هجوم عرسال يثير رهابا لبنانيا ضد السوريين

'بعض الغضب قد يكون حتميا'

عندما استولى إسلاميون سوريون متمردون على بلدة عرسال الحدودية اللبنانية الشهر الماضي لم يكن ذلك خبرا سيئا فحسب للبنانيين إنما أيضا لأكثر من مليون سوري يعيشون في لبنان معظمهم لاجئون فروا من الحرب في بلادهم.

السوريون الذين يعادلون ربع سكان لبنان قبل الحرب الأهلية في بلادهم صاروا موضع غضب اللبنانيين لأنهم يأخذون الوظائف ويتسببون أيضا في خفض الأجور وزيادة كثافة الفصول بالمدارس والمستشفيات كما يلامون على أزمة انقطاع الكهرباء التي تزداد سوءا.

بالنسبة لبعض اللبنانيين كانت عرسال القشة التي قصمت ظهر البعير.

ما أن غادر سمعان خوام وهو فنان عمره 40 عاما يحمل الجنسيتين السورية واللبنانية شقة صديقه في شرق بيروت مساء يوم سبت في الآونة الأخيرة، حتى أحاط به أكثر من ستة شبان في زي مدني لكنهم طلبوا رؤية أوراق هويته.

رفض خوام. وقال وهو ينفث دخان سيجارته في الاستوديو الخاص به "لم أكن حتى انتهيت من عبارتي حتى هاجموني".

لكمه الرجال في وجهه ومزقوا حقيبته. ووجد آخر بطاقة هوية ثابت بها أن خوام مولود في دمشق فطلب منه أن يعرف من أعطاه الجنسية اللبنانية. ثم ضربوه من جديد.

قال خوام الذي يعيش في لبنان منذ عام 1988 "بالنسبة لي ما آلمني ليس الضرب لكن الإهانة".

لوقت طويل واجه السوريون في لبنان تفرقة ضدهم وتعديات عليهم لكن منذ معركة عرسال التي قتل متشددون إسلاميون نحو 20 من الجنود اللبنانيين فيها قبل أن ينسحبوا ومعهم رهائن من الجنود، تواترت الأنباء بمزيد ومزيد من الهجمات عليهم.

وبينما قصف الجيش اللبناني البلدة وقتل عشرات من اللاجئين السوريين بحسب عاملين في المجال الطبي، قال قائد الجيش العماد جان قهوجي في مؤتمر صحفي أذيع تلفزيونيا "إن مخيمات اللاجئين يجب ألا يسمح لها أن تصير بؤرة للإرهاب"، على حد تعبيره.

في نفس الوقت نشرت وسائل الإعلام المحلية أنباء عن هجمات لعصابات ومداهمات متزايدة من جانب الشرطة للاجئين بعد أن قطع متشددون ينتسبون لتنظيم الدولة الإسلامية رأسي جنديين لبنانيين من الرهائن.

"السوري عدوك"

وقام أهالي وادي البقاع الذي يعيش فيه أغلب اللاجئين السوريين، بخطف لاجئين وإحراق خيام.

وفي بيروت وزع سكان منشورات تطالب السوريين بمغادرة المدينة. وفي منطقة مسيحية ظهرت كتابات على الجدران تطالب بالحذر من السوري وتقول إنه عدو.

وقال وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس "هناك أضرار كبرى (بعد عرسال)".

وأضاف "أولا النازح السوري هرب إلى لبنان التماسا للأمان. الآن في داخله لا يشعر بالأمان لأنه أصبح يحس أن الذي استقبله في البداية الآن قد ضاق به ذرعا".

بعض الغضب قد يكون حتميا في دولة تستضيف لاجئين سوريين أكثر من غيرها بالقياس إلى عدد السكان.

بعيدا عن الضغط المتزايد على الكهرباء والمياه وكلاهما غير منتظم حتى في أحسن الأوقات فإن وفرة العمال السوريين المفلسين تسببت في خفض الأجور وهي حقيقة استغلها أصحاب الأعمال بسرعة لكن أغضبت العمال.

السياسيون أيضا منزعجون من أن اللاجئين وأغلبهم سنة يمكن أن يؤثروا على التوازن الطائفي الحساس الذي يقوم عليه تقسيم المناصب العليا بين المسيحيين والشيعة والسنة ومجموعات أخرى أصغر.

وقال أحمد فتفت وهو عضو سني في مجلس النواب اللبناني أيد إقامة معسكرات رسمية للاجئين، إن الإهمال الحكومي لوضع اللاجئين والفشل الدولي في حل الصراع السوري جعل المشكلة تكبر إلى حد خطير.

قنبلة زمنية

إلى جانب الضغط على البنية التحتية، قال فتفت إن هناك خطرا يتمثل في إمكانية انتساب بعض اللاجئين إلى الجماعات المسلحة في سوريا.

وقال "كل هذا الموضوع يشكل نوعا من قنبلة موقتة ولكن هي ليس قنبلة عادية. إنها تشبه القنبلة النووية بحجم أضرارها إذا انفجرت".

اتجه كثير من السوريين إلى لبنان انطلاقا من الروابط الثقافية واللغوية والاقتصادية والسياسية بين البلدين عبر التاريخ.

وليس هناك كثير من المناطق أفضل من بلدة برج الشمالي التي تبعد نحو 20 كيلومترا عن الحدود مع إسرائيل تبيانا لهذا الوضع المتشابك.

ويأتي العمال المهاجرون من سوريا إلى هنا منذ وقت طويل قبل الحرب الأهلية. لكن ببساطة تحولت الخيام المؤقتة إلى مخيمات للاجئين بجانب تغيير في الاسم وفي عدد الناس المقيمين أكثر من أي شيء آخر.

عاش اللاجئون هنا في سلام معظم الوقت لكن هذا الشهر أصدرت الإدارة المحلية قرارا صار عناوين للصحف بعد أن بدا أن القرار يفضي إلى إخلاء الخيام.

يقول رئيس بلدية برج الشمالي علي ديب إن وسائل الإعلام أعطت القرار أكبر من حجمه وإن القرار كان هدفه الوحيد محاولة ضمان أن يقدم أصحاب الأعمال المحليون السكن للعمال الذين يحتاجون إليهم وتنظيم المعسكرات التي خرجت على السيطرة بعد أن كبرت.

مثل بلدات أخرى فرضت برج الشمالي نوعا من حظر التجول لكن ديب قال إنه كان قائما قبل أحداث عرسال وإن هدفه هو حماية اللاجئين من الهجمات.

وقال "فيه (هناك) ناس بدأت تصطاد بالمياه العكرة". وأضاف أن ما يحدث يفوق قدرات الدولة اللبنانية، مؤكدا "نحنا منقول (نحن نقول) نحنا علينا أن ننظم أمورنا بكل ضيعة.. لازم".

ليس أمامهم سبيل

في الخيام المتربة المقامة من قطع البلاستيك والقماش السميك وعلى مسمع من الشرطة اللبنانية قال اللاجئون إنهم لا يتعرضون لتهديد لكنهم يكافحون لإيجاد مكان آخر يذهبون إليه.

قال محمد (45 عاما) الذي رفض الإفصاح عن باقي اسمه وهو لاجئ من مدينة حلب إن أسرته المكونة من عشرة أفراد تحتاج إلى مسكن لكنه غير قادر حتى على استئجار مسكن من غرفة ومطبخ يتراوح إيجاره بين مئة و150 دولارا في الشهر.

وأضاف "غرفة ومطبخ لعشرة أفراد.. وين بدي أسكن؟"

بعض السياسيين اقترحوا إقامة مخيمات لاجئين رسمية مثل تلك التي أقيمت في تركيا والأردن اللذين فيهما عدد هائل من اللاجئين السوريين.

لكن لبنان لديه ما يقلقه. فقبل أكثر من 60 عاما استقبل لبنان عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من حرب إقامة إسرائيل والآن صاروا مئات الآلاف وتحولت مخيماتهم إلى أحياء فقيرة مزدحمة. الأكثر من ذلك أن عسكرة المخيمات الفلسطينية كانت في نظر كثيرين أساس الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما وانتهت عام 1990.

ربما يكون من المحتم بالنسبة لدولة يقوم فيها تقاسم السلطة على أسس طائفية أن تأخذ المناقشة منحى طائفيا.

بحسب وسائل إعلام محلية قال نائب الأمين العام لحزب الله الشيعي الذي أرسل مقاتلين لمساعدة الرئيس السوري بشار الأسد ضد المتمردين الذين يغلب عليهم السنة إن الجماعات المسلحة يمكن أن تستغل اللاجئين السوريين إذا أقاموا في مخيمات دائمة. وقال سياسيون مسيحيون أيضا إنهم ضد الفكرة.

وحتى إذا كانت هناك موافقة على مخيمات رسمية يبقى السؤال الصعب: اين يمكن إقامتها في دولة ضيقة مساحتها ثلث مساحة بلجيكا؟

وربما يكون وضع المخيمات قرب الحدود سببا لامتداد الحرب الأهلية إلى لبنان. وقالت نينيت كيلي ممثلة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان إنه حتى إذا أقيمت المخيمات الدائمة فإن الأعداد في حد ذاتها تعني أن "المخيم ليس هو الحل". وأضافت "الاحتياج الحقيقي هو لدعم دولي ضخم (لمخيمات اللاجئين)".

درباس وزير الشؤون الاجتماعية وهو سني، قال إنه يعتقد أن المخيمات الرسمية هي رغم كل شيء الحل الحقيقي المتاح وإن هناك خططا بالفعل لتجربة مخيمات.

وأضاف "بصراحة ربما كانت ترى الحكومة السابقة أنها مسألة أشهر لبضعة آلاف (من اللاجئين). الآن نحن أمام مسألة ملايين لبضعة سنوات".