وضع طبيعي في الشرق الأوسط!

كيف يمكن تفسير الرغبة الأميركية في العودة إلى المنطقة، عبر مؤتمر جدّة، وتفادي الموقف الواضح من ضرورة الإنتهاء من النظام السوري الذي هو الوجه الآخر لـ"داعش"؟ لا جواب واضحا إلى الآن، إذ ليس ما يشير إلى قرار استراتيجي باتباع سياسة أميركية مختلفة، خصوصا إذا أخذنا في الإعتبار أن ادارة باراك اوباما لم تقدم إلى يومنا هذا على أي خطوة تؤكّد بالفعل أنّها تعني ما تقوله.

من هذا المنطلق، ما نشهده اليوم في الشرق الأوسط أكثر من طبيعي في ظلّ التخلي الأميركي عن الدور القيادي في عالم لم تعد فيه منذ ربع قرن، تاريخ سقوط جدار برلين، سوى قوّة عظمى واحدة.

عندما تتخلّى القوّة العظمى هذه عن دورها، لا يعود مستبعدا قيام روسيا في عهد فلاديمير بوتين بما تقوم به إن في اوكرانيا أو في سوريا.

لا يعود مستبعدا أيضا بروز قوى عراقية شيعية، مرتبطة بايران، لا تؤمن سوى بالإنقياد للغرائز المذهبية. ساعدت هذه القوى إلى حدّ كبير في نشوء عصبية لدى السنّة العرب لا تقلّ خطورة عن تلك التي لدى الأحزاب المذهبية الشيعية التابعة كلّيا لإيران.

كذلك، عندما تتخلّى الولايات المتحدة عن دورها وتتفرّج على النظام السوري يذبح شعبه، طوال ما يزيد على ثلاث سنوات، لا يعود مستبعدا تمدّد تنظيمات مثل "داعش". ألغت "داعش" الحدود بين العراق وسوريا من منطلق سنّي، بعدما ألغى "حزب الله"، من منطلق مذهبي بحت وبناء على طلب ايراني، الحدود الدولية بين لبنان وسوريا.

حاول النظام السوري، مستغلّا الغياب الأميركي استغلال "داعش" إلى أبعد حدود. رفدها بالمقاتلين الذين خرجوا من سجونه كي ينفّذوا عمليات ارهابية في العراق في البداية ثم كي يقفوا في وجه السوريين لتصوير الشعب الثائر في سوريا بأنّه مجرد "عصابات ارهابية".

تتحمّل الإدارة الأميركية الحالية مسؤولية كبيرة عن كلّ ما يحدث في المنطقة. رهان ادارة أوباما على أن النظام السوري سيتولّى تفتيت سوريا أدّى إلى ظهور "داعش" بالطريقة التي ظهرت بها.

كان احتلال "داعش" لمساحات شاسعة من الأراضي العراقية بعد السيطرة على جزء من سوريا دليلا على مدى جهل ادارة أوباما بالشرق الأوسط.

لم تتردّد هذه الإدارة في ترك العراق لإيران بعدما بدا أنّ الهمّ الأوحد للرئيس الأميركي يتمثّل في الإنسحاب العسكري من هذا البلد.

انسحب الأميركيون كلّيا من العراق تاركين أحد أهمّ البلدان في المنطقة في يد ايران التي لم تجد أفضل من نوري المالكي يدير العراق باسمها طوال ثماني سنوات!

تركت اميركا العراق في يد حكومة لا تؤمن سوى بالمذهبية والرغبة في الانتقام. هل يمكن للحقد أن يكون برنامجا حكوميا؟ هل يمكن للحقد أقامة جسور تعاون مع الأكراد؟ هل يمكن للحقد غير أن يوفّر بيئة حاضنة لتنظيم ارهابي متخلّف مثل "داعش" في كلّ المناطق التي فيها السنّة العرب؟

هل تعلّمت الإدارة الأميركية شيئا من تجربتها العراقية بغض النظر عما اذا كانت سترسل قوات برّية إلى البلد في المستقبل المنظور أم لا؟

الواضح أنّها لم تتعلّم شيئا. لا تزال الولايات المتحدة مستعدة لتحويل القوّة العسكرية الأميركية مجرّد أداة تستخدمها طهران لتحقيق مآرب إقليمية.هل من فضيحة أكبر من فضيحة التنسيق الأميركي مع ميليشيات تابعة لأحزاب شيعية في العراق؟

لا يمكن تجاهل أنّ الأوضاع في الشرق الأوسط في غاية التعقيد. لذلك هناك حاجة أكثر من أيّ وقت لدور قيادي أميركي يضع كلّ طرف في المنطقة، أو من الذين يتدخّلون في شؤونها في حجمه الحقيقي. مثل هذا الدور يحتاج إلى من لديه القدرة على التعاطي بطريقة مختلفة مع النظام السوري أوّلا بدل الإستماع إلى نصائح روسية وايرانية أدّت في نهاية المطاف إلى توسّع "داعش" وتمدّدها بعد سعي هذا النظام إلى لعب ورقتها.

في غياب الدور القيادي الأميركي، لم يعد غريبا أن تبتلع روسيا شيئا فشيئا الأراضي الأوكرانية في غياب أيّ ردّ فعل أميركي. في غياب الدور القيادي الأميركي تتوسّع ايران في اليمن عن طريق الحوثيين ("انصار الله") لتعويض ما يمكن أن تكون قد فقدته في العراق بعد اضطرارها إلى التخلّي عن نوري المالكي.

المؤسف، أنّ ليس في الأفق ما يشير إلى رغبة اميركية في استعادة الدور القيادي. في الماضي القريب، في العام 1991 تحديدا، أمرت الولايات المتحدة اسرائيل بتفادي أي تدخّل في الحرب التي شنّها التحالف الدولي من أجل تحرير الكويت. التزمت اسرائيل التعليمات الأميركية الصادرة عن ادارة جورج بوش الأب ـ جيمس بايكر التي جرّت حكومة اسحق شامير جرّا إلى مؤتمر مدريد. الآن، ليس في واشنطن من يستطيع أن يسمح لنفسه بالتفكير حتّى في سؤال بنيامين نتانياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، هل لديه فكرة عن كيفية التخلي عن الإحتلال والرغبة في الإحتفاظ بجزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية؟

يمكن ايراد عشرات الأمثلة عن معنى ممارسة الولايات المتحدة دورا قياديا، على الرغم من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها ادارة بوش الإبن، خصوصا في العراق. ولكن ما لا يمكن السكوت عنه أنّ ادارة أوباما التي رفعت شعار "التغيير" لم تستطع في أي شكل احداث هذا التغيير.

ليس كافيا الشكوى من الكوارث التي تسبّبت بها العدوانية التي تعاملت بها ادارة بوش الإبن مع قضايا الشرق الأوسط، كي تصبح هناك سياسة اميركية بنّاءة ذات اهداف واضحة.

اساءت ادارة بوش الإبن إلى الدور القيادي الأميركي، أي إلى ما تستطيع الولايات المتّحدة أن تفعله في العالم، خصوصا في الشرق الأوسط. والكلام هنا عن ايجابيات يمكن تقديمها مساهمة في تدعيم الإستقرار بدل تشجيع كلّ ما من شأنه تفكيك المنطقة في ظلّ انقسام مذهبي لا سابق له فيها. لكنّ معالجة الكوارث التي كانت وراءها ادارة سلّمت العراق على صحن من فضّة إلى ايران لا تكون بالوقوف موقفا محايدا من السياسة التوسّعية الإيرانية التي جعلت مدنا مثل بيروت وصنعاء ودمشق رهينة لدى طهران. أكثر من ذلك، لا يمكن الردّ على ادارة بوش الإبن بترك النظام السوري يعامل شعبه بالطريقة التي يعامله بها...

سقطت ادارة أوباما في كلّ الإمتحانات التي مرّت بها. سقطت في مصر حيث لم تفهم معنى سيطرة الإخوان المسلمين على البلد العربي الأهمّ وانعكاسات ذلك على التوازن الإقليمي.

سقطت ادارة أوباما في امتحان ليبيا وسقطت في امتحان اليمن وسقطت في امتحان البحرين ولبنان حيث لا رئيس للجمهورية بسبب اصرار "حزب الهت" على الفراغ. وسقطت خصوصا في الإمتحانين السوري والعراقي. لم تستوعب بكلّ بساطة أن الثورة على ادارة بوش الإبن شيء والتخلي عن الدور القيادي شيء آخر. ما لم تستوعبه على وجه التحديد أنّ الملفّ النووي الإيراني لا يعيد للولايات المتحدة دورها القيادي من جهة ولا يختزل مشاكل الشرق الأوسط بمقدار ما أنّه هرب من هذه المشاكل والنتائج التي ستترتب عليها من جهة أخرى. في مقدّم هذه المشاكل اسقاط النظام السوري. فاسقاط هذا النظام دليل على وجود رغبة حقيقية في التخلّص من "داعش".

من دون الربط بين النظام السوري و"داعش" لا معنى لأي ثورة من أي نوع كان على ادارة بوش الإبن وما تمثّله.