الحرس الوطني قوّة سنية تعفي جيش العراق من ورطة الطائفية

من جانب آخر، فكرة محفوفة بالمخاطر

بغداد ـ قبل أيام بدأت الإجراءات العملية لتشكيل قوات أمنية جديدة هي "الحرس الوطني" في المحافظات السنية، وهي محاولة متأخرة لإنقاذ سمعة الجيش من الطائفية، وتوفير غطاء قانوني لعشرات الجماعات المسلحة غير النظامية، والتوحد لمواجهة "الدولة الإسلامية".

في أحد المباني المحصّنة الواقعة على أطراف مدينة الموصل يؤدي العشرات من الموظفين مهامهم لإدارة شؤون مدينتهم الواقعة تحت سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" منذ العاشر من حزيران/يونيو، ويشارك المحافظ اثيل النجيفي في الإدارة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ومنذ أيام يقوم هؤلاء الموظفين بمهمة جديدة إضافة إلى مهامهم في إحصاء النازحين عن المدينة ومنحهم أموال ومساعدات إنسانية. المهمة الجديدة كما قال احد الموظفين تتمثل في تسجيل أسماء المتطوعين لتشكيل قوات أمنية جديدة باسم "الحرس الوطني".

وتم تخصيص مكان معزول يقع بين أربيل والموصل ليكون مركزا لتدريب هذه القوات على يد ضباط سابقين في الجيش من سكان الموصل، وستكون أبرز مهام هذه القوات تحرير مدينتهم من "الدولة الإسلامية" الذي يحكم المدينة بقوانين كانت تطبّق قبل قرون.

وفي الأنبار الواقعة غرب بغداد حيث يسيطر "الدولة الإسلامية" على غالبية مساحة المحافظة، أنهى موظفو مجلس المحافظة الإجراءات الخاصة لتشكيل هذه القوات، حيث تم اختيار عشرة آلاف شخص ليكونوا ضمن قوات "الحرس الوطني".

وما زالت محافظة صلاح الدين التي يسيطر "الدولة الإسلامية" على مركزها في تكريت تنتظر الظروف المناسبة لتشكيل القوة الخاصة بها، أما ديالى فيبدو الوضع فيها مرتبكا بسبب انتشار آلاف من عناصر الميليشيات الشيعية في المناطق السنية والشيعية على حد سواء.

فكرة تشكيل قوات أمنية جديدة في كلّ محافظة عاد إلى الواجهة بعد سيطرة "الدولة الإسلامية" على مساحات شاسعة من البلاد في الموصل وتكريت والأنبار، بعد انسحاب

قوات الجيش دون قتال، وهو ما جعل سكان المحافظات يتذمرون من سلوك الجيش الذي كان يعاملهم بقسوة، وسلم مدنهم الى "الدولة الإسلامية" ببساطة.

رئيس الوزراء الجديد حيدر العبادي وضع قضية تشكيل هذه القوات ضمن برنامج حكومته الذي أعلنه بعد التصويت على وزرائه، حيث قال "يجب فرض الاستقرار ودعم قوات الأمن ومشروع المصالحة الوطنية، وتطوير تجربة الحشد الشعبي، وتأسيس حرس وطني في كل محافظة، ودعم قوات البيشمركة".

في الواقع هناك ثلاث أهداف ايجابية تستطيع هذه القوات الجديدة تحقيقها وهي إنقاذ سمعة الجيش من تهم الطائفية، وإنهاء عمل الميليشيات الشيعية والسنية غير القانونية، وإيجاد قاعدة قوية لقوات برية تكمل عمل القصف الجوي الذي تقوم به الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية ضد "الدولة الإسلامية".

ومن النادر جدا أن يقوم أحد سكان المحافظات السنية بمدح الجيش. فجميع سكان المحافظات السنية يتهمونه بالطائفية، خصوصا وأن غالبية الجنود والضباط في المحافظات والمناطق السنية في الأنبار والموصل وصلاح الدين وبغداد وديالى وبابل، ينحدرون من محافظات شيعية جنوب البلاد.

ويقول العقيد في الجيش عزيز الربيعي الذي خدم في محافظات الأنبار والموصل وبابل إن "السكان في هذه المناطق يكرهوننا ويتهمونا بالطائفية وبأننا ميليشيات إيرانية، وهذا ما يجعل الأمور صعبة علينا، كيف لنا أن نحرر مناطق من الدولة الإسلامية إذا كان سكانها يكرهوننا"؟.

ولكن هذا العقيد يبدو متفائلا بفكرة إنشاء قوات أمنية من سكان كل محافظة، ويقول إن "القوات الجديدة لن يتهمها أحد بالطائفية لأنها من نفس سكان المحافظة وسيعملون على ملاحقة الإرهابيين.. وإذا احتاجوا إلى المساعدة سنقدمها نحن لهم دون إن يكرهنا السكان لأن قواتهم هي من طلبت ذلك".

قوات "الحرس الوطني" من المقرر أن ترتبط بوزارة الدفاع في الحكومة الاتحادية من ناحية الرواتب والتسليح، لكنها تأخذ الأوامر من مجالس المحافظات فقط ومهمتها تقتصر على واجبات داخل المحافظة، كما يقول نائب رئيس مجلس محافظة الانبار فالح العيساوي.

العيساوي قال إن "الأنبار على وشك الانتهاء من تشكيل هذه القوات، وتم تطويع عشرة آلاف شخص من سكان الأنبار حصرا فيها، ولكن مشكلة التسلُّح لم تحلّ حتى اليوم، ولكن مسؤولين أميركيين وعدونا بتسليح هذه القوات قريبا".

تشكيل هذه القوات من سكان المحافظات السنية من شأنها أن تحقق توازنا طائفيا في قوات الجيش العراقي الذي يتهمه السياسيين السنّة بأنه طائفي، ويتألف بشكل كبير من الشيعة.

وبحسب اتفاقات سرية جرت بين العبادي وعدد من المسؤولين في المحافظات السنّة في بغداد، فإن اختيار عناصر "الحرس الوطني" لن يخضع لشروط "اجتثاث البعث" وإبعاد ضباط الجيش السابق عن العمل.

المحافظات السنية تمتلك آلاف الضباط في الجيش السابق قبل عام 2003 ولهم خبرات طويلة في الحروب وغالبيتهم تدرَّب في الدول الأوروبية وروسيا، وخاض حرب طويلة مع إيران، ولكنهم بعد 2003 أُحيلوا اإلى التقاعد وحرموا من العودة إلى العمل، واليوم جاء دورهم للعمل في حماية محافظاتهم من الإرهابيين.

الهدف الآخر الذي من المفترض أن تحققه فكرة إنشاء "الحرس الوطني" هي حصر السلاح بيد الدولة من خلال إقناع الميليشيات الشيعية والسنية غير النظامية بالانضمام لهذه القوات، ليكون عملها قانوني وتأخذ أوامرها من الحكومة وليس من قادة الميليشيات.

في الجانب الشيعي هناك على الأقل خمس ميليشيات كبيرة تعمل حاليا في البلاد دون ضوابط وهي "عصائب أهل الحق" و"سرايا السلام" التابعة إلى التيار الصدري و"حزب الله" في العراق ومنظمة "بدر"، إضافة الى مجموعات المتطوعين تلبية لدعوة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني الى التطوع لقتال "الدولة الإسلامية"، وهؤلاء الأكثر عددا لكنهم الأقل تدريبا وغالبيتهم من العاطلين عن العمل.

وفي الجانب السني هناك ستة فصائل مسلحة وهي "المجلس العسكري لثوار العشائر" وهو الأكثر عددا، و"الجيش الإسلامي"، و"جيش المجاهدين"، و"رجال الطريقة النقشبندية"، و"كتائب ثورة العشرين"، و"أنصار الإسلام".

والهدف الأخير من "الحرس الوطني" هو توحيد هؤلاء المسلحين السنّة والشيعة ضمن قوات نظامية لمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، والخطة التي تم الاتفاق عليها بين الحكومة الجديدة والمسؤولين السنّة، ترتكز على أن "الحرس الوطني" يقوم بمحاربة "الدولة الإسلامية" في مناطقهم برا حتى لا يعترض السكان على هذه القوات لأنها منهم، على أن يقوم الجيش الاتحادي بتقديم الدعم والإسناد فقط، بينما تقوم الطائرات الأميركية والأوروبية بالدعم الجوي.

في الجانب الآخر من القضية، فإن فكرة إنشاء "الحرس الوطني" محفوفة بالمخاطر أيضا، وهناك مخاوف لدى بعض السياسيين من أن تقوم هذه القوات بالهجوم على محافظات مجاورة لها وتنشب معارك بين المحافظات، لكن غالبية السياسيين متفائلون ويريدون تجربة الفكرة فليس لديهم ما يخسروه بعدما جربوا كل شي لمواجهة "الدولة الإسلامية". (نقاش)