الحرب المفتوحة

يبدو أن الهدف الذي تريده الولايات المتحدة وأصدقاؤها في التحالف الدولي ضد الإرهاب، واضح في جزء منه. لكن هناك جزءا كبيرا لا يزال غاطسا تحت السطح، فإذا كان القضاء على تنظيم "داعش" في كل من العراق وسوريا مفهوما، فإن الآليات المطلوبة للوصول إلى نتيجة حاسمة لاقتلاع الإرهاب من جذوره محيرة.

كما أن طبيعة الدور المتوقع أن يقوم به كل عضو في التحالف أصبح مبهما، وهناك دول قبلت المشاركة بتحفظات، وأخرى مترددة، تقدم ساق وتؤخر الثانية، وثالثة وافقت عن اقتناع أو استحياء، لكن في النهاية من القوام الرئيسي للتحالف، الذي تسعى دوله المحورية إلى تقريب المسافات، وسد الفجوات، ومنع ظهور التناقضات، حتى يتسنى التصدي لحرب، بشهادات خبراء عسكريين، مفتوحة على مصراعيها، وربما تستغرق سنوات طويلة، حسب بعض التوقعات (المتشائمة) الغربية، حتى يتمكن رعاتها من تحقيق أهدافهم المعلنة والخفية، وقد تتحول إلى حرب تجلب مصائب أشد فتكا على أصحابها.

الحاصل أن القدرة العسكرية للتحالف تستطيع أن تكبد تنظيم "داعش" وأشقائه وشقيقاته، وكذلك أبائه، في بلدان مختلفة، والاستراتيجية التي رسمتها الولايات المتحدة تكفل ذلك، لكنها لن تتمكن من القضاء عليهم تماما، لأن المكونات الأساسية للتحالف لا تأخذ في اعتبارها هذه النقطة، أو بمعنى أدق لا تريد بلوغها، فتجاهلت في محاورها المركزية الكثير من المفاصل الضرورية، وأهمها وضع خطة شاملة لمواجهة ملف الارهاب، ولا تضع "داعش" في مرماها فقط، بل تأخذ في حسبانها جميع الحركات المتطرفة في المنطقة، التي كانت سببا في ظهور "داعش"، وتتعامل مع الدوافع التي هيأت أمامها بيئة اجتماعية حاضنة، واقتصادية راعية، وثقافية مشجعة، وسياسية مواتية، فضلا عن ظروف أمنية تدفعا للتمدد والانتشار.

هذه المسألة، واحدة من المشكلات التي عطلت اكتمال التحالف ضد الارهاب، وأدت إلى التشكك في نوايا القائمين عليه الأساسيين، ويمكن أن تعوق تحركه للأمام خلال المرحلة المقبلة، وحتى وقت قريب كانت هناك محاولات تبذل من أجل التوصل لصيغة وسط، تطمئن الحلفاء وتبدد هواجسهم، وتجعل واشنطن تحافظ على خطتها، دون أن تقدم على تغيير كبير فى ملامحها، أو تضطر إلى ادخال تعديلات على أهدافها الاستراتيجية. لكن بعد اعتراف الرئيس باراك أوباما بوجود اخفاق معلوماتي- استخباراتي، وتهديدات بعدم استبعاد أن تطال أيادي "داعش" عواصم أوروبية، بدأت تتبدد أجزاء من معالم الصورة السابقة.

المعلومات المتوافرة تقول أن "داعش" وأمثاله تكونت لديهم خبرة في مواجهة التحديات، تبدأ من ارباك الخصوم واجبارهم على تعديل مخططاتهم، وتصل إلى حد عدم استبعاد الانتصار. فالحرب المفتوحة، قابلة في أي لحظة أن تنزلق إلى سيناريوهات غير متوقعة، ويستند هذا الاتجاه على جملة من الأسباب، يمكن أن تقلب الطاولة رأسا على عقب، ويمكن تلخيصا في أربعة محددات، قد تتكاتف فتصل إلى هذه النتيجة، أو تقترب منها.

المحدد الأول، توجيه ضربات قوية ومتتالية لـ "داعش" من المرجح أن يفضي إلى تعاطف البسطاء معه، خاصة أن هناك حملة بدأت ملامحها، تزعم أن الحرب الراهنة حرب بين "الكفر والايمان"، وحرص الكثير من الحركات الاسلامية، دون تفرقة بين معتدليها ومتشدديها، على شحن قطاعات من الناس لتأييد الفكرة (الخيالية) السابقة. ولعبت الجماعات التي في صدام دائم مع حكوماتها على هذا الوتر المسموم، وقاموا بتغذيته بكل أنواع الكراهية، للضغط على القيادات برفض ارسال قوات برية للعراق أو سوريا، لأن الحروب الجوية من الصعوبة أن تحسم المعارك، فوجود قوات على الأرض عنصر حاسم في أي معركة.

المحدد الثاني، دغدغة عواطف الشباب، بشعارات جهادية براقة وخادعة، تجذبهم أكثر ناحية التنظيمات المتطرفة، إما احباطا ويأسا من الحياة، أو انتقاما من الغرب ومن اعتقدوا أنهم يلفون لفهم، ولعل الناظر لتزايد أعداد المهاجرين من دول مثل تونس وليبيا ومصر، إلى كل من العراق وسوريا يستشعر حجم الخطورة والمرارة، التي يمكن أن تصل إليها الحرب التي بدأت ارهاصاتها العملية في كل من هاتين البلدين قبل أيام، ويتأكد أنها لن تكون نزهة لأي من أطرافها، سواء من قرروا الوقوف في المقدمة، أو في المؤخرة.

المحدد الثالث، استعداد "داعش" وأشقائها لخوض حرب عصابات طويلة، في مدن وقرى متفرقة. وقد قام التنظيم في العراق تحديدا، إلى ترك معداته الثقيلة، وحمل أسلحة خفيفة وسط المدنيين، لاجبار قوات التحالف على وقف الحرب، أو قصف المدنيين بعنف، بصورة يمكن أن تثير الرأي العام الدولي، فيضغط على القوى الكبرى، وتتحول الحرب إلى فضيحة انسانية، يتاجر بها تنظيم "داعش".

المحدد الرابع، امتداد نيران اللهب إلى قلب أوروبا وأميركا، ففي ظل تمكن تنظيمات متطرفة من تجنيد أعداد، قدرها البعض بنحو ثلاثة آلاف مواطن غربي، سوف يكون من السهل ارسال عدد منهم إلى عواصم غربية، كقنابل بشرية، مستعدة للانفجار في أي مكان، وقد تكرر التلويح بهذه الورقة، وأضحت أحد عناصر الردع "الداعشية"، والتي يمكن أن تجبر بعض الدول على مراجعة مواقفها. وكانت مشاهد الذبح المعلنة بقدر ما هي مثيرة للغثيان، إلا أنها حملت رسائل تحذيرية، لذلك فهذه حرب قد يكون معروفا توقيت اندلاعها، لكن من المستحيل تقدير موعد وقفها. من هنا يمكن فهم وصف بعض التوقعات التى ذهبت إلى أنها "حرب قد لا يشهد نهايتها كثير من القادة الحاليين".