كي يكون للحرب على 'داعش' معنى...

نعم، بدأت الحرب الأميركية على "داعش". بدأت الحرب بمشاركة عربية فعالة. ولكن، من أجل أن يكون للحرب على "داعش" معنى لا بدّ من توافر شروط معيّنة يفترض أن تترسّخ في ذهن الذين قرّروا شنّ تلك الحرب.

تأتي على رأس هؤلاء الإدارة الأميركية التي لا تدرك أنّ في اساس "داعش" تردّد الرئيس باراك أوباما الذي يتفرّج منذ ثلاث سنوات ونصف سنة على نظام سوري، مدعوم من ايران وسوريا، اتخّذ قرارا بالتخلص من الشعب السوري.

يُعتبرالتخلّص من النظام السوري، بدل التخلّص من الشعب السوري، الشرط الأوّل والأخير للتخلّص من "داعش" والإنتصار عليها. الدليل على ذلك، أن تنظيم "داعش" الإرهابي لم يكن موجودا، بالطريقة التي هي موجود بها الآن، عندما اندلعت الثورة السورية. لم يكن من هدف لدى الذين رعوا "داعش" غير محاربة الثورة السورية بواسطة هذا التظيم.

تبقى الثورة السورية أشرف الثورات العربية في عصرنا هذا. إنّها اشرف الثورات نظرا إلى أنّها، قبل كلّ شيء، ثورة على نظام عائلي قرّر نهب سوريا من جهة وهو يحتمي بالطائفية والطائفة تحت شعارات الممانعة والمقاومة من جهة أخرى.

كشف الشعب السوري هذا النظام. قرّر أخيرا التخلّص منه. جاء دور الإدارة الأميركية لتكتشف حقيقة النظام الذي يظنّ أنّ في استطاعته الإختباء خلف "داعش" ولعب دور في الحرب على الإرهاب في الوقت ذاته.

القصة في غاية البساطة ولا مفرّ من تكرارها في مناسبة انعقاد مؤتمر جدّة لمحاربة "داعش" ثمّ مؤتمر باريس ثم الإجتماع الخاص بهذا التنظيم الإرهابي في الأمم المتحدة والذي تحدّث فيه عدد لا بأس به من وزراء الخارجية عن هذه الظاهرة الغريبة التي اسمها "داعش".

ملخّص القصّة أنّ التنظيم الإرهابي المذكور ولد في العراق، وهو من فروع "القاعدة" أصلا. استخدمه نظام صدّام حسين العائلي ـ البعثي لمرحلة قصيرة في اثناء الإعداد لمواجهة الحرب الأميركية. لم يدم ذلك طويلا. في مرحلة ما بعد دخول الأميركيين العراق واسقاطهم نظام صدّام، بدأ الإستخدام السوري لما أصبح نواة "داعش" التي كان على رأسها "أبو مصعب الزرقاوي" الذي وُجد سريعا من يتخلّص منه.

في كلّ وقت من الأوقات، كان النظام السوري من بين الذين راهنوا على التنظيمات الإرهابية التي تولّت التصدي للأميركيين في العراق. لم يكن الهدف الدخول في مواجهة مع الأميركيين، بمقدار ما أنّه كان مطلوبا في كلّ وقت ابتزازهم.

لم تكن ايران بعيدة عن هذا التوجّه في ضوء رغبتها في الإستفراد بالعراق بعدما قدّمه لها الأميركيون على صحن من فضّة.

هذه باختصار قصّة "داعش" التي صارت لها بعد اندلاع الثورة السورية وظيفة أخرى تتمثّل في محاربة السوريين من جهة وتصوير كلّ من يقف في وجه النظام بأنّه "ارهابي" من جهة أخرى.

لا يمكن محاربة "داعش" من دون العودة إلى جذور المشكلة. في اساس المشكلة النظام السوري الذي ظنّ في البداية أن "داعش" ستظلّ حليفة له وأنّه سيظلّ قادرا على التحكّم بها.

هل في استطاعة الإدارة الأميركية العودة إلى اساس المشكلة وإلى أنّ "داعش" ما كانت لتتمدد بالطريقة التي تمدّدت بها لولا السياسة التي اتبعتها واشنطن بعلم الرئيس باراك أوباما والتي قامت على مهادنة النظام السوري والإكتفاء بالتفكير في أمرين. الأوّل استرضاء روسيا والآخر التركيز على كيفية عقد صفقة مع طهران في شأن برنامجها النووي. بالنسبة إلى ادارة أوباما صار الملف النووي الإيراني يختزل كلّ مشاكل الشرق الأوسط وأزماته.

بوقوفها موقف المتفرّج تجاه ما يدور في سوريا لعبت الإدارة الأميركية دورا اساسيا في جعل "داعش" تزدهر وتتطوّر وتتمدّد وصولا إلى العراق. لم تتخذ الإدارة أي موقف له معنى من النظام السوري عندما استخدم السلاح الكيميائي لقتل السوريين. لم تتخذ أي موقف من دخول "حزب الله" علنا في شراكة مع النظام السوري من أجل ذبح شعبه. لم تنبس ببنت شفة عندما بدأت الميليشيات المذهبية العراقية تتدفّق على الأراضي السورية من أجل المساهمة في قتل الشعب السوري.

ما حدث في سوريا كان جانبا من القضية. الجانب الآخر كان في العراق حيث وفّرت حكومة نوري المالكي كلّ الظروف التي أدّت إلى ولادة بيئة حاضنة للإرهاب في المناطق السنّية. وهذا ما مكّن "داعش" من السيطرة بسهولة على مدن كبيرة مثل الموصل وتكريت ومن أن تهدّد في مرحلة معيّنة مدينة اربيل الكردية.

في ظلّ هذه المعطيات، لن يكون للحرب على "داعش" معنى من دون المعالجة الجدّية لموقف النظام السوري من شعبه وللدور الإيراني في دعم هذا النظام وللوضع العراقي الذي يشكو من ممارسات أدّت إلى خلق تلك البيئة الحاضنة للإرهاب ذي الطابع السنّي.

لا فائدة من حرب على "داعش" في حال تجاهل النظام السوري. من دون بديل من هذا النظام ستظلّ الحرب على "داعش" تراوح مكانها. سيكون هناك من يستفيد من هذه الحرب. اسم هذا المستفيد هو ايران التي تعرف ماذا تريد وتعرف خصوصا كيف استخدام الآلة العسكرية الأميركية خدمة لأغراض معيّنة تصبّ في خدمة مشروع سياسي ذي طابع توسعي يرتكز على توظيف الغرائز المذهبية بطريقة ذكيّة.

بكلام أوضح، لا معنى لأي حرب على "داعش" من دون مقاربة شاملة لمشاكل الشرق الأوسط بدءا بمعرفة حقيقة النظام السوري والدور الذي لعبه ويلعبه في مجال الإستثمار في الإرهاب... بدعم ايراني مكشوف.

تلك هي نقطة الإنطلاق لأيّ حرب على "داعش". كلّ ما تبقى كلام بكلام واحجية تحتاج إلى من يفكّكها من نوع أنّ في استطاعة ايران المشاركة في الحرب على الإرهاب. كيف ذلك وايران ترعى أكثر من "داعش" واحد، ولكن بغطاء شيعي اكان ذلك في لبنان أو العراق، حتّى لا نتحدث عن بلدان أخرى. هل "داعش" الشيعي مختلف عن "داعش" السنّي؟

هل الإدارة الأميركية جدّية في حربها على "داعش"، مثلها مثل الدول العربية التي تشارك في العمليات العسكرية والتي شاركت في مؤتمري جدة وباريس واجتماع وزراء الخارجية في نيويورك، أم كلّ همها تمرير الوقت لا أكثر كما هو حاصل من خلال طريقة التعاطي مع النظام السوري ومع روسيا ـ بوتين ومع ايران؟