هشام بوراوي ورحلة الفن والبحث عن الذات

الألوان ضرب من الحياة والأمل والحب

لا أحد بوسعه نسيان الينابيع والذهاب بعيدا عن المعنى. ثمة نهر من الألوان يصدر موسيقى بلا عنوان. فقط هي ألوان الانسان في حله وترحاله وهو يحاور الأمكنة ويحاولها بحثا عن القيمة وتقصدا للحلم ونحتا للكيان. نعم هكذا هو الفن في عنفوان بهائه النادر وعطائه الزاخر بالقول. إنه القول بالعلو حيث لا جهة تضاهي الكينونة. والقلب وهو ينبض عشقا ووجدانا ومحبة. آه أيتها المحبة الأولى.

والفن كما أقول "حيث يقف الفنان بتعبيراته في سباق مع آلة السقوط والهدم والنسيان. يقف بوجه الخراب ينثر الأفكار، لتصير ورودا. يقطف معاني الحلم النبيل ولا يلوي على غير القيمة والكيان في جهد تحديدي وتأصيلي. يمنح الكائن والمكان المكانة. يلقي بالحصى في النهر. يسخر من الآخر. هذا الآخر القاتل للمهجة والذات ومشتقات حسن الاقامة على هذه الأرض.

والفن هنا هو عنوان وترجمان وحمال. عنوان ابداع وترجمان حضور قوي وحمال أفكار حتى لا تعم الفوضى والخديعة وتتخلص الذات من أدران الزمن وما علق بها من فجيعة وسقوط، وأيضا ما كساها من صديد.

إنها لعبة البحث عن اللمعان والتوهج بعيدا عن الالغاء والتغييب فلكل العناصر والتفاصيل والأشياء أمكنتها لدى الكائن الذي لا يمكنه أن يذهب مع الأصوات التي لا تفعل غير اللهو بالقتل والتغييب والالغاء...".

الفن نهج الحرية وعنوانها المفتوح على التاويل والابتكار. وهو الفسحة المثلى بين العوالم والعناصر والأشياء والتفاصيل. وهو الانصات للكائنات وللأزمنة. الفن لون الذات في اقامتها بين الوردة والسكين، بين الحالة والآلة. الفن ما خلفته الأنامل وما يسرقه الطفل في غفوته من الأحلام. ومن هنا نلج عوالم الفتى الذي تخير السفر والترحال بين دروب شتى ديدنه الألوان والصور وكل ما تشي به اللحظة من أطياف وحالات شبيهة بالشعر. بل هي الشعر والقصائد الملونة والمأخوذة بالصورة.

أعمال من الباستال والزيتي والفوتوغرافيا بما تحمله من فداحة الزمن وفصاحة اللحظة وغيرها ضمن مواضيع وتيمات مختلفة ومتعددة الدلالات هي خلاصة الرحلة. هذه الرحلة المفتوحة ببداياتها القريبة على الآفاق.

الفنان الطفل الحالم هشام بوراوي الذي أحب في طفولته وشبابه الموسيقى والشعر وانطلق منذ كان عمره 16 سنة وفي أوقات الفراغ وبين ساعات الدرس في زياراته للـ "بوزار" ليتفرج ويشاهد الطلبة في تعاطيهم مع فنهم ولوحاتهم وأعمالهم التشكيلية باشراف الحبيب بيدة وعزيزة المرابط والآخرين. ثم أخذ "الشوفالييه" وأطلق بعد ذلك العنان لأحاسيسه وتواصل مع التجريديات الى ان كانت الرحلة الى اسطنبول التي عشق خلالها المشاهد.

كانت فترة تعلمه عن الفنان الأمهر علي الزنايدي ثرية ومثمرة جماليا وفنيا. وتطورت الفكرة الفنية أكثر حين سافر الى أوكرانيا للدراسة. كانت السنوات السبع مهمة لدراسة الطب ولكن الفن كان حاضرا حيث عاد الفنان الى تونس وكبرت لديه الأسئلة وشجن الاحوال ثم جاءت فترة أخرى مهمة كانت بمثابة الفسحة الفنية التي منحته خبرة أخرى في رواق الفنانة مبروكة البرينصي الشرقي.

شارك في معارض جماعية من خلال عرض أعماله الزيتية بعد أن مر بالباستال والأكوارال. لقد وجد ذاته مع الزيتيات التي مثلت عددا من لوحاته المنجزة.

الفوتوغرافيا وفنونها والصورة الفنية كانت محطته الأخرى التي نهل منها بل صارت الآلة الفوتوغرافية لا تفارقه. انها العلاقة القوية التي ألقت به في اتون المناظر والمشاهد والجمال المبثوث في الأمكنة والبلدان والطبيعة. وكان البحر مجالا شاسعا لهذه العلاقة. هو يعشق البحر بما هو العالم السحري والمفتوح على الجمال بما فيه من غموض وسكون ومغامرة وموسيقى وهيجان وكل شيء.

الرسم بالنسبة اليه كما يقول: "هو عالمي الذي يعطيني التوازن بين ما هو واقعي وغيره. فيه حكايات جمة. هو الملاذ وفيه أكوان الحنين. يمنحني طفولتي ويأخذني الى الينابيع ...".

هو ابن الحلفاوين التي قضى فيه معظم أوقات طفولته. كبر عشقه اليها رغم الاقامة بالمرسى. الفن أعاد اليه الطفل الذي بداخله. بالصورة وفنياتها وجمالياتها يمنح ذاته شيئا من ألق "المدينة العربي" بكثير من التفاصيل.. الأبواب.. الاقواس.. الأزقة.. صخب الأطفال.. هي المدينة العتيقة بعطورها النادرة تأتيه طوعا وكرها في الصورة وبها ومنها.

في الرحلة الفنية كان دائم البحث عن ذاته وعن الجديد. الألوان لديه ضرب من الحياة والأمل والحب والصورة عنده محاولة للخروج من عالم النسيان وهي أيضا حوار مفتوح مع اللحظة. هي الذاكرة المشحونة بالعبارة والحركة. انها تلك الحكاية الأخرى.

أخذه عشق الفن الى أمكنة عديدة منها اسطنبول ودمشق وبيروت، حيث اكتشف العوالم الجديدة. السفر ديدنه فحين تنطلق الطائرة تكون انطلاقته الجديدة في الحياة. في السفر يتجدد ويأخذ القرارات الجديدة وتأتيه الألوان والصور في حلة الخيال الفسيح.

في البداية كتب الخواطر التي تطغى عليها الحالة الوجودية. ولكن الفن شغله. أحب العديد من الفنانين منهم زبير التركي وعلي الزنايدي ومطيمط، كما لا يمكنه نسيان سيزان وفان غوغ.

الفنان التشكيلي هشام بوراوي ينشغل منذ مدة بالاعداد لمعرضه الخاص برواق علي القرماسي بتونس العاصمة ضمن مراوحة جمالية بين اللوحات الزيتية والأعمال الفوتوغرافية.