وجوه إيمان مرسال.. الأخت التي تكمن خلف التفاصيل

أشكُّ في حزنكَ

كان الزمن بدايات تسعينيات القرن الماضي وبداية مرحلتي الجامعية عندما سمعت اسمها للمرة الأولى مقترناً باسم ادوار الخراط، والحقيقة أنني لم أحفل بها بقدر ما أشرت بعيني وقلبي لإدوار. كنت ساعتها مبهوراً بألعابه اللغوية وثقافته الجبارة وتعدد مناحي عطاءاته من إبداع – لم أجرؤ أيامها على الاعتراف بأني لا أستوعبه جيداً وأَمَلُّ منه بسرعة لكني أُجِلُّ هذا الإبداع إكباراً و(مَنْظَرَةً) أيضاً! - ونقد أدبي ونقد تشكيلي وترجمة .. الخ الخ.

كتب ادوار عن ديوان إيمان الأول "اتصافات" الصادر عام 1990 في جريدة الحياة اللندنية سنة 1991. وهو الديوان الذي تستطيع أن تجد فيه الآخرين بسهولة ولا تجد إيمان إلا قليلاً، لكنها سرعان ما تظهر بكامل أناقتها ووهجها وألقها الذي سيدوم طويلاً – في العام1995 مع ديوان "ممر معتم يصلح لتعلم الرقص" الصادر عن دار "شرقيات" التي ارتبطت بعد ذلك ومن قبل ذلك بقليل – بالنص الجديد.

كنت في المنتصف بين أسوار الجامعة العالية وبين الشمس الحارقة اللاهبة التي لا ترحم المكونة من الأسئلة الشاقة واهتزازات اليقين والبرد والعطش النفسي، ولم تكن الجامعة تعني لي بالضبط إلا ثلاثة أشخاص مهمومين وقلقين على الدوام، رغم أن الأمل يحدوهم في فهم العالم والتعاطي معه بوعي: الروائي الراحل محمد ربيع، والشاعر والقاص حاتم جعفر، والثالث زائغ النظرات المرتعش الدائم الذي هو أنا. مَدَانا وأُفُقنا له حدود ضيقة ومتسعة في آنٍ واحد: الكتب، وشباب حزب التجمع الغاضبين من مهادنة الحزب، وأكرم ألفي الشاب ضئيل الحجم الذي كان يقود الحركة الثورية في بني سويف حتى اعتقل في زنزانة واحدة مع الفنان عز الدين نجيب، في اضطرابات قانون الملكية الزراعة، ورسم له بورتريهاً رائعاً في مجلة روزاليوسف علقناه على باب الجامعة ولم يصمد إلا 17 دقيقة بالضبط، قبل أن يمزقه حرس الجامعة. ووائل توفيق الذي كان يحاول مع رفعت السعيد أن يحصل لنا على دعم لاستمرار نشراتنا التي كنا نقوم بتصويرها وتوزيعها وكان ساعتها يرفض وهو يضحك.

وفي القلب من محاولاتنا المحمومة لالتهام كل ما تقع عليه أعيننا وتدبير الكتب، الممنوعة والمصادرة والغالية بالاستعارة والتصوير، كنا ندرك ثلاثتنا أننا نريد أن نكتب وفقط. ربيع يصل إلى قناعة بكتابة ساخرة تقلب كل ما هو رسمي ومحترم ومهذب. وحاتم وأنا بعدما ملأنا (أجندات كاملة) بقصائد متأثرة بالسبعينيين قررنا أن نضع كل هذا في (كرتونة) بعيدة، وأن يكتب كلٌ منا قصائد بلا أي ماضٍ ولا قناعة مسبقة. هكذا في الهيولى الفني. يعني يَئِسنا من أنفسنا فقلنا نمسك بقلمٍ حر وأكثر خفة ونرى ماذا سيكتب، بشرط وحيد هو أن نكتب أنفسنا وأجسادنا وحيواتنا نحن، التي نحسها ونشمها ونلمسها.

وهكذا كتبنا قصائد مقشرة، بسيطة، بلا أي أردية ومعاطف وزخارف لغوية، تشتبك مع تفاصيلنا الصغيرة التي من لحم ودم، بلا أي تجريدات وذهنيات وبهلوانيات شكلية أرهقتنا نحن قبل أي أحد. ولكن المفارقة أن شجاعتنا وثوريتنا خانتنا بعد عدة محاولات لعرضها على آخرين. صرنا نخشى أو نخجل أحياناً. لا مجازات رصينة براقة ولا لغة فخمة ولا كلمات متوهجة (تسند النصوص) ولا إيقاع على الإطلاق. (ذَكِّرْنِي بآخر مرة يا حاتم؟ أظن قالوا إنها مجرد خواطر..).. الأوغاد. إلى أن هلَّت فوق الفَتيَيْنِ شمسان، لمَّا تصادف أن قرأنا في إحدى المجلات عرضاً لديوانين صدرا عن دار شرقيات هما "ثمة موسيقى تنزل السلالم" لعلي منصور و"ممر معتم.." لإيمان مرسال.

كان الأمر بمثابة كوبٍ من النبيذ من على مائدةِ آلهةٍ لا تعرف الكرم. حيث فوجئنا أن كتابتنا تشبه النماذج المطولة المعروضة في المجلة. ولم نُكذِّب خبراً وانتظرنا أول شارات النهار ونزلنا القاهرة وتهنا كثيراً حتى عدنا بنسخة من كليهما، التهمناهما ونحن نسير في الشوارع ونصطدم بالبشر والحوائط الوهمية. وهكذا أحسسنا أن كتاباتنا اكتسبت مشروعية ما وسبباً حقيقياً للوجود بوجود أصدقاء وسِرْبٍ ما، على وجه الدقة. ورغم أن الاثنيْن ينتميان إلى جيل الثمانينيات السابق علينا – الحقيقة أن منصور أكبر في العمر كثيراً وبدأ في النشر مبكراً جداً – وأنهما نشرا قصائد تفعيلية كثيرة، إلا أنهما صارا وردتين في عروة الكتابة الجديدة، ليس فقط بالنسبة لنا وإنما بالنسبة للتسعينيين جميعاً.

(بعد فترة من الكتابة تحررتُ من فكرة التقسيم الجيلي وصرت أتعامل مع كل شاعر على أنه مشروع في حد ذاته، لا يمتلك ألقاً أو إخفاقاً بسبب كونه في حركة ما أو مرحلة عمرية ما أو في تيار أو اتجاه معين، رغم أهمية هذا في إدراك مداخل التجربة.. بل يرجع الأمر في الأساس له هو، لشاعريته وديوانه الكبير الذي يحوي سمت اكتماله وضفاف شواطئه أو على العكس السِكَّةِ الضيقة لمقبرته. وأصبح كل ما أحكيه وغيره، وكل ما نسعى لمعرفته من نميمة فنية أو حتى نقد رصين، رتوشاً هامة جداً حول التجربة وليست هي التجربة. تلك التي يتكفل بها النص والنص وحده وهذا هو اختباره الدائم والوجودي..)

وسأنحرف عامداً عن البهي علي منصور، الذي سار في دربه المميز وكتابة قصائد تندهش من مفارقات الكون والتاريخ والنفوس، وتبحث عن كل ما هو صافٍ وشفاف خلف السطوح إلى أن وصل في أعماله الأخيرة لغايته، وهي مناوشة الروح التى يراها مظلومة ببقائها مدفونةً خلف الجِلْد.

تجربته الروحية العميقة تلك، ومقدماتها الظاهرة منذ البداية، وضعته في موقع "الحكيم" والأخ الأكبر – رغم مرونة نصه وديناميكيته – بالنسبة لنا..أما إيمان فاحتلت موقع الأخت، الصاحبة التي كانت من سنوات تجلس معنا على نفس (التختة) والتي يمكن أن تجري وتسبقنا وظلها الصغير يسبق ظلنا، فلا نغضب أبداً بل نضحك ونمد لها أيادينا خوفاً من أن يمسها العابر بهوائه الساخن، بينما تراقب هي وتختزن بكل مكر:

"جيد

أن أُعيدَ تأمُّل صور الطفولة

فقد أُزيحُ فكرتي المستقرة

عن أنني كنتُ مشروعاً جميلاً لشخصٍ آخر

أفسَدَتْهُ رهاناتي الناجحة"

تنتمي إيمان لفئة من البشر والمبدعين يتحلون بنفس سمات ورتوش "الأيقونة" أينما حلُّوا وفي أي مرحلة. كل ديوان يصدر لها نتلقفه ببهجة تليق به. "المشي أطول وقت ممكن" 1997، "جغرافيا بديلة" 2006، "حتى أتخلى عن فكرة البيوت" 2013 الذي قطَّرت فيه الشعر حتى غيَّر جلدهُ وظهر في أهاب السرد وهيئته وفي ريش الحكي ونسيمِهِ:

"المرأةُ المكتئبة التي تتحرك في المشهد ليست فقط امرأة وليست فقط مكتئبة، إنها تلك المغنية المعتزلة، أنتم تعرفون قصتها، المخبولة".

لما حَصُلَت على الدكتوراة سَعِدْتُ فعلاً، ولما أنجبَت ولداً كنت أقول لكل من أقابله من الأصدقاء (إيمان خَلِّفت..) حتى عندما حدثت أزمة اتهامها بالتطبيع لم أهاجمها وتعاطفت معها رغم خرقها لثابتٍ برَّاق وحقيقي. نصوص إيمان هي جِلْد جيلنا ونظارته الشمسية ثم نظارته للقراءة.. الجيل المغترب الأبدي:

"(أنا وأصدقائي في عزلة) هو العنوان الذي فتحَ به الله عليّْ جيل سقوط اليقينيات والحكايات الكبرى وأزمته الحقيقية الكامنة في أن أحداً لم يحنُ عليه تشاؤماً أكثر من أي شئ آخر، لأنه الابن المتولد عن الخراب الملون وأفاعيه، الذي اضطر للغرور والضجيج والادعاء بأنه الأهم بعد الرواد، وكونه لم يتحرر نهائياً كما ظن وادعى، بعدما انزاح المطلق واليقيني والثابت من على كاهله وإنما لم يلقَ إلا الفراغ والواقع بفجاجته.

الجيل الذي كان بارعاً في اختراع موضات من قبيل كتابة الجسد، ونفي الأيدولوجيا، وباترونات التفاصيل الخ الخ .. لأن المسكين كان يريد عن طريقها أن يحيا أطول، فتلقف حظه الذي أتى به في لحظات التحول الدراماتيكية في العالم وهو خائفٌ وبردانٌ ومتفائلٌ في نفس الوقت، مما جعله مرتبكاً دائماً وحزيناً بدون تصنُّع:

"أنا التي تركتُ بلداً في مكانٍ ما لأتمشى في هذه الغابةِ

أحمل جثةً لم ينتبه لغيابها السِربُ.."

قصائد إيمان التي تبحث عن رفة عينٍ بسيطة وحرة هي قصائدنا. تمردها هو بيوت مرايانا المخدوشة. أسئلتها الوجودية هي جرحنا، ووحدتها هي سِرُّنا. شجاعتها في البوح هي طموحنا. حتى النكهة الأيدلوجية السارية في كتابتها تأتي وكأنها تعوض تجريدنا لهذا الجانب. حكمتها الناقصة دوماً هي حكمة من فوجئ بشعيراته البيض وتعايش معها بسرعة بأن تخلى عن النظر في المرآة واستبدله بالتحديق في كفه. النوستالجيا الفاضحة تحت تنورتها هي حنيننا المجهض كل يوم:

"(ميت عدلان) قريتي العزيزة الجميلة، وطني الذي يزورني كل ليلة في الكوابيس.."

إيمان بنت الهامش، والعابرة لجيليْن على الأقل، هي أكثر الناس اشمئزازاً من فكرة الهالة والبريق. وتقول في حواراتها إنها لا تملك مشروعاً ولا تقصد ولا تريد. ولكن الحقيقة أنها بسبب يقينها هذا كسرت الحواجز بين الشاعر والدور والصديق والصاحب.. نصوصها لا تطمح إلا لصداقةٍ مع قارئٍ أو صاحبٍ أو إنسانٍ بعيدٍ يشبهها:

"لماذا لا تأتي؟

أشكُّ في حزنكَ

أنت واقفٌ ما زلتَ على قدميكَ

أنيقٌ بلا تحَفُّظ..؟

ويبدو لا تزال تنجح في ذلك.