الحرب ضد داعش: الجراحات البيتية!

يعلقُ فرانسوا هولاند على ظاهرة داعش ويعتبر أن العالم يمرُ بأخطر أزماته منذ واقعة "11 سبتمبر". يعيدنا الرئيسُ الفرنسي إلى حدثٍ جلل ما زلنا نعاني من مفاعيله حتى يومنا هذا. في تفسير الكلام أن "غزوتيّ" نيويورك وواشنطن كانتا العلامات الأولى لـ "غزوتيّ" الموصل والرقة، وفي تفسير الكلام أن الخفة التي قارب بها العالم الجريمة الأولى قادت جدلياً إلى جرائم هذه الأيام.

ما بين المشهدين تبدلٌ في المنطق والأداء. بعد حدث "الغزوتين" تصرفت الولايات المتحدة الجريحة على نحو كلاسيكي متوقع شبيه بأدائها بقيام اليابان بـ "غزوته" الشهيرة ضد بيرل هاربر في المحيط الهادي عام 1941. ذهبت واشنطن إلى إرتكاب الكبائر في هيروشيما وناغازاكي حتى استسلم الخصم وأقر بهزيمته التاريخية. وذهبت واشنطن بعد حدث أيلول/سبتمبر 2011 إلى اسقاط الأنظمة في أفغانستان والعراق متوّجة بذلك العصر الأميركي بلا منازع. تصرّف الأميركيون بارتجال غاضب وسط صمت الصين وروسيا، فكان أن ابتسم فرانسيس فوكوياما من جديد، وأعاد الحدث انعاش نظريته حول "نهاية التاريخ".

وإذا ما وافقت واشنطن باريس لجهة اعتبار ظاهرة داعش حدثا خطيراً يستدعي مقاربة دولية جامعة، فإن الولايات المتحدة تطل هذه الأيام على عالم مختلف منقلب يحرمها من يدّ طليقة تعبث به لصالح قسمة العالم بين عالميّن، عالم "من معنا" وعالم "من ضدنا". ولا شك أن المراقب سيلحظ، في الحاضر، فائض التروي والتعقّل مقابل فائض القوة والارتجال الذي باشرت به الولايات المتحدة ترتيب الكوكب، بالأمس، وفق مزاج توراتيّ إدعى جورج بوش الإبن تنفيذه على الأرض وفق ما ترومه السماء.

ظاهرة داعش هي قمة المفاجآت التي نبتت في أرضنا خاتمة لتلك التي أتى بها "ربيع" العرب. فالأميركيون الذين لطالما وعدونا بـ "الفوضى الخلاقة" على ما بشّرت كونداليزا رايس، لم يخططوا لما وصل إليه هذا العبث. وهم، وإن نشدوه في سعيٍّ لترتيب يوافق هواهم، فإنهم يكتشفون، وحلفاؤهم، كم أن ثمار البيدر لم تتسق مع حسابات الحقل.

كتب المعلقون الفرنسيون والبريطانيون الكثير في نقد المقاربات الأميركية للمنطقة. استندَ جل النقد على مسلّمة جهل الولايات المتحدة لمنطقة خبروها وعرفوا دهاليزها لقرون. يكتشفُ الغرب برمته، هذه الأيام، أنه لم يعد يعرفُ الشرق الأوسط وأهواءه، وأن ما أتحفنا به المستشرقون، المخضرمين والجدد، لم يأت بما يفسر الداعشية بطبعاتها المختلفة، من بوكو حرام نيجيريا، مرورا بقاعدة مالي والأطراف، إنتهاء بدولة البغدادي في العراق والشام.

تبدو روسيا المطلّة هذا الأيام على ضجيج الشرق الأوسط مرتبكة، هي الأخرى، في أسلوب التعاطي مع منطقة تفقد مقاييسها. تتبادلُ واشنطن وموسكو التشفي مما نالته "الجهادية" من متنهما. أضاع الروس اتحادهم السوفياتي بعد هزيمة منوا بها على يد الجهاديين المتحالفين مع واشنطن. وفقد الأميركيون غرورهم بعد الضرر الذي أصابهم على يد فلول "جهادييهم" السابقين في أفغانستان والعراق. ضمن ذلك المشهد تتقدمُ روسيا المتورطة في أوكرانيا بصبيانية واهمة تعطي الغرب دروساً سريعة مرتجلة من نوع: "ألم أقل لكم"؟

لا وقت لهذا العالم لفهم المنطقة وعللها الطارئة. أمام جسد الشرق الأوسط المريض، تقفُ العواصم، غرباً وشرقاً، تتحرى الترياق الناجع وفق أسلوبٍ تجريبي حريّ بالهواة. نداري حدث الموصل بتغيير رأس السلطة في بغداد، ونعالج حدث الرقة بالحيرة في التعاطي مع رأس السلطة في دمشق. وحتى إشعار آخر، وعلى ما يعلن في واشنطن وباريس ولندن وموسكو، فإن آخر الدواء لن يكون الكيّ.

لن يتدخل العالم عسكريا على الأرض لجراحات تزيل حمى الأرض. انتهى زمن الزحف العسكري الآتي من وراء البحار، ذلك أنها لم تعد ترياقا موصوفا حكم منطق القرن العشرين. تتفتقُ عبقرية الغرب عن تدخل هوائي. تصول الطائرات وتجول جواً، تلقي حممها على الشياطين أملاً في أن يكثر أخيار الأرض. تتوقف انتلجنسيا العواصم عن إملاء الحقائق، ويتلقف أولي القرار تقارير المراسلين في الميدان علها تكشف السرّ الكبير: هل اصطنعوا أو نفذوا فعلا فعلة قطع رأس جيمس فولي؟ ثم لماذا يقتلون رهائن واشنطن ولندن وهما عن داعش وأخواتها ساهون؟

في علم طب الأعشاب نظرية معروفة تعتبر أن الأعشاب تنبتُ كجزءٍ طبيعي من البيئة ببشرها وحيواناتها. تقول النظرية أن القط حين يشعرُ بمرض فإنه يقصدُ العشبة المناسبة لعلّته. بمعنى آخر، يدافعُ المتعصبون لطب الأعشاب عن ثابتة أن أعشاب ناحية في هذا الكوكب تكمل دائرة بيئية تجعلها ترياقاً لأهل تلك الناحية، وأنه لا طائل من استخدام أعشاب مستدعاة من مناطق ونواح بعيدة.

العالم في ليبيا واليمن والعراق وسوريا وفلسطين... واللائحة تطول، مستقيلٌ من استعلائه الاستشفائي، مستسلمٌ لعلاجات مرتجلة ذات الخصوصيات البيتية. تتم تسوية الحرب ضد غزة في القاهرة مستعينة بهمم تأتي من الدوحة وربما من أنقرة، فيما يتولى اليمنيون تدبير الخلطة السحرية سلما أو حرباً، ويتراجع الإيرانيون عن خياراتهم في العراق لصالح توليفة عراقية متوخاة، وتقوم طائرات مجهولة، قيل أنها عربية، في التذكير بعبثية العبث في ليبيا. ودون التعثر في تفصيلات المكان والزمان، فإن أهل المنطقة باتوا أكثر اقتناعاً بأنهم أدرى بشعابها.

تشارك دول عربية مباشرة في الحرب ضد داعش. تحرد طهران من عدم إشراكها في التحالف الدولي لذلك. تنضم تركيا بعد تردد إلى ذلك الحلف. أهل المنطقة جادون في أن يكونوا أساساً لازالة أمراض المنطقة، بما يشبه لفظ الأنفاس الأخيرة لذلك العلاج الكلاسيكي المستورد الذي انتهت صلاحيته، على الأقل بالشكل والجرعات التي جربت منذ "11 سبتمبر" الشهير وحتى الآن.

هل كل أعشاب المنطقة ناجعة شافية؟ ترحب دمشق بالتدخل الدولي ضد داعش في سوريا طالما أن تنسيقاً مزعوماً يجري معها. ترتاح العاصمة السورية لتلميحات نشرت في صحف غربية تبشّر بتواصل مطلوب بين العالم والنظام السوري. ومع ذلك قد لا تنعم دمشق بتلك الأمصال، ذلك أن اسئصال الورم الداعشي قد يستدعي الاستغناء عن مصادر العلّة نفسها.