سلوى حجازي.. وردة الحب والشعر

كبرياؤها يرفعها حتى القمر

في الأربعاء الموافق 21 فبراير/شباط 1973، سقطت على أرض سيناء الحبيبة، الطائرة المدنية العزلاء العائدة من ليبيا الشقيقة حاملةً أكثر من مائة راكب من بينهم سلوى حجازي مذيعة التليفزيون المصري، وشاعرة الكلمة النبيلة.

سقطت الطائرة بعد أن تعطل أحد أجهزتها، فضلَّت الطريق ودخلت المجال الجوي لسيناء المحتلة (وقتها) فما كان من العدوِّ الإسرائيلي الغادر إلا أن سلَّط نيران طائراته الفانتوم تجاهها ولم يتركها إلا حطاما ورمادا يضم بن سواده جسد "سلوى" شهيدة الحب والبراءة وشاهدةً على غدر العدو الصهيوني الجبان الذي يتصدى بالسلاح للأبرياء العُزَّل، وتلك صورته في كل مكان وفي أي زمان.

ذهبت سلوى حجازي إلى ليبيا الشقيقة لتشارك في البناء الوحدوي الشامخ من خلال برامج التليفزيون الليبي، وهي التي نشأت على ضفاف البحر في بورسعيد، لوالد يعمل قاضياً، وأم من أصل تركي "عفت هانم"، وقضت شبابها في التلفزيون المصري منذ أوائل الستينيات مقدمةً، ومعدةً لبرامج العديدة للكبار والصغار، ومنها برنامجها الشهير "عصافير الجنة"، الذي أثرت به وجدان كل طفل مصري، بل وعربي، كما كانت تقدم التحقيق المصور عن كل أقطار العالم لمصر.

وهي أم لبنت "رضوى" في السابعة عشرة، وثلاثة أطفال هم: محمد، وآسر، وهاني. وهي مع كل ذلك شاعرة اتخذت من الشعر وسيلةً للتعبير عن كل ما تحسه ويجول في خاطرها ويختمر في وجدانها، ولقد خلَّفت لمكتبة الشعر ديوانين: "ظلال وضوء"، و"أيام بلا نهاية"، والديوانان باللغة الفرنسية التي تتقنها بعد أن تخرجت في مدرسة "الليسيه".

ويقول شاعر الشباب أحمد رامي في مقدمته باللغة الفرنسية لديوانها الأول "ظلال وضوء":

"لو أن الشاعرة سلوى حجازي، صاحبة هذا الديوان، صوِّرت على هيئة الطير، لكانت بلبلا يرفرف على غصن ندي، مرسلا أغنية يطرب له الظل والماء. ولو أن لهذه الطائفة من الشعر نسخة مسموعة، لطرب من يصغي إلى هذا البلبل، لبديع توقيعه وحسن ترجيعه. فما بالك إذا كان لهذا الديوان نسخة مرئية، إذن لأبصرت العين صورة ذلك البلبل وهو يتلع جيده، ويرسل تغريده، ويحرك رأسه الصغير على رجع لحنه الشجي".

وتنم قصائد سلوى حجازي على روح شفاف وقلب ملائكي ملهم بحب الحياة والإنسان ويسعى للأمن والسلام، وتقول في قصيدتها:

"كيف يا ربي أكون كالأحجار

وأنا بداخلي واحة من عشب أخضر الثمار

تتألق كملايين الأنوار

لتضيء العالم.. بينما هو يرفضه!"

وتعتز بأنها أفريقية في قصيدتها "أنا أفريقية" التي ألقيت في مؤتمر إفريقي بالجزائر سنة 1969:

"أنا أفريقية محاطة بعمالقةٍ ووجوه سمر

كبرياؤها يرفعها حتى القمر

وأقنعةٍ عجيبةٍ تحمل أسرارَ أجدادٍ فوق البشر

وطبول ٍ بدائية

تهز أعماقنا وتتحدى بثورتها القدر

وملابسَ تقليدية

ألوانها ذات بريق يسلب منا البصر

وقلوب مفتوحة"

ورغم أن شعر سلوى حجازي يتسم بالرقة والعذوبة والبعد عن الافتعال والتصنع إلا أن نزعة التشاؤم واليأس كانت نابضة فيه ومتسربة في طياته، وتأمل ذلك في قصيدتها "بداية الضعف"، التي ترجمها الشاعر صالح جودت:

"أيها القلبُ الذي ضِقْتَ بكبتي واصطباركْ

إنني أسمع آهاتِكَ حَرَّى من قرارِكْ

لا تُهدِّدْني على صبري وصمتي بانتحارِكْ

لا تُهدِّدني.. ولا تُنقذ ْ لضعفي باقتدارِكْ

أنا لا أدري إلى أين أسير؟

ولماذا أرتضي عيشَ الأسير؟

وإذا عشتُ حياتي.. مثلما

عشتُ ماضيَّ.. فما أشقى المصيرْ!

قدرٌ يا قلبُ.. ما في طوْقِنا

غير أن نحياه لليوم ِالأخيرْ

وقضاءٌ في ضميرِ الغيبِ... إنْ

صحَّ يوماً أنَّ للغيبِ ضميرْ.. "

وتأمل قصيدتها "أول أمل"، ترجمة المرحوم إبراهيم نجا:

"أحس بها بهجة ً طاغيه ْ

تهز كياني وأعماقيه

وتملأ قلبي بآماله

وبالنور تملأ أياميه

وتجعلني زورقا سابحا

على لجةٍ برَّةٍ حانيهْ

ولكنه ليس يقوى على

تحمل موجاتها العاتيهْ

فيا رب.. يا نور هذا الوجود وأسراره الباقيهْ

أيبقى مدى الدهر هذا الشعور؟

أيمضي مع الليلة الماضيهْ؟"

ويتأكد شعورها بالخوف في قصيدة "الأضواء" التي ترجمها الشاعر "كامل الشناوي"، ومنها:

"هذه الأضواءُ، كم أكرهها

قيَّدت حريتي قيداً عنيفاً

أبعدوها.. أبعدوها.. إنها

شبحٌ يبدو لعينيَّ مخيفا

قبضة ٌ تمسك ساقي ويدي

قفصٌ حبس عصفوراً ضعيفاً..."

ويعد أجمل ما في شعر سلوى حجازي من سمةٍ هو التوحد مع الواقع والنبض فيه والاستلهام منه، وقصيدة "البائع العجوز" ـ ترجمة الشاعر صالح جودت ـ تعكس لنا صورةً حية لبائع "بسكويت الفانيليا" على شاطيء بحر بورسعيد، تلتقطها الشاعرة مفجرةً إياها لتصور لنا ملامح هذا البائع عبر سنوات العمر التي تمرُّ عليه فتغير فيه وفي ملامحه وفيما حوله من وجود وتقول فيها:

"أهكذا الدهْرُ بنا يجري

ويأكل العمرَ، ولا ندري

ذكّرني مرآكِ كيف انقضت

عشرة ُ أعوام ٍ من العُمْرِ ِ

وأنتَ في مغربها، لم تزل

كما وعتك العينُ في الفجْر ِ

تدق صنجاتِكَ، تلك التي

كانت تهز النفْسَ بالبِشْرِ

ونفس جلبابك، لولا البلى

محا ظَلالَ اللون ِ والسطرِ ِ

***

عشرةُ أعوام ٍ، توالى على

حالِكَ فيها حادثُ الدهرِ ِ

عدا على وجهك عاد الضَّنى

فاغتال منه بسمة َ الثغرِ

وذاك صندوقك.. ما خطبُه

بعد السنين المُرَّةِ العشْر

تدفعه الآن على مرْكب

وكنتَ تُدليه على الظهْر .. "

ولقد ترك رحيل "سلوى" ألماً لا يهدأ وجرحاً لا يندمل في نفس كل عربي حمله قلم الشعراء وسجله وجدانهم شعراً، وفي رثائها تقول الشاعرة روحية القليني:

"سلوى الحبيبة قد مضت في لحظةٍ

وقضوا على زهر الربي الفنيانِ

لم يرحموا أطفالها من بعدها

قتلوا الأمومة نبع كل حنان"

ويقول في رثائها ـ أيضا ـ الشاعر فتحي سعيد:

"افتحْ هذا الصندوق

أغلقْ هذا الصندوق

ليست سلوى..

ليست بسمتها.. رقتها

كانت حلْوى.. "

وأيضاً للشاعر فرج مكسيم في رثائها:

"آه.. يا سلوى حجازي

قلبكِ الحي أبى ألا يموت

دون أن يلقى على سيناء نظرهْ

أرضه فرَّت.. فماذا يتبقَّى

من أمانيه، سوى حُلم لقاء"

رحلت سلوى حجازي جسداً جميلاً مستشهداً على رمال سيناء، مقتنعةً بأن الشهادة حياةٌ، وأن الرحيل الكريم بقاء.

رحلت سلوى بعد أن تنبأت في شعرها بأنها ستموت في زهرة العمر، وأنها ستموت في كارثة، وهذا قولها خير شاهد:

"عندما أتخيل مستقبلي

أراه حافلا ً بسوء الطالع

فأبكي عليه مقدما ً

إني أرى الموتَ قريبا ً جدا ً

ومن ورائه كارثة كبيرة

فأحبابي لا يزالون صغارا ً

أصغر من أن يستطيعوا العيْشَ وحيدين.."

رحلت سلوى حجازي هذا القلب الملائكي والشعر الغني المليء بالحب والخير والجمال.

رحلت لتبقى في قلوبنا وردة الشعر والحُبِّ.