الغنوشي يرحّب بقيادات إخوان مصر في تونس

عن أية مبادئ سيدافع؟

بيروت ـ جدد زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي ترحيب حزبه بالشخصيات الإخوانية التي ترغب في الإقامة بتونس، واستعداده لاستقبالهم متى رغبوا في ذلك.

وقال الغنوشي في حوار أجرته معه صحيفة "الأخبار" اللبنانية "نحن كحركة نرحب بالشخصيات الإخوانية التى ترغب في الإقامة بتونس، لأن التونسيين أيضا وجدوا الدفء في مختلف دول العالم (عندما) كانوا مضطهدين من نظام بن علي، لذا فوجود قيادات من الإخوان المسلمين في تونس نرحب به".

ويثير الغنوشي بهذا الموقف مزيدا من التساؤلات حول مدى صدق تصريحاته السابقة بشأن قطع حزبه ذي الجذور الإخوانية للعلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وهي العلاقة التي تثير من حوله في الساحة السياسية التونسية كثيرا من الشبهات حول نواياه المستقبلية التي يخفيها وراء رغبته المستميتة في الوصول الى السلطة والهيمنة عليها بأكثر ما يمكن من نواب البرلمان المقبل، ما يسمح له بتشكيل الحكومة والتصرف في مقدرات الدولة لسنوات خمس مقبلة.

ويعتبر قطع النهضة لعلاقتها مع التنظيم الدولي للإخوان والبرهنة على ذلك عمليا أحد أبرز المطالب الرئيسية للمعارضة التونسية قبل اي تعامل سياسي محتمل معها في حكم تونس أو حتى في الاعتراف بدورها في المعارضة.

وقال الباجي قائد السبسي رئيس حركة نداء تونس أحد أهم الأحزاب المعارضة لنفوذ الاسلاميين في تونس الاسبوع الماضي انه يرفض التعامل مع حركة النهضة ما لم تحسم موقفها من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

ويعتبر قائد السبسي من ابرز المشككين في صدق نفي الغنوشي لعلاقته بتنظيم الإخوان المسلمين.

ويقول مراقبون إن ماهو مثير للريبة في موقف الغنوشي ليس هذا الترحيب بقادة الإخوان واستعداده لتوفير ملاذ آمن لهم في تونس لأن هذا غير ممكن عمليا في الوقت الراهن وفي المستقبل وهو مايعلمه القيادي الإخواني جيدا، ولكن المثير للريبة أكثر، هو هذه القدرة العجيبة على التلون وتقديم الرأي وما يخالفه بين المكان والآخر، وهذه الرغبة العجيبة في نيل الرضا والشكر من الجميع حتى ولو كانوا متناقضين ومختلفين فيما بينهم الى حد الاقتتال.

ورحّب الغنوشي باستقبال الإخوان المصريين في بلاده، رغم أنه أقر بأن "اتخاذ أي قرار باستقبال شخصيات من الإخوان في تونس يخضع لما تراه الدولة التونسية مناسبا في إطار المجتمع الدولي"، خاصة مع "تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية من طرف عدة دول، وخاصة خليجية، وباتت غير مرغوب فيها من طرف المجتمع الدولي".

ويخوض الغنوشي وحزبه حملة علاقات عامة في تونس ومن شرق الأرض إلى مغاربها، في محاولة مستميتة لإعلان توبتة حركة النهضة عن خيارتها العنفية والإكراهية في قيادة المجتمع التونسي.

وسعى الغنوشي أمام التونسيين، وأمام الديبلوماسيين الغربيين في بلاده، وفي الصين التي زارها مؤخرا، وفي الولايات المتحدة التي يزورها حاليا، إلى النأي بالنهضة عن الإخوان والظهور في وسائل الإعلام بمظهر الشيخ المعتدل الرافض للإرهاب وداعية الوفاق بين جميع الفرقاء السياسيين والمؤمن بأن تونس الديمقراطية تستوجب حكما تشارك فيه مختلف القوى الفاعلة في المجتمع بعيدا عن احتكار السلطة، معترفا بأن منطق الأغلبية الذي حكمت به النهضة البلاد لا يصلح في تونس بل الوفاق هو الحلّ والتوافق هو اقل درجات الإجماع.

وقال الغنوشي ما يحدث في العالم العربي، خاصة في مصر و ليبيا، هو في حقيقة الأمر صراع بين إرادة التغيير والسعي للعودة إلى الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، ونراه صراعا بين الدفع إلى الأمام والجذب إلى الوراء، لذا فما يحدث باختصار هو صراع بين الثورة والثورة المضادة.

ويقول محللون إن النهضة نجحت في الظاهر، في إخفاء حالة من الرعب باتت تتملكها منذ أن بدأت شمس الإسلام السياسي تغرب في المنطقة العربية كلهان وخاصة في الدول التي شهدت ما يعرف بالربيع العربي، وليس في مصر فحسب، غير أنها أخفقت في إخفاء هذا الخوف في خطابها وفي تحركاتها، وفي الرسائل التي ترسلها في كل الاتجاهات والمتمحورة، حول هدف وحيد وأوحد للحركة وهو الحفاظ على الحد الأدنى من ماء الوجه والتواجد في مستقبل الخارطة السياسية في تونس، حتى لو كان ذلك في المعارضة لأن شخصيات بارزة في صفوف الحركة باتت تدرك حقيقة إجماع التونسيين على عزلها شعبيا في الانتخابات التشريعية المقبلة.

وأضاف الغنوشي "في ظل هذا الحراك الذي نتابعه باهتمام شديد، تعكف حركة النهضة على مناقشة ودراسة الأوضاع والأحداث على مختلف المستويات، سعيا منها إلى تجنب ما تعيشه بعض الدول كمصر و ليبيا، والاستفادة منها لإيجاد موطئ قدم ثابت يخدم تونس والتونسيين، ونحن متفائلون بأن قوى التقدم والتغيير والديموقراطية ستنتصر".

كما رفض الغنوشي الهجوم الأميركي على تنظيم الدولة الاسلامية مهما كانت الأسباب.

وجدد الشيخ الإخواني التأكيد على أن مسيرة النهضة في الحكم لم تكن سلبية. ولمح إلى أن ما قد يبدو فشلا ناتج عن تعطش التونسيين المبالغ فيه للحريات والتنمية والرفاهية مؤكدا أن "مشاركتنا في الحكم هي حقنا".

وقال إن "النهضة لم تنسحب من الحكم، بل تنازلت لمصلحة تونس. فنحن أعطينا الأولوية للعام على الخاص، وللوطني على الحزبي، وجعلنا الأولوية في إنجاح الخيار الديموقراطي.. لذا فتنازلنا نعتبره تضحية لإنقاذ المسار الانتقالي، وقد نجحنا في خدمة المسار الانتقالي وتحقيق الوفاق الوطني..".

ورجح الشيخ الإخواني، الذي يصفه الكثير من معارضيه ممن تحاوروا معه بأنه "داهية وماكر" ويجيد التهرب من مطبات الأسئلة المحرجة، أن "مستقبل تونس يسير نحو دولة مسلمة ديموقراطية"، لكن غالبية واسعة من المعارضة السياسية الحداثية والمجتمع المدني تقول إن تونس ستكون افضل بلا نهضة جلبت عليها كل الويلات الاقتصادية والاجتماعية وجعلتها عرضة لإرهاب صار يفتك بها في كل لحظة.

وفي اقل حالات النقد الموجهة لحزب النهضة الإخواني، يقول البعض إن على النهضاويين أن يثبتوا أنهم تونسيون قبل اي انتماء للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وهو أمر ما تزال الحركة بعيدة عنه لأسباب تتعلق بعقيدة ايديولوجية، لأنه "ماذا سيبقى للحركة من هوية إن هي لم تبق إخوانية وعن اية مبادئ ستدافع؟