أوديسيوس ينقذ سان مدنين من الغولة

لم أفلح بقراءتي للكتاب

لطالما قرأت "الأوديسة" في زمانات المطر الذي جرجر الصخور من القمم العصية التي تطوق سان مدنين، وجلب القصب المتراكم في الحقول وبعض أغصان الزيتون المندثر.

الأوديسة والمطر وصفير الريح وجلبة السقف الفولاذي لكوخنا الهزيل، هذا الكتاب ذو الغلاف الأصفر القديم المخيف له هيبته في خزانتنا الوحيدة، إذ أن أمي تتعمد إخفاءه عن الأنظار خشية أن يكتشف أمري لأن الكتاب أهداه لي أحد الأولياء الصالحين الذين بمقدورهم السير فوق الماء دون الغرق، وأوصاني كي أحتفظ به وأحفظه ولا يراه إلا من يفديني بحياته.

ظل الكتاب حبيس الخزانة، وأحيانا تخرجه أمي بعد الوضوء والتمائم، وتضعه فوق المائدة، وتدير حوله الشموع وسط هالة من دخان البخور، مرت سنوات وسنوات وهي تمارس طقوس الأوديسة، وتتبرك بها وتدعو للمطر والعشب والحمل. وهذا الكابوس لا يغادرني، وكثيرا ما خفت الاقتراب منه حتى بلغت من الفضول ذروته، وأخرجت الكتاب وقد أشعلت الشمع، وجبت الغرفة بالبخور كي أرضي أشباح هذا الكتاب التي سكنت بيتنا الصغير.

وبدأت أقرأ طيلة ليالي رهيبة بمطرها ورعودها وريحها. قرأته باحترام لكل كلمة أصادفها في الطريق نحو فهم لما يجري، وفي كل مرة أجد ذِكر آلهة فيقشعر بدني، ولا ألتفت إلى النافذة المشرعة على أجساد إخوتي النائمين أمامي، فتسارع أمي المقرفصة بجنب المدخنة المنهكة تترقب ما سيحدث، ثم إنها لا تغلق النافذة إلا حين تنهي الريح عصفها لما تبادر في ذهني من أن إلهتي الريح والمطر تدخلان بركتيهما على بيتنا، وترميان نورهما على الأجساد النائمة.

أنهيت الكتاب ونتيجتي أنها تعاويذ أجداد الولي، ومنها استمد قوته وبصيرته وقدرته على عبور النهر دون الغرق، وفي إحدى ظهيرات الصيف ذهبت وأمي إلى النهر حيث كان يقف الولي ليعبر النهر، وعيون القوم صاغية، شجعتني أمي على العبور. تصورت أني سأكون بطلها وسأحميها من الفقر، سأكون فخرها الخالد، أغمضت عينيَّ وكلها تأهب للزغاريد، وما إن وضعت قدمي على ماء النهر حتى وجدتني في خضمه، وصراخ أمي يتعالى بالنجدة، ومن ثم ارتطم رأسي بصخرة وفقدت وعيي لولا أحد الرعاة الذي كان قريبا ما أجبره على نجدتي وإخراجي بصعوبة.

مرت سنوات لم أعد فيها إلى الكتاب، ولم تحدثني أمي عنه، ولم أرها أبدا تخرجه من الخزانة، حتى أننا لم نتجاذب أمر غرقي في النهر، ولم نحاول أبدا طرح الأسئلة التي تحفر بعيدا عن إخوتي الصغار، سوى أني أتذكر أوديسيوس جد الولي كلما تذكرت النهر أو أوعز لي المطر والريح والرعود ذلك.

تصورت أن يكون طويلا قوي البنية يحمل سيفا يستطيع بضربة منه قطع شجرة الصفصاف التي في الباحة، وإن ركض إلى الجبل ففي عدة خطوات سيحجب عنا الشمس الواهنة عند المغيب.

حلمت أنه يرافقني لنشتري الخضار وقد اهداني سيفا أتباهى به أمام سكان سان مدنين الفضوليين الذين يلوحون لي كملك، ويحاولون في كل مرة تقديم الولائم لهذا العظيم كي يحقق شيئا من أحلامهم المتآكلة بين السرو والدردار، وسوف أجلد منصور الذي ضربني لأني غلبت ابنه، سأجلده أمام البلدية حيث يحتشد الفضوليون كل مساء ليقتاتوا مثل الدبابير، وسأجلد أيضا شيخ الكتاب الغليظ، يا إلهي إني أخاف شيخ الكتاب لن أستطيع جلده حتى إن وقف بقربي أوديسيوس، اللعنة لم أوفق في الثأر من شيخ الكتاب حتى في حلم.

هكذا كانت أحلامي بعدها والسنين تتوالى، وقررت في الأخير أن أعود إلى الكتاب ليقين بأن سرا ما لم أبلغه بعد، وقرأت للمطر والريح والرعود، وأحيت أمي طقوسها، ومضى عام ولم يحدث شيء سوى بعض تأويلاتنا التي تختلف من حين لآخر.

وفي أحد الأيام عدت متعبا من الحقول البعيدة، ونسيت أن أقرأ في كتابي لتهدأ أشباحه وتنام، فخرج أوديسيوس في عز الحلم طويلا شامخا قويا فوقفت أحيي رهبته وسحره، إنه يبدو كما تصورته تماما، حتى الشامة التي تصورتها قرب أنفه موجودة، فخاطبته: إذًا أنت أوديسيوس العظيم قاهر الشر، جد الولي الصالح سي عثمان؟ أعذرني لعلك جئت لتعاتبني لأني لم أقرأ لك الليلة، لقد أرهقني العمل.

أجابني بإيحاء من وجهه المنير بأني على صواب. اقترب مني وهمس في أذني عدة كلمات. أحسست أن لصوته جناحين يسافران في الأقاصي. تسمرت لوهلة من الزمن فاغرا فاهي. وجدتني أعبر النهر حافي القدمين، وأصعد الجبل رفقته والسماء تبرق بنور عجيب وهو يبتعد ويؤكد كلماته. وخلفه هالة من النور والمطر والريح والرعود، فتشرب دماغي كلماته التي وعدته أن لا أبوح بها لأحد وإن فعلت فستكون نهايتي.

استفقت من النوم ووجدت الغطاء الفولاذي يكاد ينطق من شدة الريح، وهرعت على الكتاب وفي محاولة لإشعال الشمع استفاق إخوتي وأمي، وتعاونا على إشعال الشمع وكل واحد يخبئ واحدة من تيار الريح الممتد من شقوق الجدار، وأكملت ليلتي تلك في القراءة، وما إن أبصرت سخاء جدتي آرارا تنشر ثيابها النورانية على ربوات الصنوبر الحلبي، وحقول الحنطة، توهج قلبي وسكنت الريح، وخرجت لأبدأ بعث أيامي الجديدة وفقا لوصايا جدي أوديسيوس العظيم.

وبعد أن قمت بالخطبة أمام البلدية تحت إصغاء الفضوليين، والكتاب في يدي أستشهد بكلماته، وأروي كيف وضعه بين يدي عمي الولي الصالح سي عثمان، ما إن استكملت الخطبة حتى تغيرت سحناتهم، واقترب الكثيرون ليقبلوا يدي كي يأخذوا بركاتي وينعموا بالصحة والعافية ومواسم الحصاد.

توالت الأيام وقد أصبح بيتنا مزارا لطالبي البركات، وللمجانين الذين يصطحبهم آباؤهم وأمهاتهم كي أتبرك لهم بالشفاء، وكنت أرسلهم إلى شجرة الدردار، التي ألفت اللعب حولها لما كنت صغيرا، وآمرهم أن يدوروا حولها سبع مرات ليعقلوا، وأن يفعلوا هذا في كل موسم صيف، ناهيك عن الحوامل اللواتي أضع يدي على بطونهن وهن يهمسن لكناتهن أن بركات الشيخ ستجعله ابنا جميلا وبارا ، ولن أتحدث عن العشاق من كلا الجنسين.

كانت سان مدنين عشا دافئا لأبنائها البسطاء، قبل أن تخرج غولة تكاد تكون في مستوى قوة أوديسيوس وقد صاحت عندما احتشد الناس حولي في ساحة البلدية: أن يا ناس أهدوني شيخكم وسوف أدعكم وشأنكم.

لم أفلح بقراءتي للكتاب، ورأيت الناس تذهب من حولي وتتركني، حتى أمي ابتعدت وجعلت تمسك إخوتي كي لا يقربوني. هلع كبير أصاب القرية كلها، والغولة تقترب مني، والفضوليون عادوا إلى أماكنهم كي يلتقطوا تفاصيل نهايتي بهدوء.

تذكرت المجانين الذين يقبعون في وسطهم، والعميان الذين يشاهدونني الآن أيضا، والحوامل اللواتي ولا بد أن أبناءهن بين هؤلاء الفضوليين، ناهيك عن العشاق، العشاق بسخافاتهم أيضا.

كانت الغولة تقترب ولم يعد هناك وقت لهذا الكتاب، ولا لأي شيء غير الخوف والترقب. أسلمت أمري وكدت أرمي الكتاب لما قفز جدي أوديسيوس من طائرة هيليكوبتر كانت تتجول في السماء وبهرت الغولة، وتأملت جدي جيدا والدموع رقراقة من عينيها، ثم تعانقا بسخاء القطيعة وغادرا ملوحين لي من بعيد.