضه ودياره وأهله مهما تكن المبررات، فالإعلام في العالم موجّه وغير نزيه وهو أداة فعالة للعبث بعقولنا ومصائرنا فحذار من الانجرار وراء طروحاته لكيلا نتكلم بسخط الله."

الغريب في هذه الفقرة ان رجال ديننا كانوا ولغاية اشهر من الان يطالبون الغرب (الكافر) بمساعدة الشعوب في ثوراتها على انظمة الحكم في المنطقة، فلأكثر من مرة طالب الشيخ القرضاوي المجتمع الدولي والغرب للتدخل ومساعدة الشعب الليبي والسوري في ثوراتهم ضد نظامي الحكم في الدولتين. والسؤال هنا.. الم يكن نظام معمر القذافي وبشار الاسد يعتمدون نفس اللغة في انتقاد التدخل الغربي ويتهموها بأنه يستهدف الارض والديار والأهل؟ الم يكن مطالبة القرضاوي للغرب لمساندة ثورات الشعوب ستسفر عنها ضحايا من المدنيين كما في الحملة ضد الارهاب؟ الفرق الوحيد بين الحالتين ان المستهدف الان ليست الانظمة بل منظمات ارهابية اخطر على شعوب المنطقة من الانظمة الدكتاتورية نفسها... فهل موقف الاتحاد هذا يعني توافقا ضمنيا بين ما يؤمن به وما تتبناها داعش من افكار وطروحات؟ خاصة وان البيان لم يأتي الى انتقاد هذه التنظيمات لا من قريب ولا من بعيد، بل حاول ايجاد اعذار ومبررات لغلوهم وتطرفهم، كي يريحوا ضميرهم الانساني امام الجرائم التي ترتكبها هذه التنظيمات باسم الدين. ثم لماذا ينتظر رجال ديننا ان يقدم الغرب (الكافر) شيئا للعالم الاسلامي وهم يؤمنون بأنه "لن ترضى عنكم اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم"؟... إلا يعني هذا انهم لا يتفقون مع ما جاء به القران وكأنهم صدموا بموقف هذا الغرب (الكافر)؟

ثم يأتي البيان للحديث حول موضوع التنظيمات المتطرفة ليقول: -

"أما ما يسمى 'الدولة الاسلامية' فقد كثر الكلام حولها، وإن أردت الحديث عنها فليكن ذلك من وجهين؛ أما الوجه العام فهو أن إقامة دولة الإسلام دولة الحق والعدل والرحمة حلم يطمح إليه كل مسلم، لا سيما في هذا العالم المليء بالظلم والقهر، ولكن الطريقة التي قامت بها ( الدولة الإسلامية ) تضع إشارات استفهام كثيرة لا تخفى على عاقل، ومن وجهة نظر شرعية فإقامة دولة الإسلام لا تكون بأن تقوم جماعة بالدخول إلى أرض بالقوة وإعلان خلافة وتولية خليفة وطلب البيعة له دون إذن من أحد أو مشورة من أحد، ثم فرض الأمر الواقع دون أي نظر إلى مقاصد الشريعة أو فقه الأولويات، هذا من وجهة نظر شرعية عامة، وأما من ناحية التفاصيل أي مما هو كائن على أرض الواقع فالمعلومات الواردة متضاربة، والإعلام لا يمكن الاعتماد عليه بحال، ويبقى الحكم تابعاً للمعلومات، وأنا أنأى بنفسي وأنأى بكم أن يكون حكمنا تابعاً للإعلام أو لمعلومات غير موثّقة."

هكذا يتوضح لنا ان الاختلاف بين داعش والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هي في الطريقة التي سلكتها داعش في اعلانها للخلافة، بدخولها الى مناطق معينة بالقوة، وإعلانها الخلافة دون اخذ المشورة ورأي الامة فيها.. هذا جل ما في الموضوع من انتقاد (حسب بيان الاتحاد). اما الجرائم التي ارتكبتها داعش فان البيان يرى لها مبررات وثغرات شرعية تبيح لهم غض النضر عنها بحجة عدم وجود ادلة لديهم في ارتكاب داعش لهذه الفضاعات (والتي سماها البيان بالتفاصيل الاخرى). وهنا اريد ان اوضح بعض النقاط لعلماء الاتحاد عن هذا البيان:

1- ان كان جل خلاف الاتحاد مع داعش هو في كيفية دخولهم بالقوة وإعلانهم الخلافة فبئس الخلاف هذا. فمشكلة العالم الاسلامي مع داعش ليس الدخول بالقوة الى المناطق ولا في اعلانهم الخلافة دون اخذ المشورة، بل في الجرائم الذي ترتكبها والقتل الذي يرتكبوه بحق الابرياء مسلمين وغير مسلمين باسم الدين والذي عبر عنه البيان بـ"التفاصيل" ومروا عليها مرور الكرام.

2- ان كنتم لا تعتمدون على الاعلام في صحة وقوع هذه الجرائم من عدمها وهي احداث نمر بها اليوم ونعاصرها، فكيف تطالبون الناس بتصديق روايات وأحاديث وأحداث جاءتنا عبر قرون من الزمن؟ وان قلتم بان هذه الاحداث والروايات التاريخية قد جرى تحري الصدق فيها، فلماذا لا تحاولون تحري صدق الاعلام في "التفاصيل" التي تسردها عن جرائم داعش كي تقيموها بما يرضي الله وضمائركم؟

3- حاول البيان في اخر فقراته تبرير الغلو الديني في مجتمعاتنا للظروف السيئة التي تمر بها هذه المجتمعات، وهو عذر اقبح من ذنب، فكيف يمكن اعتبار الغلو في الدين نتيجة حتمية لتصرفات جهات اعتبرها البيان علمانية كافرة لا يؤمنون بالدين؟وهل امرنا الرسول بدراسة الظروف التي ادت لظهور الخوارج مثلا ام امرنا بقتالهم؟

4- دعونا نقفز على الحملة الدولية ضد الارهاب وكأنها لم تحدث... هل يمكن لكم كاتحاد علماء الدين المسلمين ان ترشدوا الامة التي انتم مسئولون عنها لحلول عملية بغية القضاء على ظاهرة الغلو في الدين والقضاء على هذه المجاميع المسلحة التي تفتك بالمسلمين قبل فتكهم بغيره، والذين شوهوا الدين الاسلامي وكانوا سببا في الحاد مئات الالوف من الشباب المسلم؟ ألا يكفيكم طوال قرن من الزمن تكيلون التهم للغرب الكافر وتتهمونه بكل ما في مجتمعاتنا من سلبيات وضعف وتخلف؟ أهذا كل ما تمتلكونه من حلول لهذه المشاكل؟ ألا تتفقون معي ان طروحاتكم هذه هي من الاسباب الرئيسة التي زرعت الحقد والتطرف عند المسلمين تجاه الاخر؟

المشكلة يا سادتي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لا يكمن في الغرب الكافر ولا في الانظمة الدكتاتورية في مجتمعاتنا.. مشكلة العالم الاسلامي تكمن فيكم انتم... انتم من رسختم هذه الثقافة في المجتمعات الاسلامية بطروحاتكم الهزيلة التي اشمئز الناس منها وما عادوا يتقبلونها... وهي في الاغلب طروحات ساذجة (وهنا لا نقصد الطرح الديني بل نقصد مفهومكم للطرح الديني الذي تعرضونه على الناس)... لقد ان اوان وضع النقاط على الحروف، والقول بأنكم انتم لا الغرب من تسبب في الوضع الهزيل الذي نعاني منه الان، وبذلك فإنكم امام خيارين لا ثالث لهما...اما تغيير طرحكم الديني والثقافة التي تنشروها بين الناس، او ان تتنازلوا عن اطلاق كلمة رجال الدين المسلمين على انفسكم لأنكم اهنتم الاسلام بهذه الصفة التي لا تستحقونها من كبيركم الى صغيركم.