خريف العلاقات الكردية

حتى وقت قريب كانت علاقات اقليم كردستان العراق بتركيا تتسم بكونها علاقات وثيقة حصل فيها الكثير من معالم التناغم في المواقف والاستراتيجيات التي أُعتمدت في اكثر من ملف من الملفات المهمة في جيوبولتيك المنطقة التي تريد ادارة اردوغان – اوغلو ان تتواجد فيها بقوة. وهو ما قاد الى توتر العلاقة بشكل كبير مع بغداد التي لم تكن على وفاق مع السياسات التي اتبعتها تركيا طوال السنوات الماضية خاصة بعد اتهامها في اكثر من مناسبة بانها تقف وراء اذكاء الخلافات السياسية وتعميق هوة الانقسامات الطائفية في العراق.

الا ان المواقف الاخيرة لتركيا المتحفظة تجاه موضوع الانضمام الى الحلف الاميركي المراد تشكيله لتحجيم دور الارهاب في المنطقة كما يزعمون، قد ادى الى تشكيك الاكراد بنوايا الدور التركي الذي يريد استخدامهم كادوات لتقليص قوة بغداد فضلا عن استخدامهم جسرا للوصول الى تسوية مُرضية مع حزب العمال الكردستاني لانهاء مشكلة الصراع معه على مدى اكثر من 30 عاما، اضافة الى استخدامهم لاستمالة الاكراد في سوريا لتقوية جبهة حلفائها في حربهم ضد النظام هناك. لذا فسر الاقليم الموقف التركي من هذه الحملة على انه نكران لكل بوادر التسامح الكردي التي لعب فيها الاقليم دورا مهما تجاه انقرة التي ستسهم بهذه الخطوة في تعطيل المشاريع الخاصة بايقاف زحف داعش تجاه النطاقات الكردية في سوريا والعراق على حد سواء، وهو ما يضع تركيا بقوة اكبر من ذي قبل في مجال دائرة الشك في علاقتها بهذا التنظيم الذي بات يعد احد اهم ادواتها التي تعتمد عليها لتمرير نفوذها في هذا النطاق.

الصدام بين الرؤيتين الكردية والتركية من موضوع داعش يأتي في ظل تنافر كلا الطرفين من اهداف هذا التنظيم الذي بات يشكل مصدر صداع دائم للقادة الاكراد خاصة بعد ان كان مقاتلو داعش على مبعدة كيلومترات من اربيل التي لم تسعفها انقرة باي شكل من الاشكال لايقاف هذا الزحف الذي كاد يودي بالتجربة الكردية كاملة ويحولها الى اطلال تُذكر في صفحات التاريخ عبر الحاقها بجغرافية دولتهم الاسلامية المزعومة. وهو ما جعل القيادات هناك تشعر بخيبة امل لا يمكن لها الا ان تتناغم مع المخاوف الشعبية التي بدأت تثير التساؤلات عن جدوى التقارب بين الطرفين خلال السنوات الماضية طالما انه لم يفضِ الى الوقوف لجانب الاقليم في مثل تلك اللحظات الحرجة.

لذا، وكنتيجة عرضية، رأينا بان هذه الهجمة عملت على توحيد الاكراد وربطت مصائرهم بطريقة اقوى من قبل بفعل ادراكهم لحجم التهديد الوجودي الذي بدا ينتشر كالسرطان على خريطة المنطقة المفتوحة بين سوريا والعراق والمجاورة لتركيا. حيث لم يكن هذا التمدد مصادفة بقدر ما كان انعكاسا للعنة الجغرافيا التي حكمت تواجد هذين البلدين على تماس حدودي مباشر مع دولة تحلم باعادة ارثها العثماني لاحياء دور الخلافة مجددا وبكل السبل المتاحة لديها. كما لم يأتِ هذا التمدد ليعبر فقط عن حقيقة الفضائع التي ترتكب بحق الاكراد في سوريا حيث نادى العديد من قيادات داعش عبر الجوامع بفتوى تبيح قتل الاكراد واغتصاب نسائهم، بل ليؤكد بان الاقليم نفسه سيشهد ذات السيناريو في فترات لاحقة. وهو امر لم يتم تصديقه في حينها من قبل كثير من القادة هناك بفعل وقوعهم في فخ التطمينات التركية التي كانت تراهن على بث روح الفرقة في الاوساط الكردية عبر تشتيت مواقفها من كل التطورات الجارية.

ازداد حجم التباعد بين الطرفين وحل موسم الخريف في علاقتهما بقوة بعد ان تدخل حزب العمال الكردستاني ليقوم بدوره في نصرة الاقليم وبقية الاكراد في سوريا، وذلك انطلاقا من عقيدته العسكرية التي تمرس عليها طوال سنوات عديدة اكسبته القدرة على تمييز الجهة التي تقف وراء داعش والسبب في استخدامها بهذه الطريقة. لذا خاض هذا التنظيم معارك شرسة وناجحة ضد توغل الارهاب في اقليم كردستان بشكل خاص، مما جعل تركيا تتخوف في ظل بوادر الحملة الاميركية لمكافحة الارهاب من ان يتحول حزب العمال الى حليف اميركي يقوض الدور التركي ويسهم في ابتزاز تركيا سياسيا. لذا وجدت تركيا ان هنالك ضرورة لتفعيل بعض السياسات التي لا تقل سوءا عن تلك التي اعتمدتها في فتح اراضيها لتدريب الارهابيين وتسهيل حركتهم عبر الحدود.

فكانت هذه المرة حملة شرسة من قبل تنظيم داعش في كوباني السورية تسببت في نزوح عشرات الالاف من الاكراد الذين مُنعوا في بداية الامر من الدخول الى تركيا كلاجئين من فظاعة الاعمال الوحشية التي ترتكب ضدهم. وهو ما قاد الى حصول اضطرابات في النطاق التركي المجاور لخط الحدود من قبل الاكراد السوريين الذي فروا من قبل من هذه المناطق مطالبين بفتح المعابر لهؤلاء المهجرين الجدد. وهو ما يدلل على ان تركيا اليوم على ابواب الدخول الى جحيم الصراع ضد الجانب الكردي مجددا بفعل هذه التوجهات الخطرة، حيث برزت ملامح هذا التطور عبر العديد من ردود الفعل التي تمثل احدها بالمظاهرات التي اجتاحت اسطنبول ورُفع في بعضها لافتات كتب عليها "الدولة الاسلامية قاتلة وحزب العدالة والتنمية شريك".

يضاف الى ذلك قيام الاتراك بتضييق الخناق المالي على اقليم كردستان عبر المعلومات التي اشارت الى ان انقرة قامت مؤخرا بتحويل عائدات بيع النفط من كردستان الى خزينة الدولة في بغداد بدلا من اربيل. وهنا من غير المستبعد ان تتذرع تركيا بان هذه الاموال تستخدم في دعم حزب العمال الكردستاني وبالتالي هنالك ضرورة لتحويلها الى بغداد التي لا تملك مثل هذه الصلات القوية مع هذا الحزب، كما انها ستشكل خطوة للتقارب مع الحكومة الجديدة التي تريد هي الاخرى ان تقلل من سقف المطالب الكردية من المشاركة في ادارة البلاد.

يضاف الى ذلك الرغبة التركية التي اعلنت عنها قبل ايام ممثلة في انشاء منطقة عازلة داخل تركيا نفسها للحد مما تسميه بتداعيات الحرب المحتملة ضد داعش في سوريا والعراق، حيث سيسمح لها تطبيق مثل هذا المشروع العمل على اعلان حالة الطوارئ في النطاقات المتواصلة سكانيا مع هذين البلدين حيث تعيش الاقلية الكردية. وعندها سوف تعمل على فرض مزيد من التضييق على الاكراد هناك وصولا الى تفعيل تفويض الحرب الذي حصلت عليه في حينها حكومة اردوغان والذي يسمح لها بالتوغل في الاراضي العراقية لمطاردة حزب العمال الكردستاني.

لعل ادراك مثل هذه المشاريع والتصورات هو الذي يفسر التصريحات الاخيرة التي ادلى بها بعض القيادات الكردية والتي اشارت الى ان الاكراد مرغمون على تغيير بوصلة تحلفاتهم والتوجه ربما نحو المنافس التقليدي لتركيا باتجاه ايران التي كانت سباقة في تقديم الدعم العسكري للاقليم لحظة تعرضه لخطر اجتياحه من قبل داعش، وهنا يقول السيد فؤاد حسين رئيس ديوان رئاسة اقليم كردستان "اننا نشهد اياما عصيبة... ان اميركا جاءت من أقصى العالم لتقدم لنا المساعدة، لكن جارتنا تركيا لم تقدم لنا أية مساعدات، لقد طلبنا من المسؤولين الأتراك المساعدة في هذا الصدد، وهم أخبرونا بأنهم سيساعدوننا فور انتهاء انتخابات رئاسة الجمهورية الماضية، إلا أن ذلك لم يتحقّق حتى اللحظة، لذلك يجب علينا أن نتباحث حول الموضوع مع أنقرة بشكل واضح وعلني، إذ لا يمكن أن تكون العلاقات بيننا على هذا المنوال".

في ظل هذه التطورات ليس من اليسير على المرء ان يتنبأ بالفترة الزمنية التي سيدوم فيها الاضطراب في العلاقات الكردية – التركية وفيما اذا ستقود ردود فعل الاقليم الى اجبار تركيا على اعادة النظر في موضوع علاقتها بالتنظيمات المتطرفة في المنطقة وهل هناك من امكانية فعليه لكي تتعافى العلاقة بين الطرفين بشكل فعلي. الا ان الشيء المؤكد حتى هذه اللحظة هو ان الهواجس بدأت تجد لها مكانا في اذهان صناع القرار الكردي من المواقف التركية ولن يمكن ازالتها بسهولة ما لم تقدم تركيا على خطوات جدية في مسار تصحيح العلاقة ليس من منطلق ابتزاز بغداد بل من منطلق فتح صفحة جديدة مع مجمل العراق. ليبقى التساؤل حول مدى توفر القناعة لدى تركيا للقيام بمثل هذه التغيرات في سلوكها السياسي، مجالا مهما لمتابعة التطورات التي ستحصل في الاسابيع والاشهر القادمة لاصدار الحكم الموثوق من طبيعة التفاعلات التي ستحكم المشهد المستقبلي لمجمل هذه المنطقة.