طاهر أبوفاشا.. الغائب الحاضر

على عيني بكت عيني ** على روحي جنت روحي

كان طاهر محمد أبوفاشا شاعرًا متمكنًا من اللغة العربية وأسرارها، ذا قدرةٍ على سبر غور مفرداتها والغوص في ألفاظها، وقد أهَّله ذلك لأن يكون المرجع لمن أراد الفائدة، وأن يصبح المحجة لمن احتج إليه، فضلاً عن موهبته الخالصة الصادقة الخلاقة لا في الشعر فحسب، ولكن الممتدة إلى ريادته في مجال التأليف الإذاعي، والذي وصل به إلى أسماع القاصي والداني في أرجاء أمتنا العربية عبر الإذاعة المصرية والإذاعات العربية كافة حاملاً إليهم ثراءه الثقافي وعمق اطلاعه المعرفي.

كما كان ـ بالإضافة إلى ما سبق ـ محدثا ً قديرا ً جذابا ً، يُمتع السامعين بسعة علمه ووفرة خبرته العلمية في الأدب وضروب الحياة من خلال حديث طريف ظريف لطيف، وذاكرة حاضرة واعية، وذكاء صائب.

ولقد كان لمولده في عام 1908، في قلب مدينة دمياط، ذات الطبيعة الجغرافية والتاريخية الملهمة، أثره في تشكيل وجدانه وإثراء وعيه، وتفتح ذائقته الفنية، وبزوغ موهبته الشعرية في سن مبكرة، والتي تجلت وأينعت بعد أن تخرج في كلية دار العلوم في عام 1940.

وقد أصدر في حياته ستة دواوين شعرية هي: "صورة الشباب" 1928، "الأشواك" 1932، "القيثارة السارية" 1938، "راهب الليل" 1983، "الليالي" 1986، و"دموع لا تجف" 1987، وهي بالقلة من حيث الكم، إذا ما قورنت بحجم طاهر أبوفاشا الأدبي وكيفية شهرته، وفي ذلك يقول صديقه الشاعر الكبير عبدالعليم عيسى في تصديره للأعمال الشعرية الكاملة، والتي أصدرها الشاعر السعودي الشيخ عبدالحميد مشخص على نفقته الخاصة في عام 1992، بعنوان "ديوان "طاهر أبوفاشا":

"وقد تعجب حين تجد أن إبداع الشاعر لم يكن من الوفرة بحيث يناسب اسمه اللامع، وشهرته الأدبية العريضة، ولكن إذا عُرِف السبب بَطُل العجب، كما يقولون.."

ويستطرد عبدالعليم عيسى في فقرة أخرى في التصدير نفسه قائلا ً:

"لقد كان طاهر إذن أديبا ً شاملا، فهو شاعر، وهو قاص، وهو باحث، وهو كاتب درامي، وهو فقيه في اللغة، محيطٌ بدقائقها وأسرارها، ولكنه كان يعتز بالشعر أكثر من سواه، وطالما سمعته يقول في تحسر:

لقد جنت الإذاعة علىّ كشاعر، على الرغم مما حققته لي من شهرة.."

ويذكر ما قاله عنه شاعر القطرين خليل مطران، في مقدمة ديوانه "الأشواك": "هو شاعر لا ريب فيه، ومجدد من طراز الذين لا يعوزهم قوة الديباجة وجمال العبارة".

ونذكر ـ أيضا ـ ما قاله الأديب الكبير ثروت أباظة في مقدمته لأعمال طاهر أبوفاشا الشعرية:

"وقد كان طاهر خليقاً أن يكون أعظم شعراء جيله، فصياغته المنسابة الرصينة مع حداثة التعبير والقدرة الفائقة على اختيار الألفاظ الشعرية والتعمق في اللغة مع الموهبة الباذخة.. كل ذلك كان جديراً بأن يجعل شعره منتشرا ً في العالم العربي كله إلا أنه لم يكن مكثرا ً، وقد شغلته الإذاعة وما اشتهر به من تمثيليات.."

ويضاف إلى ما تقدم قول صديقه الشاعر فاروق شوشة في مقال له بعنوان: "في صحبة طاهر أبوفاشا"، معلناً عن "موهبة شعرية أصيلة، ولغة شعرية متميزة، وعن عالم جديد من الرؤى والتجارب والمواقف، واكتملت من خلاله سمات شاعر مقتحم الساحة ويفرض اسمه على المجتمع الثقافي والواقع الأدبي".

ولقد ذاع صيته كمؤلف إذاعي رائد قلما يجود بمثله الزمان، بعد أن قدَّم للإذاعة الكثير من الأعمال الشهيرة، ومنها "ألف ليلة وليلة" التي كتب منها ثمانمائة حلقة، وأوبريت "رابعة العدوية"، وأوبريت "أصل الحكاية"، وسلسلة "أعياد الحصاد"، كما كتب "ألف يوم ويوم" لإذاعة الكويت، وقام بتأليف بعض المسرحيات للتليفزيون المصري.

كما أصدر عدة كتب أدبية منها: "وراء تمثال الحرية"، و"العشق الإلهي"، و"الذين أدركتهم حرفة الأدب"، و"هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف".. ومن جملة أعماله نجد تنوع إبداعه وتعدد موهبته وسعة عطائه الأدبي.

ولقد كانت أعماله الإذاعية سبباً في ذيوع اسمه على ألسنة الناس كافة، وامتداد شهرته عبر الآذان القريبة والبعيدة.

وقد أكد من هذه الشهرة وأعلى من قدرها قيام كوكب الشرق أم كلثوم بغناء عدد من قصائده والتي عُرفت بقصائد "رابعة العدوية"، والتي تضمنها ديوانه "راهب الليل"، وهي كالتالي:

* قصيدة "أحبك حبين" من ألحان الموسيقار رياض السنباطي، ومنها:

عرفْتُ الهوى مُذ عرفتُ هواكَ ** وأغلقتُ قلبيَ عمَّن عـداكا

وقمت أناجـــــــيكَ يا مَنْ ترى ** خفايا القلوبِ ولسْنا نراكا

"أحبُّكَ حُبَّيــنْ: حـبَّ الهـــوى ** وحــــــبَّاً لأنَّك أهـلٌ لذاكا"

والبيت الأخير من شعر "رابعة العدوية نفسها:

* قصيدة "يا صحبة الراح"، وهي أيضاً من ألحان الموسيقار رياض السنباطي، ومنها:

"يا صُحْبةَ الراحِ: أهلُ الراح هل حانوا

وهل تغنَّــت على أيامــــها الحــانُ؟

صــــبا الندامــى وما في الحانِ ألحـانُ"

*قصيدة "في بحار الندم"، وهي ـ أيضا ـ من ألحان الموسيقار رياض السنباطي، منها:

على عيني بكت عيني ** على روحي جنت روحي

هــــواك وبعد ما بيني ** وبينك ســــرُّ تبريـــحي

على عيني

على روحي

فيا غوثاه يا غوثاه

ومن طول النوى أوَّاه

وآه ٍ آهْ

• قصيدة "يقولون لي غنِّي" من ألحان الموسيقار كمال الطويل، ومطلعها:

غريبٌ على باب الرجــــاءِ طريحُ

يناديكَ موصولَ الجــــوى وينوحُ

يهونُ عذابُ الجسْمِ والروحُ سالمٌ

فكيف وروحُ المستهامِ جــــروحُ

• قصيدة "لغيرك ما مددتُ يدا"، وهي أيضاً من ألحان الموسيقار كمال الطويل، ومطلعها:

لغيــــركَ ما مددتُ يدا ** وغيرُك لا يَفيضُ ندى

وليس يَضيقُ بابُكَ بي ** فكيــــف تَرُدُّ من قصدا

* قصيدة "حانة الأقدار"، وهي من ألحان الموسيقار محمد الموجي، ومطلعها:

حانة ُ الأقدارْ

عربدتْ فيها، لياليها

ودار النورْ

والهوى صاحي

***

هذه الأزهارْ

كيف نسقيها، وساقيها

بها مخمور

كيف يا صاحِ

***

سألتُ عن الحبِّ أهْلَ الهوى

سُقَاة َ الدموع ِندامى الجوى

فقالوا حنانَكِ من شجْوه

ومن جدِّه بكِ أو لهْوهِ

ومن كَدَرِ الليلِ أو صفوه

سلي الطيرَ إن شئتِ عن شدوهِ

ففي شدْوه همساتُ الهوى

وبرْحُ الحنينِ وشرْحُ الجوى

* وقصيدة "عروس السماء"، وهي أيضاً من ألحان الموسيقار محمد الموجي ومطلعها:

أوقدوا الشموسْ ** انقروا الدفــوفْ

موكبُ العروسْ ** في السمــا يطوفْ

والمنى قُطـوفْ

انقروا الدفوفْ

...

الرضــا والنورْ ** والصـبايا الحورْ

والهوى يدورْ

آن للغريـــــبْ ** أن يــــرى حماهْ

يومه القريــبْ ** شاطيء الحــياهْ

والمُنى قطوفْ

في السما تطوفْ

انقرواالدفوفْ

ولم تحقق هذه النخبة المبدعة من قصائده ما حققت من نجاحات فنية من فراغ، بل لأسباب فنية ـ أيضا ـ منها: صوت أم كلثوم الذي تجلى الله عز وجل به عليها، وألحان كبار مبدعي فن اللحن والموسيقى: رياض السنباطي وكمال الطويل ومحمد الموجي، وقبل ذلك موهبة طاهر أبوفاشا الفريدة في كتابة "الموشح" واستدعاء تقنياته الفنية وبراعته في استمالة ذائقة القاريء له ونيل إعجابه به من فرط ما به من صدق فني وموضوع إنساني، فضلاً عن تنوع الإيقاعات الوزنية الخاصة بفن الموشح، هذا بجانب حسن التقسيم واختيار الروي النافذ إلى القلوب قبل الأسماع، والقدرة على التشكيل اللغوي للجملة الشعرية، وهو ما اكتسبه من درايته باللغة العربية، كما في قوله: (يا صحبة الراح .أهل الراح هل حانوا.... إلى آخر المقطع)، واختلاف المعنى في (الراح) الأولى عن (الراح) الثانية، ثم الجناس الناقص في كل من: (هل حانوا)، (الحانُ)، (وألحانُ)، ويعمِّق من أثر ذلك الصدق في التعبير الهامس والشجن الخفي الذي ينبعث من معاني المفردات مثل النداء "يا" والسؤال بـ "هل"، والنفي بـ "ما"، وكلها تشكِّل حالة من التأمل والمعايشة وتوحد المشاعر، وعلينا أن نقرأ هذا المقطع بعد هذه الإضاءات:

" يا صحبة الراح: أهلُ الراحِ هل حانوا

وهل تغنَّت على أيامها الحانُ؟

صبا الندامى وما في الحانِ ألحانُ"

وإلى جانب ما تغنت به أم كلثوم نشيد الجيش من ألحان الموسيقار رياض السنباطي، ومطلعه:

مشى المجدُ في يومِهِ المرتقبْ ** وأشرْقَ في عيده ما غَرَبْ

فقمْ حييَّ جيشَـكَ جيشَ العربْ

حَمِىَّ الزمـــامِ.. وجيشَ السلامْ

سلامٌ سلامْ .. سلامٌ سلامْ

وتتأكد قدرته الشعرية الفائقة في قصائده الأخرى التي لم تجد الطريق إلى الألحان والغناء، ومنها الكثير الجدير بالذكر، ولكننا ننتقي منها على سبيل المثال، قوله في وصف الشاعر:

ما أشبه الشاعرَ في غمرتهِ

بمُمسكِ الخنجرِ من شفْرته

يذود بالمقبضِ عن حوزتهِ

يدمي فلا يدمي سوى راحته

وقوله لصورته الشخصية:

أنتِ رسمي؟ أم أنا قد صرت رسما ** لحيـــــاة صيرتني لي رســـما؟!

صــــــــــورتي: هل أنتِ إلا كل ما ** أبقت الأيام لي لحـــــما وعظما؟

أسمـــــعيهم في ســــــــكوتٍ آهتي ** ربَّ صمـــــتٍ يملأ الأذهانَ فهما

أسمعـــــيهم وأريهم.. ليس بدْعــا ** أن يروا أو يسمعوا عميـا وصمَّا

صـــــــــورْوا ذاتي، فهلا صوروا ** ألمـــــــــــا قد بِتُّ أصـــلاه وهمَّا

وقوله في وصف "النيل":

وأَعزِزْ بهذا النـــيل والليل نــــــائمٌ ** جرت روحه في الماء والنخْل جانبه

تراءى بسطح المــاء صفَّا منكســا ** وقد خشع التيارُ وانصاعَ صـــــاخبه

وبات خشوعُ الكونِ أروعَ ما ترى ** إذا الليلُ سـالت في البطــــاحِ ذوائبه

وبرغم ما عاشه طاهر أبوفاشا من شهرة إذاعية وشعرية، وبقدر ما حقق من وجود أدبي مرموق، إلا أنه قد ابتلي في أواخر حياته بمصيبتين قد هزته الأولى ولكنها كانت دافعاً لأن يُصدر دواوينه الثلاثة الأخرى دفعة واحدة بجانب أعماله الأدبية الأخرى، ولكن الثانية نالت منه العزم والقدرة على صد النوائب والتغلب على الأحزان.

أما المصيبة الأولى فهي فقده لزوجه نازلي المهدي عام 1979، والتي من أجلها تغلَّب على حزنه الشديد لفراقها وقام بإصدار أعماله، وفي عام 1987 أصدر ديوانه بعنوان "دموع لا تجف"، بإهداء نصه:

"إلى شريكة الحياة ورفيقة العمر التي سبقتني إلى دار البقاء..

زوجتي الطيبة الجميلة.. نازلي المهدي......

طاهر أبوفاشا... 1986"

ومن قصائده في هذا الديوان الذي أوقفه كله في رثائها، قصيدة بعنوان: "قلت للكأس"، ومطلعها:

"قلت للكأس والليالي غريمي

أين يا كأس كــُرمتي ونعيمــي

جمعَ الليلُ شاربيــــها فمـا لي

لا أرى بين شاربيــها نديــمي

فأجابت: من احتكمْ

لليالي فقد حكمْ"

وأما المصيبة الثانية فهي فقده لابنه الشاعر فيصل، الذي مات بغتة في سيارته وهو عائد إلى منزله في فبراير/شباط عام 1979، وقد كانت هذه المصيبة بمثابة الضربة القاتلة لشاعرنا طاهر أبوفاشا، والذي كتب في رثاء ابنه، قصيدة قصيرة بعنوان: "قصيدة لم تتم"

كم ذا ألاقي من الأيـــــام يا ولـدي ** ولا أراكَ إذا يومــاً مددتُ يدي

خوفي عليكَ وخوفي منكَ يملؤني ** رعبــاً من اليوم موصولاً برعْبِ غدي

هذا الذي كنتُ أرجوه ليحمــــلَني ** فصرت أحملهُ شيــــخاً بلا جَـــــــــــلَدِ

لعل ما تقدم في الرثاء للزوج والابن هو قطع من الدم صيغت في قالب الشعر، ولكن أي شعر ذاك الذي يُكتب بالدم والنار، لكي يمكث في أرض الشعر والشعراء، والذي كان وراء رحيل شاعر سيظل مكتبة الشعر العربي وميكروفون الإذاعة وشاشة التليفزيون يعتزون بما قدم وأبدع، حتى فارق دنيانا إلى جوار ربه صباح الثلاثاء التاسع من مايو/آيار 1989، وقد فاضت روحه بمستشفى القوات المسلحة بالمعادي ونظرته الأخيرة إلى ابنته عزة التي عادت لتراه وكُتب لها أن تودعه إلى مثواه الأخير.

وعزاؤنا أنه رحل بجسده وبقي في قلوبنا بأعماله المبدعة وحديثه الحلو وخفة ظله وعظمة شعره ودماثة خلقه، فهو الغائب الحاضر.