صريبيا... المسلمون حريتهم مع العلمانية

أحوالهم تقلبت من عصر إلى عصر

كانت الدولة العثمانية قائمة على أساس الشريعة، ولذلك كان الإسلام يشمل كل مناحي الحياة الاجتماعية. أما تلك الأمور التي لم تشملها الشريعة فكانت تنظم بواسطة قوانين خالصة يصدرها السلطان بعد موافقة شيخ الإسلام عليها. وبعبارة أخرى: كان الإسلام يمثل دين الدولة وجزءاً لا يتجزأ من النظام العثماني.

كانت الجماعة الإسلامية، كغيرها من الجماعات الدينية، قد حافظت على وضعها القانوني السابق مع تشكيل "مملكة الصرب والكروات والسلوفين" (مملكة يوغسلافيا) منذ 1929 في 1/ 12/ 1918. ولكن بسبب التوتر الديني أصدر الملك ألكسندر في 1919 تصريحاً يضمن فيه المساواة بين الأديان في الدولة، وبذلك انتهى الوضع المميز للكنيسة الأرثوذكسية الذي كان يشمل صربيا والجبل الأسود.

حماية الأقليات

مع التوقيع على اتفاقية فرساي في 1919 التزمت الدولة بحماية الأقليات الدينية. وقد تم تخصيص البند (10) من هذه الاتفاقية لأجل وضع المسلمين ومؤسساتهم، حيث تضمن هذا البند بعض الأمور الجوهرية: تنظيم الأحوال الشخصية حسب عادات المسلمين، تعيين رئيس للجماعة الإسلامية على مستوى الدولة، حماية الجوامع والمقابر وغيرها من مباني المسلمين، وتقديم التسهيلات للأوقاف والمؤسسات الخيرية للمسلمين... إلخ. وقد تحولت هذه المبادئ إلى قوانين راسخة مع مرور الزمن خلال (1920 – 1921).

إلا أن بعض المصاعب صاحبت تطبيق هذه القوانين وأعاقت تطبيقها في النهاية. وعلى سبيل المثال لم يتم تطبيق الأمور الجوهرية التي ورت في "اتفاقية فرساي" كتأسيس المحاكم الشرعية في كل أرجاء الدولة، وتأسيس جماعة إسلامية موحدة، وشمول سلطة رئيس الجماعة الإسلامية لكل أرجاء الدولة، واحترام وحماية المباني الإسلامية (الجوامع والمقابر والأوقاف... إلخ). ومن ناحية أخرى فقد بقيت الجماعة الإسلامية التي كانت موجودة في مملكة صربيا (صربيا والسنجق وكوسوفو ومكدونيا) تحت الإدارة الحقيقية لوزارة الأديان في بلغراد. وهكذا كانت الدولة هي التي تعيّن العاملين في مؤسسات الجماعة الإسلامية، كالأئمة ورجال الإفتاء وموظفي الأوقاف. وبهذا الشكل بقيت الجماعة الإسلامية في صربيا تعمل حتى 1929.

ومع تعطيل الدستور وإرساء الديكتاتورية في يوغسلافيا 1929 انعكس ذلك على الجماعة الإسلامية. فقد ألغى النظام الديكتاتوري الجديد استقلالية ذلك الجزء من الجماعة الإسلامية الموجود في البوسنة ووضع الجميع تحت رقابة صارمة للدولة.

أثرت التغيرات السياسية اللاحقة داخل يوغسلافيا على تحسن وضع الجماعة الإسلامية. فقد أثارت القوانين السابقة احتجاج المسلمين ضد تدخل الدولة في الأمور الداخلية للجماعة الإسلامية، واشترط المسلمون للمشاركة في الحكومة الجديدة تغيير القوانين التي تنظم الجماعة الإسلامية. وقد وافقت الحكومة الجديدة في 1935 على مطالب زعماء المسلمين وأصدرت في 28/ 2/ 1936 مرسوماً يقضي بإبطال قانون 1930 حول الجماعة الإسلامية. وبالاستناد إلى ذلك صدر في 24/ 10/ 1936 القانون الجديد حول الجماعة الإسلامية الذي تضمن نقل مقر رئيس الجماعة (رئيس العلماء) إلى سراييفو والحفاظ على الأتونومية أو الاستقلالية الكاملة للجماعة.

توحيد الوضعية القانونية

بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت وضعية كل الجماعات الدينية بما في ذلك الجماعة الإسلامية. وقد توحدت الوضعية القانونية لكل الجماعات الدينية ولم تتغير مع تغير الدساتير (1946 و1963 و1974). وكان ما هو موجود في الدستور الفدرالي ينقل كما هو إلى دساتير الجمهوريات. ففي دستور 1946 كما في الدساتير اللاحقة ورد النص على "حرية الضمير وحرية العقيدة الدينية"، ولكن الحقوق كانت في الحد الأدنى التي تمثلت في ممارسة الشعائر الدينية، وتأسيس عدد محدد من المدارس الدينية، والحق في الاحتفاظ بأملاك للجماعة ضمن السقف الذي يحدده القانون. كانت الدولة تتابع وتراقب كلياً الجماعات الدينية.

إلا أن الفرق الجوهري بين يوغسلافيا الجمهورية ويوغسلافيا الملكية كان يكمن في تمويل الجماعات الدينية. فالدستور كان ينص على أن "الدولة يمكن أن تساعد الجماعات الدينية"، إلا أن الدولة لم تقم بذلك، أو كانت تقوم به بشكل رمزي بين حين وآخر. ولكن الضربة القاصمة التي تعرضت لها الجماعة الإسلامية بالتحديد كانت تتمثل في الاستيلاء على معظم أوقافها. فقد شمل "قانون التأميم" الاستيلاء على كثير من الأوقاف. ففي كوسوفو على سبيل المثال، التي كانت تتبع للجماعة الإسلامية في صربيا، تم الاستيلاء على (2200) دكان و(65) بيتاً و(23) مخزناً و(27) محلاً تجارياً و(12) من المباني التي لم تكتمل. وفي أرجاء أخرى من صربيا تم تأميم (60) دكاناً و(57) بيتاً ومخزنين و(9) محلات تجارية.

وقد شمل ذلك أيضاً مناحي الحياة التعليمية والاجتماعية للمسلمين. فقد تم إغلاق المدارس الدينية (باستثناء "مدرسة الغازي خسروبك" في سراييفو و"مدرسة علاء الدين" في بريشتينا) والمحاكم الشرعية كما تم منع الحجاب. وكانت هناك حتى 1946م مدرسة دينية في نوفي بازار ومدرسة دينية في سكوبيه حتى 1941م. وقد احتوت الجماعة الإسلامية هذه الضربة القاصمة من خلال جمع التبرعات من أعضاء الجماعة، وكذلك الزكاة وصدقة الفطر وجلود الأضاحي. وقد أسهمت المساعدات التي جاءت لاحقاً من العالم الإسلامي في بناء المؤسسات التعليمية الجديدة. وفي الواقع كان هذا الوضع يشمل كل يوغسلافيا، وبالتالي صربيا التي لم يميزها شيء عن غيرها حتى دستور 1990.

ومع تأسيس "جمهورية يوغسلافيا الفدرالية" في 1992 جاء دستورها ليعكس ما هو جديد: الفصل بين الدين والدولة، الحرية والمساواة في الشؤون الدينية والمساواة بين الأديان، احترام حرية الآخرين، ومعاقبة كل تعبير عن التعصب الديني.

ومع ذلك فقد كان التمييز الإثني والديني واضحاً، وخاصة فيما يتعلق بحماية الأشخاص والممتلكات في بعض أرجاء صربيا. وفي 2003 صدر "مرسوم حول الحرية والحقوق الإنسانية والقانونية للأقليات"، الذي ضمن حرية العقيدة والمساواة بين الجماعات الإسلامية، والفصل بين الدين والدولة، والتنظيم المستقل للجماعات الدينية، والحق في تأسيس المؤسسات التعليمية الدينية. ومع هذا فقد حصل في هذا الوقت بالذات (18/ 3/ 2004) إحراق أهم جامعين في صربيا (جامع بلغراد وجامع نيش) ولم يتم معاقبة أحد حسب القانون الذي يعاقب على التعبير عن "الحقد العرقي أو الديني").

دستور جديد

مع انفصال الجبل الأسود عن صربيا في 2006 صدر دستور "جمهورية صربيا" في 2006 ليعبر أكثر عن المبادئ الديمقراطية الحديثة. وهكذا نص الدستور على علمانية الدولة، والفصل بين الدين والدولة، وضمان حرية الدين، والمساواة بين الأديان، واستقلالية تنظيم الجماعات الدينية، والحرية العلنية في ممارسة الشعائر الدينية، والسماح بتأسيس المدارس والجمعيات الخيرية. وبفضل هذه المعايير الديمقراطية التي تبلورت في القوانين اللاحقة، والتحول الديمقراطي في المجتمع، أصبح وضع المسلمين أفضل في الممارسة أيضاً وليس فقط في القوانين.