أحمد عتمان يحاور الثقافات من خلال الترجمة

الترجمة مورست منذ الألف الثالثة ق. م

انتشر الإسلام في بقاع آسيا وإفريقيا، التي كانت من قبل قد خضعت عقودا ليست بالقليلة للثقافة الهيللينستية والرومانية، وهذا ما قرب بين الإسلام والتراث الكلاسيكي، وجعل حركة الترجمة من الإغريقية في بغداد العباسية تبدو وكأنها المسار الطبيعي للأمور، وكان لهذا التلاقح الفكري أثر كبير في انتعاش الثقافة الإسلامية وازدهارها وبلوغها حد النضج، مما أهلها لأن تصبح الثقافة العالمية السائدة والمؤثرة في مسار البشرية إلى يومنا هذا.

هذا الكتاب "الترجمة وحوار الثقافات" للراحل د. أحمد عثمان أستاذ الدراسات اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة القاهرة، أهم مترجمى الأدب اليونانى القديم (الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب) يقول فيه مؤلفه:

عند قراءة كتاب برنال "أثينا السوداء" بتمعُّن ندرك أن هناك معركة حقيقية قد دارت رحاها في العقلية الأوروبية بين الحضارة المصرية والحضارة الإغريقية، فالإغريق والرومان بوجه عام أعجبوا بمصر واعتبروها الأنموذج، وإن تخلل ذلك الاتجاه بعض الاستثناءات، وكان هيرودوتوس هو أول من أعلن صراحة أن أصل أسماء جميع الآلهة الإغريق مصرية، إذ يقول: "في الواقع نجد أن معظم أسماء الآلهة الإغريق جاء من مصر، ذلك أنني عن طريق التحري تأكدت من أن هذه الأسماء جاءت من بلاد أجنبية، وأني لا أعتقد أنها جاءت بصيغة أساسية من مصر".

ولم يكن هيرودوتوس وحيداً في الاعتراف بفضل مصر على الحضارة الإغريقية، إذ تلاه في ذلك الكثيرون ومنهم أفلاطون، الذي أعجب بإسبرطة لأن إسبرطة أكثر "مصرية" من أثينا.

ويشير المؤلف إلى الترجمة قبل العصر الأموي، قائلاً: مورست الترجمة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد في منطقة الشرق الأدنى، فنقلت وثائق سومرية إلى الأكادية، وبعد ذلك ترجمت أعمال إغريقية علمانية إلى مختلف لغات الشرق القديم، وكانت الإسكندرية البطلمية قد شاهدت حركة ترجمة واسعة بين لغات الشرق القديم والمصرية من ناحية والإغريقية من ناحية أخرى، ثم تحدث عن الثقافة الإغريقية في العصر الأموي، ثم الترجمة في العصر الأموي، فيذكر: مثلت الترجمة في العصر الأموي حاجة ملحة سواء في الدوائر الحكومية أو الحياة اليومية، فكان معظم ما ترجم في العصر الأموي وثائق إدارية وبيروقراطية وسياسية وتجارية، وكملها من لوازم التعامل مع الناس وأصحاب الأراضي المفتوحة.

وعن الترجمة العلمية، يرى المؤلف: أن العرب المسلمين لم يكونوا مجرد نقلة للعلوم اليونانية لأنهم علاوة على النقل الحصيف، قد تساءلوا عن ماهية هذه العلوم وتقسيماتها المختلفة وأصولها وفروعها وفوائدها، كانت العلوم الوافدة تدور أساساً حول الطب، أما علوم العرب المسلمين منها: الفقه، الكلام، النحو، الكتابة، الشعر، العروض، الأخبار.

ولكن الخوارزمي في "مفاتيح العلوم" – بعد قرن واحد من ابن قتيبة – يقول: إن كلمة مهندس قد حدد معناها على أساس ما أقره الخليل بن أحمد، أي أن المهندس هو الذي يقيس ويقدر لمجاري القنوات المائية والجهات التي يمكن أن تحفر منها، ويقسم الخوارزمي العلوم قسمين: شرعية وفلسفية، فعلوم الشرعية وما يتصل بها تبحث في الفقه والكلام والنحو… إلخ، وعلوم اليونانيين الفلسفية تشمل الفلسفة والمنطق والطب.. إلخ، فكان الخوارزمي أول من أضاف إلى هذه المجموعة الفلسفية الطب والكيمياء.

ويذكر المؤلف: أن كلمة فلسفة جاءت من أصل إغريقي هو "حب الحكمة"، وفي العادة يتحدث العرب المسلمون عن المنطق والفلسفة، مع أن التصنيف الإغريقي التقليدي يجعل المنطق ضمن الفلسفة، حيث تشمل معه الأخلاق والطبيعة وما وراء الطبيعة، ويعتبر المسلمون المنطق أداة الوصول للحكمة.

ويضيف الكاتب: يشمل علم الأخلاق عند المسلمين سلوك الأفراد في إطار أسرته، ولقد كان دخول الفلسفة إلى العرب المسلمين عبر ترجمة العلوم والرياضيات، وكذا في إطار يشمل الاقتصاد والسياسة، فالاقتصاد هنا يعني تمتُّع كل فرد من أفراد الأسرة بسمات تسمح بالحياة معاً، وذلك يشمل الأب والزوجة والأولاد والخدم، ويشمل الاقتصاد، وكذلك أخلاقيات الأعمال التجارية، وتطورت نظرية الإسلام السياسية على أسس أفلاطونية، وهي نظرية أخلاقية تطبق مبدأ الفضائل والرذائل الفردية، وكذا طموحات الفرد وتطلعاته، وتشمل كذلك توقعات المجتمع الواسع، وهذه كلها تتواءم بسهولة مع روح الإسلام.

ومن الأفكار الشائعة لدى العرب المسلمين ما يسمونه "الحب الأفلاطوني"، ونذكر هنا ما ورد عند أبي بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصفهاني الظاهري ابن مؤسس مذهب الظاهرية وهو أديب وفقيه ولد عام 255 هـ (867)، وهو الذي أصدر الحكم بقتل الحلاج، ونلاحظ أنه تعمق في دراسة الأفلاطونية ففي مؤلفه "كتاب الزهرة" يشرح معنى الحب الأفلاطوني ويتعرض لفكرة الإنسان الأول الذي يجمع بين الذكورة والأنوثة هيرمافروديتي والتي وردت في محاولة "المأدبة".

هيرمافروديتي اسم مكون من جزئين الأول هو هرميس رسول الآلهة في الأساطير الإغريقية، أما الجزء الثاني فهو أفروديتي إله الجمال والحب والتناسل عند الإغريق، فهو اسم يجمع بين الذكر والأنثى في كيان واحد، إشارة إلى الاكتفاء الذاتي، وفي هذا الجزء من الكتاب، يجيب الكاتب على هذا سؤال الكندي فيلسوف العرب، وهل كان مترجماً؟ فيقول: هو أبويوسف يعقوب بن اسحق الكندي أول فيلسوف عربي وسليل أسرة ملكية عريقة، وخطى الكندي بمكانة عظيمة لدى الخلفاء كالمأمون والمعتصم وابنه أحمد.

ويضيف: كان الكندي أرستقراطياً وينتمي إلى أسرة عربية مسلمة تتمتع بالسلطان والملك، عهد إلى آخرين ترجمات علمية، أضاف هو إليها مقالات مستقلة، ربما تكون مستلهمة هذه الترجمات.

وقيل: إن الكندي ترجم للمعتصم أو لابنه "لاهوت أو أثولوجيا أرسطو"، ويذكر المؤلف: إن فكرة الطهارة، أو "التطهير" مأثورة عن فيثاغورس ومدرسته منذ القدم، يقول الكندي ناقلاً عن أفسقورس، وهو في الأغلب تحريف لفيثاغورس ما نصه: "إن النفس إذا كانت وهي مرتبطة بالبدن تاركة للشهوات متطهرة من الأدناس، كثيرة البحث والنظر في معرفة حقائق الأشياء، انصقلت صقالة ظاهرة، بسبب ذلك الصقال الذي اكتسبته من التطهير، فحينئذ يظهر منها صور الأشياء كلها ومعرفتها، كما تظهر صور خيالات سائر الأشياء المحسوسة في المرآة إذا كانت صقيلة".

وأخيراً يقول الكتاب: كان الكندي صاحب أول مدرسة للموسيقى في الإسلام، كما كان إسحق الموصلي صاحب أول مدرسة للغناء، وتطورت مدرسة الكندي على يد الفارابي، الذي ألف كتاب "الموسيقى الكبير"، ووضع فيه أسس التعاليم الصوتية، حتى قد قيل إنه سُمي "المعلم الثاني" لأنه كان أول مَن وضع تلك التعاليم، وبلغت المدرسة ذروتها عند الشيخ الرئيس ابن سينا الذي فصل في كتابه "جوامع علم الموسيقى" فصلاً تاماً بين علم الموسيقى، أي الدراسة النظرية وفن أو صناعة الموسيقى أي الممارسة العملية. (خدمة وكالة الصحافة العربية)