السعودية... هيئة العلماء والسياسة

بين يدي الولي الفقيه

في بداية تأسيس الدولة السعودية لم يكن ثمة وجود لمسمى هيئة كبار العلماء، إذ كان العلماء أثناء تأسيس المملكة العام 1932، يكتسبون شرعيتهم بمدى ما لديهم من علم، وبمواقفهم مع الملك عبدالعزيز ومناصرته، وقد تولوا مهام القضاء والإمامة في كل رقعة أمتد إليها نفوذه، ومارسوا التدريس والإفتاء في المدن والقرى، ويأتي علماء آل الشيخ في رأس القائمة، حيث كانت معظم الوظائف الدينية والتعليمية بأيديهم. "وبعد وفاة عبدالله بن عبداللطيف، وعبدالله بن حسن، وكلاهما من آل الشيخ، استفرد المفتي محمد بن إبراهيم آل الشيخ بالصدارة، وتعاظمت سلطته منذ الثلاثينيات، حتى بلغت أوجها منذ منتصف الأربعينيات وحتى وفاته عام 1969".

والبداية الفعلية لتحول العلماء إلى الشكل المؤسسي بدأ العام 1956، إذ تأسست دار الإفتاء، وعين الشيخ محمد بن إبراهيم مفتيا للديار السعودية، ومثَّل الرجل الأول في المؤسسة الدينية، وكان يجمع مع وظيفة الإفتاء رئاسة القضاء، ورئاسة المعهد العالي للقضاء، رئاسة كلية الشريعة والمعاهد العلمية، ورئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والإشراف على تعليم البنات، ودار الأيتام، ورئاسة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ومؤسسة الدعوة للصحافة الإسلامية، التي تصدر مجلة "الدعوة"، ورئاسة المكتبة السعودية في الرياض، ورئاسة دار الحديث في المدينة المنورة.

لا ينص نظام هيئة كبار العلماء على عدم خوض الأعضاء في السياسة، لكن من المتعارف عليه أن الأعضاء لا يتحدثون في السياسة في حواراتهم ومشاركاتهم الإعلامية، وتقتصر علاقة الهيئة في السياسة بما يحال إليها من السلطة الحاكمة لإبداء رأيها فيه، وليس كل القضايا السياسية التي تهم الحكومة تطلب رأي الهيئة فيها. بل يقتصر طلب رأي الهيئة على القضايا السياسية، التي لها مساس مباشر بالجمهور، من ذلك قرار مجيء القوات الأميركية لتحرير الكويت والدفاع عن السعودية في حرب الخليج الثانية، ومنها المواجهات العسكرية، التي خاضتها الحكومة مع حركة جهيمان، ثم مع تنظيم القاعدة في وقت لاحق، ومنها الموقف من النظام الإيراني في بداية الثورة، خاصة بعد التفجيرات التي قام بها أعوان النظام الإيراني في مكة المكرمة السنة 1407هـ/1986.

ومن الفتاوى السياسية المهمة التي أصدرتها الهيئة: الفتوى الصادرة جوابا لاستفتاء وزارة الداخلية حول الشيخين سلمان العودة وسفر الحوالي، فقد شكل الشيخان بعد حرب الخليج الثانية حركة إسلامية أشبه ما تكون في أطروحاتها بحركات المعارضة؛ وأحدث حضورهما الديني الكبير في أوساط المجتمع، وما يطرحانه ما أفكار معارضة، قلقا للحكومة، وهذا ما دفعها للاستنجاد بهيئة العلماء لتبيان كيفية التعامل معهما، دون إثارة الرأي العام المتدين، فصدر قرار الهيئة، وقد جاء فيه: "من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة صاحب السموالملكي الأمير المكرم نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية وفقه الله

فتوى بشأن إخوانيين

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: فأشير إلى كتاب سموكم الكريم رقم (م/ب/4/192/م ص) وتاريخ 21–22/3/1414هـ-9/9/1993م، المتضمن توجيه خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، بعرض تجاوزات كل من: سفر بن عبد الرحمن، وسلمان بن فهد العودة في بعض المحاضرات والدروس على مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الحادية والأربعين، المنعقدة بالطائف، ابتداء من تاريخ 18/3/1414هـ-5/9/1993م ضمن ما هومدرج في جدول أعماله.

وأفيد سموكم أن مجلس هيئة كبار العلماء أطلع على كتاب سموكم المشار إليه، ومشفوعة ملخص لمجالس ودروس المذكورين من أول محرم 1414هـ/1993م، ونسخة من كتاب سفر الحوالي "وعد كيسنجر"، وناقش الموضوع من جميع جوانبه، وأطلع كذلك على بعض التسجيلات لهما، وبعد الدراسة والمناقشة رأى المجلس بالإجماع مواجهة المذكورين بالأخطاء التي عرضت على المجلس –وغيرها من الأخطاء التي تقدمها الحكومة- بواسطة لجنة تشكلها الحكومة، ويشترك فيها شخصان من أهل العلم يختارهما معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، فإن اعتذراً عن تلك التجاوزات، والتزماً بعدم العودة إلى شيء منها وأمثالها، فالحمد لله ويكفي، وإن لم يمتثلا منعا من المحاضرات والندوات والخطب والدروس العامة والتسجيلات، حماية للمجتمع من أخطائهما، هداهما الله وألهمهما رشدهما. اهـ.

وقد طلب إلي المجلس إبلاغ سموكم رأيه هذا، وأعيد لسموكم برفقته كتابكم المشار إليه ومشفوعاته. وأسأل الله أن يوفق خادم الحرمين الشريفين وسموكم لما يحبه ويرضاه وأن يعين الجميع على كل خير إنه سميع قريب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مفتي عام الملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء".

وبناء على هذه الفتوى كونت لجنة لمناقشة الشيخين سلمان العودة وسفر الحوالي، وكما هو متوقع لم يستجيبا لملاحظات وزارة الداخلية، فجرى اعتقالهما في سجن الحائر في مدينة الرياض.

مخالفة فتاوى الهيئة

قد يحدث أن يوجه النقد لبعض آراء أعضاء الهيئة، وهذا النقد قد يكون بين أعضاء الهيئة نفسها، وهذا لا يتم في العلن سوى حالات نادرة، فقد تصدر الهيئة قرارا بالأغلبية، ويختلف معه أحد أعضاء اللجنة، ويقوم المخالف بالتعبير عن رأيه في وسيلة إعلامية، ويكون سبباً في أن يقوم أحد أعضاء اللجنة بالرد عليه هوالآخر، كما حصل بين صالح الفوزان وعبد الله المطلق، وكلاهما عضو في لجنة الإفتاء، بعد أن نشرت صحيفة "الوطن" السعودية فتوى للأخير حول مشاركة المرأة في البرامج الدينية في الإذاعة. ومع أن المطلق أستاذ في المعهد العالي للقضاء، كما كان الفوزان سابقاً، وزميل له في اللجنة يجلس معه ثلاث مرات أسبوعياً، وتشاركا أكثر من مرة إصدار فتاوى موقعة باسميهما، وله برنامج إفتاء في تليفزيون "القناة الأولى"، كما هي الحال مع الفوزان في إذاعة القرآن، إلا أن الفوزان في رده على المطلق تجاهل اسمه ومنزلته العلمية حينما وصفه بـ"أحد طلبة العلم".

فسر بعضهم ذلك بموقف تحقيري، كان الغرض منه التنقيص من المردود عليه، ولكن الفوزان قام عشرات المرات بالتعقيب على كتاب وصحفيين، لا ينتسبون إلى المؤسسة العلمية مشيراً إلى أسمائهم، ويظهر أن موقفه إنما كان نابعاً من تفاديه الحرج بتوجيه رد مباشر على عضو في هيئة يفترض في ممثليها أن يشكلوا أمام العامة النموذج الأرقى من التطابق والتوافق، بحيث يعتقد أن اختلاف الرؤى هوتنافر يحدث لدى المستفتين إرباكاً وشكاً في "مصداقية" العلماء.

أما النقد الموجه للهيئة من خارجها فلم يكن في مستوى واحد عبر تاريخ الهيئة، حيث تختلف مكانة هيئة كبار العلماء، حين تأسيسها عنها اليوم، فقد اكتسبت حين تأسيسها حصانة ضد النقد والمخالفة من العلماء والمفكرين والكتاب، ويذكر نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى سابقاً، وأحد المؤسسين لدار الإفتاء، عبد الله بن عقيل كيف أنه كان ضمن الأشخاص الذين اجتمعوا بمفتي قطر، عبد الله بن زيد آل محمود، بعد أن مارس المفتي الأكبر محمد بن إبراهيم ضغوطاً كبيرة على الملك سعود، لإقناع أمير قطر بضرورة إحضار بن محمود إلى الرياض والاجتماع بعلمائها؛ لثنيه عن فتواه بجواز رمي الجمار قبل الزوال أيام التشريق، وابن محمود كان طالباً للشيخ بن إبراهيم، وبعد رجوعه إلى قطر تتابعت مؤلفاته التي انشغل علماء الرياض بالرد عليها لسنوات.

ويذكر ابن إبراهيم نفسه في بحثه، الذي رد به على ابن محمود، كيف أنه طالب في خطابه إلى الملك سعود بردع ابن محمود، ويذكر انه قبل (توبة) ابن محمود، بعد أن أعلنها لهم، في لقائه معهم في الرياض، وينقل ابن إبراهيم الإقرار الذي كتبه ابن محمود بخط يده، والذي ختمه بهذه العبارة: "واستغفر الله مما جرى به القلم" . قاله معترفاً به على نفسه.

هذه السطوة التي تمتع بها ابن إبراهيم والمؤسسة الدينية، تعرضت للضعف أحياناً، وخصوصاً في فترة حكم الملك فيصل، الذي بدأ منذ توليه العام 1964 باستقطاب علماء من العراق وسوريا ومصر، وكانت آراء الصواف العراقي، والطنطاوي السوري، في صحف السعودية والتليفزيون الحكومي موضع سجال، ورد، وتضليل، ووصف بالبدعة من قبل العلماء الذين لم يكن بمقدورهم فعل ما هو أكثر من ذلك.

إن الحرية التي تمتع بها العلماء المهاجرون، في منتصف الستينيات، من القرن الماضي، وما تلاها، شاركهم فيها كتاب سعوديون، مثل: خالد السعد، الذي قام أكثر من مرة بالرد على الشيخ بن باز في الستينيات والسبعينيات، على صفحات الصحف، وهو أمر لم يعد يسمح به منذ بداية الثمانينيات حتى تفجيرات 2003، حيث بدأت الصحف بنشر مقالات لكتاب تنتقد بعض أطروحات هيئة كبار العلماء. وقد ساعدت الصحوة الدينية التي بدأت أواخر السبعينيات، وأخذت زخمها أوائل التسعينيات، إلى تفجيرات سبتمبر، إضافة إلى وجود الشيخين عبد العزيز بن باز وابن عثيمين، بما يتمتعان به من سعة العلم وزهد وورع، في ترسيخ مكانة الهيئة في أوساط المجتمع، وتحصينها ضد النقد، إلا أن هذه المكانة تزحزحت كثيرا بغياب الشيخين، ومجيء الإنترنت، الذي أعطى الكتاب والمثقفين نافذة حرة للنقد.

ثم جاءت أحداث سبتمبر(أيلول) 2001، وما تلاها من تفجيرات الرياض 2003، فهوت آخر حصون الحصانة ضد نقد الهيئة، فقد طرح الدكتور حمزة المزيني، والأستاذ عصام يماني العديد من المقالات في نقد آراء الشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد الله بن منيع.