مسيحيو العراق في طريقهم إلى الهلاك

تقول الاخبار القادمة من العراق أن المسيحيين قاموا بإنشاء ميليشيا خاصة بهم في احدى قراهم شمال العراق بعد أن تخلى عنهم الجيش العراقي وقوات البيشمركة التي هي في حقيقتها ميليشيا كردية تحولت بحكم الامر الواقع (ضعف الحكومة والاسناد الخارجي) إلى ما يشبه الجيش النظامي.

بالنسبة للمسيحيين فان كل شيء صار يقع اضطرارا.

فالجيش العراقي وقد تبخر بعد أن هربت قطعات منه قبل أن تواجه تنظيم داعش تاركة اسلحتها الاميركية الحديثة لأفراد ذلك التنظيم لم يعد له ذكر، كما لو أنه لم يكن موجودا في الأصل.

يركز العسكريون الاميركان على مسألة تأسيس ما يسمى بقوات الحرس الوطني، وهي قوات تتألف من مجموعة من الميليشيات الشيعية والسنية التي يعارض رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حلها ودمجها في ميليشيا شاملة.

وهو ما يعني أن المسيحيين كونهم يقفون خارج خرائط التصنيف الديني للميليشيا الجديدة لن يتمتعوا بحق الحماية، بعد أن تم تعليق مبدأ المواطنة في العراق بشكل مطلق.

فلا هم سنة ولا هم شيعة ولا هم كرد. وهم ليسوا جزءا من تركيبة الحكم القائم على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية المعترف بها في الدستور.

في حالة من هذا النوع فان المسيحيين لا يصلحون سوى أن يتحولوا إلى نازحين أو أن يقوموا بخطوة انتحارية تتلخص في ما أقدموا عليه من اقامة ميليشيا خاصة بهم لن يزودها أحد بالسلاح ولن يمولها أحد بالمال وبهذا يكون افرادها عرضة للابادة في اي نزاع محتمل.

الغرب رفع يده عنهم مثلما فعلت الحكومة العراقية من قبل.

لا يجد الغرب حلا للمسألة المسيحية في العراق سوى في اعادة توطين المسيحيين في بلدان اللجوء. وهو ما شرعت فرنسا في تنفيذه حين قامت باستقبال وجبتين من اللاجئين، هما مقدمة لمشروع أكبر يُراد من خلاله شرعنة تهجير المسيحيين من الشرق.

مصير المسيحيين العراقيين بات محسوما إذن. وهو ما يفتح الباب واسعا على التفكير في مصير الاقليات الدينية والعرقية التي تركت بين أيدي الدواعش، من غير أن يعلن أي طرف، محلي أو عالمي عن مسؤوليته عن حمايتها.

صار واضحا أن تلك الاقليات التي بدأ تنظيم داعش بتهجيرها لن تعود إلى مناطق سكناها الاصلية، وهي خطوة كانت الميليشيات الشيعية قد مهدت لها قبل سنوات حين قامت بتهجير الاقليات من عدد من مناطق بغداد.

هناك اليوم العديد من القرى المسيحية والايزيدية التي تم تحريرها من قبضة داعش من غير أن يسمح لسكانها الاصليين بالعودة إليها. لقد وقعت تلك القرى في قبضة البيشمركة التي تعتبرها جزءا من دولة كردستان المنتظرة.

وهكذا فان المسيحيين الذين يفكرون في حماية أنفسهم بأنفسهم صاروا على بينة من أن تهجيرهم انما يقع ضمن مشروع اتفقت أطراف محلية ودولية على تنفيذ فقراته على حساب شعب يقيم على أرضه منذ الاف السنين.

وقد يكون المناسب هنا التحذير من امكانية وقوع عمليات تطهير بحق المسيحيين الذين لا تزال فكرة التمسك بالوطن تغريهم في الدفاع عن وجودهم على الارض التي عاش فيها أجدادهم وكانت لهم مساهمات عظيمة في بناء حضارتها.

فالعراق الذي سيكون في مستقبل أيامه وكما يخطط له محكوما من قبل ميليشيا كبيرة ستكون بمثابة حاضنة للميليشيات الطائفية لن يقوى على استيعاب مواطنيه من الأقليات غير الممثلة في تلك الميليشيات. وهو ما يعني بالضرورة أن المسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين والشبك سيواجهون دائما المصير نفسه الذي أعلن عنه تنظيم داعش. اما الابادة أو الرضوخ العقائدي.

مسيحيو العراق في طريقهم إلى الهلاك. فهل سينفع الندم المتأخر العراقيين في شيء؟