كامل حسني .. رائد النهضة الحديثة لفن الزجل (2 / 3)

غربة عصفور

"غربة عصفور" هو الديوان العاشر من مجموعات أزجال "كامل حسني" صدر عن جمعية أدباء الشعب وطبع في مطابع السفير بالإسكندرية عام 2000 وفي مقدمته يقول كامل حسني:

"لقد تعودت كلما مرت بضعة سنوات أن أجمع ما نظمته خلالها، ثم أعود لأضابيري القديمة أضم منها بعض ما سبق أن نظمته في مراحل الشباب، وسبق أن أهملته لتقديري لقلة شأنه. ولكني مع تقدم العْمر، واختلاف أحكامي وناتج خبراتي المكتسبة، أصحح من تقديراتي السابقة، وأجد أنه لا يقل عما أنظمه الآن، وقد يفوقه أيضا.

وهكذا فعلت هذه المرة، حين اخترت بعض نظومي القديمة المهملة، والتي أجدني اليوم أعجز عن الإتيان بمثيلها، بعد أن أصبحت عجوزاً نكداً. لا أملك ملكات البهجة والمرح التي كانت في الشباب الذي ولّى والتي نظمت من خلالها هذه القصائد.

وقد يلاحظ القارئ أيضا أن بعضها من أزجال المناسبات. وكان عميد الآداب الشهير محمد خلف الله أحمد، وكان يحضر ندوتنا الغابرة، والمشهودة في الخمسينيات بنادى الموظفين.. يطالبني أحيانا بإلقاء بعض هذه القصائد بعينها، فأحاول الإعتذار بأنها من أزجال المناسبات، فيصيح بي على المنصة: "لا تقل هذا..لا يوجد شعر اسمه شعر مناسبات.. وشعر غيره. كل قصيدة تنظم.. ومهما كان غرضها.. هي مناسبة بالفعل.. ألقها تأفك ما يقولون.." فألقيها وأمري إلى الله" وهذا هو ما شجعني أيضا على ضم مثل هذه القصائد إلى الديوان.

فتقبل عزيزي القارئ.. كامل حسني.. شابا.. وكهلاً.. أرجو أن يروق لك بعض ماقدمت".

ويتضح لنا من خلال هذه المقدمة أن ديوان "غربة عصفور" هو مجموعة من إبداع كامل حسني عبر مراحل عمرية مختلفة، لذا سنتناوله بالعرض والوقوف أمام السمات الفنية التي تعكس قدرة هذا الزجال الكبير وصدقه الفني.

وأهم ما يميز كامل حسني هو براعته في انتقاء الألفاظ الموحية الراقية التي تشكل بجوار بعضها البعض نسقاً زجليا أنيقاً يظهر من خلالها شخصيته الجادة وسلوكه النبيل، فضلا عن تفوقه فى التشكيل المُطل من الصور المتتابعة الأخاذة الدالة على موهبته في الرسم بجانب حسْن اختياره للإيقاع الموسيقي وتنوعه الذي يبرهن على امتلاكه العميق للأوزان الخليلية والتعامل معها والتصرف فيها دون خلل أو شطط.

وفي زجله بعنوان "غربة عصفور" يقدم تجربة إنسانية تعكس لنا تأمل الإنسان في مواجهة تقلبات الحياة وتغيرها ويقول في مستهله:

"ألفّ ويّا الريح ... واعود للمدينه ** بنظرة المجاريح.. وروحى الحزينه

أحاول اطفى النار بدمعة عيونى ** لكن عيونى.. من دموعها ضنينهْ

سلّمت جناحينى .. لهوج الرياح ** وكنت فاكر الدنيا .. واسعه .. براح

ليّل عليّه الليل .. وانا لسه فايتُه ** ولا لقيت لى .. في اغترابى.. صباح

ويتضح لنا أن هذا الزجل قد جاء على شكل الفقرات الزجلية وتسمى كل فقرة "دوبيت" أي ثنائية بيتية يلتزم فيها بوحدة حرف الروي في الأشطر الأول والثاني والرابع مع تحرر الشطر الثالث من هذا الروي وفي هذا ثراء للإيقاع الموسيقي يلفت الأذن إلى مقصد الزجال.

كما نلمس لجوءه إلى الصور الزجلية الموحية التي تعكس الحيرة والتأمل وتنطلق بالمضمون من دائرة الذات إلى دائرة الإنسان في كل مكان وبعد أن جاء الاستهلال عارضا للحالة الآتية مستخدما فعل المضارع في بداية الزجل بقوله "ألف ويا الريح" و"أحاول" يعود إلى الوراء باستخدامه الأفعال الماضية بقولة:

أنا كنت فى الماضى باعيش بالنهار ** واصحى على الضىّ الجميل بانبهار

والغصن فوقى بالحنان ينحنى ** ويلفّنى .. أنا وولادى الصغار

ع الغصن ده .. علّمت إبنى الفرح ** مشيته خطوه.. خطوه .. سابنى وسرح

شاورلى بجناحه الصغير.. وطار ** طار قلبى وّياه. .وننْ عينى انجرح

وقد تجسدت الحالة بتتابع الأحداث التي قدمت شخوصها وكأنهم طير، فالطائر الكبير يطير ويتأمل والطائر الصغير يغترب، وفي اللجوء لهذا المعادل الموضوعي دلالة على انفلات الزمان ودورانه، فالعمر يمضي بالإنسان ولا حيلة لنا فيه غير التعجب والدهشة ويؤكد ذلك بقوله:

كان أملى فى الأيام عسلها يدوم ** ما فضلشى منها .. غير مرار الهموم

حتى السما ...المتبسمه بالضيا ** مااعرفشى إيه اللى ملاها غيوم

طوحت بجناحى أشقّ الفضا ** وقلبى بالغربه.. غريب ارتضى

وقلت حالقى الشمس آخر الطريق ** والليل قضا .. واللى مضى .. مضى

فالجناح هو الارتكاز على المحاولة وعدم الاستسلام والبحث الدائم عن الأمل المتمثل في الشمس، بيد أن الليل قد حل َّ وصار واقعا لم يهرب منه الشاعر الذي يؤكد ندمه وعدم توقعه لما آل اليه الحال في قوله:

أبص من فوق ..ع السقوف والبيوت ** ألقاها تابوت .. جنب منه تابوت

والناس معلقه في تروس المكن ** محكوم عليها بين سنانها .. تموت

أنا كنت فاكر الناس زمان غير كده ** الناس زمان ماكانتشى متنكده

كانت بتضحك تحت منى فى أمان ** وع الأمان .. بايته .. ومتأكده

فتلك المفارقة بين ما كان وما صار هي مشكلة الشاعر في تجربته بل هى أزمة الإنسان المعاصر الذي يقف أمام تحول الأمور وتغيرها إلى ما لم يكن يتوقع، ويضع السبب وراء كل ذلك في هذه الحروب الظالمة الغاشمة التي سيطرت على واقعنا وحولت الوجود إلى لا وجود وكيف لهذا الطائر أن يحيا ويحلق في سماء كلها قنابل ودماء وسدود، ويتأكد ذلك في ختام هذا الزجل:

إيه اللى صار .. إيه اللى صاب أرضها ** دايره القنابل تلتهم بعضها

فى كل ناحيه الدم سال للركب ** والحرب ماحدش هناك بيفضها

ألفّ ويّا الريح .. وعاوز أعود ** والسكه فين .. بين السدود والحدود

بابحث عن الروح القديم مش لاقيه ** وبابص فى الكون .. مش لاقي له وجود

ومن حيث بدأ ينتهي باستخدامه الفعل المضارع في "ألف"، "أبحث" و"أبص" للدلالة على آنية ومعاصرة الحدث ووقوعه الفعلي الذي لا فرار منه ولا مهرب.

ويتأكد هذا المضمون في زجله بعنوان "ضيعت عمري" الذي يستهله بالعدد الدال على تقدم العمر، وفي هذا برهان على الخبرة المكتسبة وصْدق حكمه على الأشياء بقوله:

سبعين سنه فى الحياه.. داير اقلبها

مشيت فى كل اتجاه.. صابر على عيبها

مستحمل الهم ... مستحمل ألاعيبها

تصفى لى يوم .. ترمى نور الشمس قدامى

وهّيه خداعه .. جايبه وراه.. مغاربها

فبالرغم من طول العمر وعْمق التجربة إلا أن الشاعر يخلص إلى خداع الحياة وحلول غروبها.

ونلمس قدرة الشاعر على التعبير عما يقصد باستخدام التقنيات الفنية بدءا من بحر الموال أو الزجل "مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن" الذي يمنحه القدرة على البوح بما يتوفر فيه من حركات متتاليه وموسيقى تألفها الآذان وأيضا حسن استخدام الجناس الناقص في قوله "على عيبها وألاعيبها" الذي يشد أذن المتلقي فضلا عن تشكيل الصورة التي تجعلنا نسمع الكلمات وكأننا نشاهدها ونتفاعل معها بالإضافة إلى امتلاكه إلى الحكمة والخبرة التي تتجلى في هذا المقطع التالي:

ماالحقشى أضحك ** ومهما الضحك فاض بّيه

فى نهاية الضحكة ** بالقى الدمع فى عينه

أضحك على إيه؟ ** وأيامى معّديه

بتموت قصاد عينى ** يوم من بعد يوم رايحيين

وانا ماليش حيله ** غير .. أدفنها بأديه

***

ويتميز كامل حسني عن سائر الزجالين بهذه الميزة، وهي وفرة الخبرات وكثرة التجارب وصفوة الأحكام.

وفي زجله "قلبي في الجمرك" يقدم صورة لكل فنان يحيا في عمله الحياتي ولكنه يحتفظ بسماته كفنان وقلبه المملوء بالإبداع والعامر بالفن وقد لجأ في التعبير عن ذلك إلى السطر الشعري للتعبير بحرية أكثر مرتكزا على تفعيلة الخبب "فعْلن أو فعِلن" التي تعكس الحركة الوثابة المتغيرة ويستهله بقوله التقريري لأنه يوجّه إلى زملائه في العمل بمصلحة الجمارك.

"في الأصل .. وقبل ما كون مستوظف فى الجمرك

تايه بين الصفان

فى الأصل أنا فنان

فنى تاعبنى

عايش فى الدنيا .. ماليش غير قلب

بيحب الناس.. وانا دوبته من الحُب"

وهذه حالة كل مبدع فنان يعمل عملا إداريا لا ينتمي للفن يصورها كامل حسني –المدير بالجمرك - ببساطة في شكل رسالةٍ موجهة إلى زملائه في العمل ويتجلى ذلك بقوله:

"ياخواتى .. يا زملائى ..

ياللى قضيت وياكم فى الجمرك نص حياتى

صح أنا وياكم بجسمى

وكل الأوراق .. والشهادات مختومه بأسمى

وبامدْ إديّه ف أخر الشهر ... اقبض رسمى

وادخل فى الصبح من البوابه

وانا متهيألى إنى داخل غابه

ماليش فى الصناديق .. والأوناش ... والباله

وان كنت معاكو يا رجاله... فى الجمرك .. جوّاه

قلبى وعينى وروحى .. برّاه

قلبى.. على كيفه ساحبنى..."

وقد صّور عطاءه الملموس لأصدقائه وأحبائه في زجله بعنوان "أصحابي" بقوله:

فرّقت قلبى على اصحابى ** وكل واحد خَدْ حتّه

مافضلشى مِنّه لمنابى ** غير جرح مفتوح فى الجِنّه

والجرح م الأيام تلفان

ويذكرُنا هذا الإيقاع الزجلي (مستفعلن فعلن) أو (مستفعلن فعلن فعلان) بزجل الرائد الأكبر لفن الزجل عبدالله النديم:

"شرم برم حالى ياغلبان"

ويؤكد ذلك انطلاق كامل حسني من موروث زجلي يمتد من الأجداد إلى الأحفاد، وتأمل تهكمه وسخريته من إخلاصه لإخوانه في الزجل ذاته بقوله:

أنا كده.. ربى خلقنى ** وقاللى إنت كده .. وخلاص

من قسمتى السوده رزقنى ** بقلب عيان بالإخلاص

دوبته فى حب الإخوان.

ولما لا؟ وقد أصبح الإخلاص والوفاء والحب آفة في زمان يتنكر فيه كثير من الناس للقلب الطيب وللإنسان الوفيّ المخلص.

ولكنه يتمسك بهذه الخصال الطيبة في ختام زجله بقوله:

ياصحابى.. يارفاقة عمرى .. باحبكم.. وباموت فيكم

وكل طبلى أوزمرى .. لكم .. إلهى يخليكم

بلابل الدوح ع الأغصان.

وقد أحسن الختام بهذه الصورة الشعرية "بلابل الدوح ع الأغصان" لكي يعيد إلى القارئ جمال الوفاء وحلاوة الحياة.