الحملة الأميركية على داعش فيها نقاط ضعف كثيرة

كلمة من ذهب قالها الشيخ محمد بن راشد في مقاله الأخير المنشور بالشرق الأوسط "ولعله ليس سرا أن الصعود السريع لـ«داعش» جاء بسبب حكومتين في المنطقة؛ واحدة تقتل شعبها وأخرى تفرق بينهم على أساس طائفي، مما مثل البيئة المثالية لصعود مثل هذا التنظيم واجتذاب آلاف المقاتلين" وهو طبعا يقصد النظامين السوري والعراقي. في ذات المقال يؤكد محمد بن راشد على أهمية الفكر وصناعة الأمل "إن الشباب الانتحاري الساعي للموت بسبب إيمانه بفكرة خبيثة لن يوقفه إلا فكرة أقوى منها ترشده لطريق الصواب، وتمنعه من الانتحار" أو كما يوضح في مكان آخر "هناك 200 مليون شاب في منطقتنا، إما أن نغرس فيهم الأمل ونوجه طاقاتهم لتغيير حياتهم وحياة من حولهم للأفضل، أو أن نتركهم للفراغ والبطالة والأفكار الخبيثة والمنظمات الإرهابية". غير أن الشيخ محمد بن راشد يعلم بأن الشباب الخارجين من تحت الأنقاض والبراميل المتفجرة، لم يرفضوا الحياة، بل إن الحياة نفسها هي التي رفضتهم.

المخابرات الأميركية تقول إن العالم يقلل من قدرات داعش الحقيقية، ويعظم من قدرات الجيش العراقي الحالي. قصف الولايات المتحدة لقوات صدام حسين سابقا، كان قصفا لجنود ممنوعين من السفر، ذلك القصف بمثابة صدمة لهؤلاء الجنود المعزولين عن العالم، فكانت هزيمتهم نفسية وثقافية أولا.

إن حملة جورج بوش الأب والإبن العسكرية على العراق، حملت في جوهرها ذات الصدمة الحضارية التي حملتها حملة نابليون على مصر نهاية القرن الثامن عشر، بينما داعش تمثل مركبة مسافرة من جميع أقطاب الأرض نحو الموت. لا توجد صدمة في التقدم التكنولوجي في هذه الحالة. لقد اجتاحوا الموصل بعشر ساعات، بينما خمسون دولة متحالفة تقول بأنهم يحتاجون إلى سنوات لإخراجهم.

لا يستطيع الشاب العراقي دحض أفكار داعش، حتى لو كانت خاطئة. هناك فارق كبير في التجربة والحرية. إن الشاب العراقي الذي يتقلب في مخيم لاجئين بتركيا، ويقف في صف طويل لتقديم استمارة لجوء في الأمم المتحدة، ويقضي نهاره في التحرش بالتركيات في الحدائق العامة، وليله بالحلم في عبور المحيط والعيش في جنة غربية، لا يعرف عنها أكثر مما يعرف المؤمنون عن الحور العين. هذا الشاب لا يستطيع أن يجادل الدواعش الذين مزقوا جوازات مُعترفا بها عالميا وفتحوا السجون واخرجوا السجناء المسلوخة وجوههم، والمغتصبة نساؤهم، وربطوا أعناقهم إلى قاذفاتهم.

الحملة الأميركية على داعش فيها نقاط ضعف كبيرة، فهي ليست حملة على القذافي أو صدام حسين حتى تنتهي بقتل الدكتاتور وتهديم تمثاله. لا يوجد رمز متكبر تنتصر عليه أميركا في هذه الحرب. هناك مدن سنية أفجعها الصفويون بالطائفية، والإجرام، ولا مبالاة العالم فدخلها التطرف، فماذا تفعل الطائرات والجيوش أمام مشكلة من هذا النوع؟

إن ما تفعله أميركا اليوم، يشبه ضرب المجانين في القرون الوسطى لإخراج الجني من أجسادهم حيث كانوا يعتقدون بأن المجنون تسكنه الشياطين والأرواح الشريرة.

البغدادي يريد اليوم القيام بالشيء ذاته الذي قام به مصطفى كمال أتاتورك (ت 1938)، وهو الحصول على الشرعية والسلطة المطلقة من خلال مقاومة الإحتلال ومنح المهزومين كرامة. فلولا جرأة مصطفى أتاتورك على قتل جنود الحلفاء المنتصرين الذين سيطروا تماماً على تركيا الممزقة لأصبحت تركيا عشرين دولة اليوم.

القتال هو الذي دفع القوى العظمى إلى التراجع وإعادة النظر بشأن الأتراك. تلك المغامرة هي التي منحت كمال أتاتورك القدرة على تغيير عادات وتقاليد الشعب التركي، لأنه منحهم الكرامة فأطاعوه حتى في منع الحجاب، وحلق اللحية، وتغيير الأبجدية، وهدم المساجد.

البغدادي يطمح بمغامرة مشابهة تمنح هذه الشعوب السنية كرامة، تجعلهم فيما بعد يطيعونه في كل شيء حتى في لبس النقاب، والسلفية، وتطبيق الشريعة.

إلى هذه اللحظة لم تنجح أميركا في تشكيل صحوات سنية لقتال داعش، فليس ذلك لعدم رغبة الشيوخ بالدولارات، ولكن المشكلة هي عدم رغبة أبناء العشائر بطاعة شيوخهم. لا توجد حماسة عند الشباب السني للقيام بأي شيء، هذا يعتبر علامة خطرة حقاً.

على الأقل في سوريا سمعنا بعض الحماسة اللفظية لقتال داعش من الجيش الحر، بينما في العراق لا يوجد شيء، ولو حتى تصريحات لفظية. هذا من العلامات الغريبة.

قصف الآبار النفطية التي تسيطر عليها داعش قابله سنة العراق بفتور. فكأن الولايات المتحدة تقترح أن يستخرج الشيعة والعلويون والأكراد البترول وينعمون بثرواته، بينما لا يحق للأغلبية السنية القيام بهذه المهمة، بل على البترول السني الخليجي دفع مئات المليارات لتثبيت البترول العراقي والسوري خارج سيطرة الأغلبية السنية.

هناك آمال متعلقة بإصرار السعودية على عزل نظام الأسد الذي أباد شعبه، لكنها آمال تبدو ضعيفة حتى الآن. طرد السنة من المجد العسكري والثروة البترولية، يعني باختصار أفول حقيقي لوجودهم وثقافتهم. نحن نعيش مخاوف حقيقية فجرها البغدادي برؤوسنا، في صخب وعنف.

الخلاف بين السنة والشيعة ليس كالخلاف بين المذاهب المسيحية التي تذابحت على الصلوات والثالوث وطبيعة المسيح، بل هو خلاف على السلطة والخلافة والحكم منذ البداية. خلاف كهذا يمكن أن يدمر المنطقة إذا استمر الإصرار الإيراني على التبشير والهيمنة.

الشيخ محمد بن راشد يحرضنا لمواجهة فكرية حقيقية مع ظاهرة الإرهاب، وهذا ما سنقوم به في المقالات القادمة. إن تخصيص 500 مليار دولار لمواجهة ثلاثين ألف داعشي، يبدو في النهاية كما لو أننا نخصص مئة مليون دولار لكل داعشي.

الدواعش يتنقلون الآن على دراجات نارية، وهي نفس طريقة العصابات الذين يُطَلَق عليهم "البايكرز"، مثل منظمة "ملائكة الجحيم" المخيفة في كندا. فهل ستلاحق الطائرات الدراجات النارية بالصواريخ؟

مات صدام حسين ضاحكا على مشنقة، وسيموت البغدادي مبتهجا بصاروخ، كل هذا على حساب ثروات المنطقة، ومستقبل الشعوب العربية، وثرواتها. المشكلة أن العراق لا يقدم أبطال بناء ونهضة عمرانية كالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (ت 2004)، بل العراق لا يكف عن إنجاب المحاربين، ونحن لسنا بحاجة إلى حروب بل إلى بنائين وحكماء.