هزيمة مدوية للرقيب الإلكتروني في العراق

'نفق آمن' للدردشة وتبادل المعلومات

بغداد ـ لم تكن مدة حجب السلطات العراقية فضاء الانترنت عن مستخدميه منذ 13 حزيران/يونيو حتى مطلع آب/اغسطس، سوى فترة رواج للبرمجيات الإلكترونية المُنتجة خصيصا للإلتفاف على تعطيل الشبكة العنكبوتية.

أحد أبرز تلك البرامج الكاسرة للحظر الانترنيتي والذي لاقى إقبالا واسعا من النشطاء الرقميين في العراق، هو تطبيق "سايفون" الذي أنتجته شركة برمجيات تجارية مقرها كندا تحمل ذات الاسم، من أولوياتها كما تقول جعل خدمة الانترنت متاحة في جميع أنحاء المعمورة، وتمكين "مواطني" العالم الافتراضي من الوصول لمحتوى إلكتروني غير متوفر لهم.

نائب رئيس الإدارة التجارية في الشركة، كارل كاثوريا، أعرب في حوار أُجري معه على هامش "المنتدى العالمي لحوكمة الإنترنت " (http://igf2014.sched.org/IGF) الذي أقيم مؤخرا في تركيا، عن سعادته بالاستخدام الواسع لمنتج شركته من قبل العراقيين خلال مدة قصيرة.

ويقول في هذا الإطار "لقد كان عدد الذين قاموا فجأة باستخدام برنامجنا من داخل العراق، اختبارا آخر لقدرتنا على توفير هذه الخدمة".

الخبير التقني الذي يشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي للخادم المذّكور ينظر إلى الآلية التي قدّمت فيها شركته العالمية المساعدة لجعل الإنترنت في متناول الجميع داخل العراق خلال فترة حجبه من قبل سلطاتهم المحلية، على أنها "تحديا كبيرا بالتأكيد".

لكنه يستدرك "تمكنا من إعادة توجيه الموارد لزيادة قدرتنا على توفير الخدمة، ولضمان أن برنامجنا في متناول أي شخص يرغب في الوصول إلى الإنترنت".

قرار السلطات العراقية بإيقاف المحتوى الإلكتروني بشكل كامل في المناطق الساخنة وهو أمني بامتياز، الذي قضى بمنع الوصول إلى مواقع التواصل فيسبوك ويوتيوب وتويتر وتطبيقات المراسلة مثل فايبر وسكايب في الجزء العربي من البلاد، جاء لكبح السلاح الإعلامي الفتاك الذي اعتمدته "الدولة الاسلامية" في الحرب النفسية إبان هجمتها البربرية على مدينة الموصل الشمالية في العاشر من حزيران يونيو الفائت.

لكن بعد أسبوع واحد من حظر شبكة المعلومات الدولية لجأ أكثر من نصف مليون عراقي إلى استخدام "سايفون" والمتاح مجانا لأجهزة ويندوز وآندرويد بغية فك قيود الرقابة التي فرضت طيلة أسابيع على مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا.

ارتفع في شكل كبير بعد أسبوعين فقط من اتخاذ قرار الحظر الحكومي، ليصل في نهاية شهر حزيران/يونيو إلى 1.9 مليون مستخدم، حسب إحصاءات شركة "سايفون".

والرقم الأخير، يُعادل نصف مستخدمي الانترنت المسجلين رسميا في العراق، الذين يبلغ تعدادهم وفقا لسجلات وزارة الاتصالات 4 ملايين شخص، في حين هناك تقديرات غير رسمية تفيد أن عدد من يولوجون شبكات الانترنت يفوق 8 ملايين فرد، على اعتبار أن الجهات الرسمية لا تأخذ في الحسبان مسألة مشاركة بقية أفراد العائلة في منظومة الانترنت الشخصية.

خبير التكنولوجيا الكندي، الذي تفاجأ بالعدد الكبير لمستخدمي برنامج "سايفون" في بلاد الرافدين، كشف أثناء انعقاد منتدى الحوكمة العالمي عن "زيادة حادة في استخدام أداة سايفون" في الشرق الأوسط الأسرع نموا للبرنامج المشار إليه، بعد حجب سلطات بعض دول المنطقة للمواقع الإلكترونية، مثلما حصل في العراق وتركيا أخيرا.

وفي مطلع العام 2014، عمدت عدد من حكومات دول المنطقة إلى غلق تطبيقات المراسلة، إذ علقت السعودية خدمة "واتس آب" على فترات متقطعة، بينما إيران أقدمت على حظر مواقع إلكترونية من بينها خدمة "وي شات" للتواصل الاجتماعي، كما سبق أن اتبع هذا الإجراء إبان حقبة "الربيع العربي".

لجوء السلطات في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لقطع محتوى الفضاء الإلكتروني وحجب بعض مواقعه، جعل استخدام البرمجيات الكاسرة للحظر الانترنيتي يجري على نطاق واسع ليس في العراق وحده بل في معظم بلدان هذين المنطقتين الساخنتين أمنيا وسياسيا.

سيما وإن عمل"سايفون" يدخل في إطار المحاولات الدولية الحثيثة للتحايل على إجراءات التضييق عبّر الانترنت التي تمارسها دول في المنطقة، من خلال "الحفاظ على وصول الأفراد إلى نفس محتوى وخدمات الإنترنت بما يسهم في تطبيق المعايير المنصوص عليها في المادة 19 من إعلان حقوق الإنسان العالمي".

كما يقوم هذا الخادم الإلكتروني ذو التقنية المفتوحة بـ"استخدام عدد من بروتوكولات الإنترنت المختلفة، جنبا إلى جنب مع شبكات سحابية قصيرة العمر لإبقاء الأشخاص على اتصال بالشبكة العنكبوتية بغض النظر عن أي محاولات لمنع الوصول إليها".

وعلى ضوء ذلك، ارتفع حجم الطلب على استخدام "البرنامج الكاسر" ما دفع الشركة الكندية ومثيلاتها إلى "العمل من أجل تطوير وتجهيز شبكتها المقاومة للحظر لغرض تلبية الطلبات المتزايدة"، وفق قول حيدر حمزوز، منسق الشبكة العراقية للإعلام الاجتماعي المعروفة اختصارا بـ"إنسم"(http://insm-iq.com).

حمزوز وهو مدرب معتمد دوليا في مجال شبكات التواصل الاجتماعي، يكشف أن إدارة شركة "غوغل" الأميركية باتت "تعمل على تأمين خصوصية مستخدميها وحماية بياناتهم، تحديدا في منطقة الشرق الأوسط التي تخضع فيها حسابات النشطاء الرقميين لمراقبة شديدة من قبل سلطات بلدانهم".

هذا الأمر كان محور مناقشة مستفيضة بين فينت سيرف، نائب رئيس شركة "غوغل" الذي يُعتبر أحد "آباء الإنترنت" لإسهاماته الكبيرة في تطوير شبكة المعلومات الدولية، وبين مجموعة من المدونين العرب والأجانب الشباب الذي حضروا منتدى الحوكمة بينهم المدّون حمزوز.

ويؤكد حمزوز، أنه بالاستناد لأرقام شركة "سايفون" يمكن القول إن نشطاء الرقمنة في العراق "هم الأنشط بين أقرانهم في المنطقة.. وهذا النشاط الملحوظ أدى إلى التفاتة من قبل الشركة المذكورة للعراق في إعادة النظر لتقديم خدمات أفضل".

الحديث مع ثاني أرفع مسؤول في الشركة الأميركية، تمحور أيضا عن "الخطط المستقبلية في المنطقة عموما والعراق على وجه التحديد"، يضيف حمزوز.

وكذلك عن "كيفية حماية خصوصية مستخدمي محرك البحث الأشهر وحماية معلوماتهم الشخصية في ظل الطلبات المتزايدة التي ترّد لإدارة (غوغل) من بعض الحكومات للكشف عن معلومات مستخدميه".

وفي تقرير الشفافية الذي يصدره سنويا، يكشف عملاق البحث التكنولوجي عن تلقيه كباقي شركات التقنية والاتصالات، طلبات من حكومات ومحاكم من جميع أنحاء العالم لتسليم بيانات مستخدمي شبكته، وهو ما ترفضه الشركة الخاضعة للقوانين المعمول بها في الولايات المتحدة، مشترطة الحصول على أوامر قضائية وحجج قوية قبل أعطاء معلومات عن مستخدميها.

على ذات المنوال تسير إدارة "سايفون" الكندية لتأمين حسابات مستخدمي برامجها وحماية خصوصيتهم.. إذ لا تُسجل إطلاقا عناوين الـ(آي بي) الخاصة بالمستخدمين، كما لا تراقب هذه الشركة أنشطة التصفح الخاصة بهم، ولا يُحتفظ حتى بسجل للمواقع التي يقومون بزيارتها، مثلما يقول مدير برنامجها التنفيذي.

وفي ظل زيادة التضييق على الانترنت، بات الأمن الرقمي محط اهتمام غير مسبوق من قبل شركات التكنولوجيا العالمية، حيث يشير كاثوريا هنا إلى إن برنامج شركته الأشهر "يعمل على إنشاء نفق آمن بين المستخدم النهائي وشبكة سايفون، ثم تقوم الشبكة بإحضار المحتوى وإرساله إلى المستخدم النهائي عبّر هذا النفق".

ويتابع "معظم الاتصالات عبّر برنامجنا تستخدم نظام التعتيم "سكيور شل" وهي وسيلة تمكن أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية من التحدث مع بعضها البعض دون الكشف عن المحتوى". (نقاش)