'313' .. نقطة انطلاق من شواطئ الشك إلى اليقين

القتل رمزية قاسية في رواياتي

أن تكون موهوباً فإن عديد أيام العمر تنتفي، أي لا يُعد العمر للكاتب بطول بقائه، إذ على شاطئ الإبداع تطول الأعمار مداً وتقصر جزراً، فكم من كاتب أخلد اسمه ولم يتجاوز عمره سني الربيع، عمرو الجندي لم يتخط بعد عمره فجر الشباب أو ضحاه، غير أن كل الدلالات تشير إلى أنه سوف يغدو في عالم الأدب الروائي سهماً منطلقاً، هذا الروائي المصري الشاب، له أعمال إبداعية إن عددناها تتجاوز صغر سنه كماً وكيفاً منها: قصة حب سرية، ديوان، من أجل الشيطان "مجموعة قصصية"، ثلاث روايات: "فوجا"، "9 ملي"، "313".

الأخيرتان روايتان ذات نهج قائم بذاته، ويُعد في بعض تناوله للقضايا أن وقعها خاص لما لها من سخونة الملمس، بما يمكن أن نوصفه بقضايا الساعة للحاضر المعاش، مثل روايته الأخيرة "313"، حيث تدور حول تداعيات مأساة العراق، التي لم يبرد بعد وميض تفاعلاتها حتى في الوسط الإخباري، حيث يتجاذب تناولها يوميا، أما إذا ما أردنا أن نوجز مضمون روايات الجندي، فإن محورها في قصة الصراع المنفتح على كافة المستويات، بين طبقات المجتمع في تزاحمٍ بين طبقي، كل تريد أن تستأثر بكل شيء مهما كانت النتائج، الصراع بين الأفراد فيما بينهم، وأخيراً الصراع في داخل كل ذات تارة مع نفسها، وتارة أخرى مع الآخرين (أفراد)، وثالثاً مع المجتمع، وقد خلصت معظم رواياته إلى نتائج تصفية الحسابات بالانتقام من الآخرين ومن النفس.. كان لنا معه هذا الحوار:

• اتخذت من أداة القتل عنواناً للرواية، ما سبب ذلك؟ هل لجذب القارئ ؟

ـ قبل جذب القارئ الذي هو دائماً أحد مقاصد الكاتب، نجد أن نقطة الارتكاز في أعمال الأدب البوليسية تنطلق في المقام الأول، من وقائع ما نشهد دائماً، في أوساط المجتمع رواية "9 ملي" ليست أكثر من رمزية لحال مجتمعنا، فهي عبارة عن رصاصات متفرقة تضرب كل واحد منا في مقتل، فالفساد المستشري في كيان المجتمع هو طلقات تهدد كيان المجتمع في مقتل كالصحفي الفاسد، والكاتب الفاسد، والمنتج الفاسد، وكذلك كادر الحكومة الغارق في الفساد.

• الأمكنة لها واقع محدد، ماذا تشكّل لك هذه الأمكنة كبيئة .. العجوزة .. الزمالك .. مدينة نصر.. إمبابة.. وسط البلد .. ما سبب اختيارك لهذه الأماكن وما علاقتها بعملية البناء الدرامي؟

ـ لقد عشت في هذه الأماكن فترة من الزمن، وفي أماكن كنت أزورها سواء لأصدقاء أو معارف، كنت أذهب إليها أشم عطرها وأتنسّم عبيرها، وأحاول أن أسجل هذا على الورق، وبالتحديد رأيت في العجوزة مالم أره في غيرها، لهذا بدأت برواية فوجا، وكانت أحداثها في العجوزة، فهي قريبة في الواقع من أحياء شعبية مثل (إمبابة، الكيت كات)، حيث يختلط واقع الحياة بين الفقر والترف، وتتداخل مشكلات المجتمع.

• هل فكرت في كتابة رواية عن أثر الغزو الأميركي على شعب العراق، وسقوط الآلاف من الضحايا دون ذنب؟

كتبت رواية بالإنجليزية، “Today’s In Bagdad” (اليوم في بغداد)، هذه الرواية صوّرتُ فيها كل معاناة الشعب العراقي، وسوف تصدر قريبا.

• لماذا أخذت المرأة في بعض الأعمال لديك هذه الصورة السلبية؟!

ـ ليست كل الشخصيات النسائية في أعمالي كانت تلبس ثوب الدونية، حيث نجد "هيلدا" إحدى شخصيات رواياتي كانت إيجابية، لم أقصد تقديم المرأة بشكل سيء، فهند مثلاً كشخصية ثانية من رواياتي كانت ضحية، إلا أنني لم أقدمها في إطار السلبية، حيث لا أقصد أن أضع المرأة في شكل سلبي، هن ليسوا أكثر من نتاج أسباب وظروف ودوافع، جعلتهن يبدين في هذه الأطر أمام القارئ، وهي في الأصل نماذج حقيقية موجودة داخل المجتمع، أظهرت المرأة في شكل يبدو سيئاً، كما في روايتي "فوجا"، "9 ملي"، إلا أنها في رواية "313" كانت من أهم العوامل التي حوّلت "ديفيد جونز" إلى أن يكره ذاته، وأحس في لحظة من اللحظات أنه مجرد لعنة أتت إلى العالم.

• لو عُدنا إلى الوراء هل لك أن تصف لنا المراحل الأولى لبواكير تعاملك مع فن الرواية؟

ـ أستطيع أن أصف بداياتي الروائية، بأنها كانت هادئة التناول، رغم أنني حينها لم أتجاوز سن العشرين، ولم أكن صاحب تجربة، وقتها كنت أدرك جيداً أنني لم أكن ناضجاً بالشكل الكافي، لذلك كنت أتعلم وأقرأ في هدوء، وجاءت البدايات في التعاطي مع الكتابة عام 2009، حينما قررتُ أن أصدر كتاباً لمجرد الإصدار والنشر، ليس أكثر، ولم تكن بداية موفقة، بسبب سوء النشر وضعف الخبرة ، لكن زادني ذلك عزيمة للوصول إلى ما أريد، فكان كتابي "من أجل الشيطان" الذي شارك في معرضين أحدهما بفرنسا والآخر بألمانيا للكتاب، ويُعد نقلة في مشواري الأدبي، حيث ساعد في تكوين قاعدة قراء لي، خاصة وأنا في بداية حياتي الأدبية، لذا أعتز بهذه التجربة.

• هل تعتبر رواية "313" هي نقطة الانطلاق بالنسبة لك؟

ـ بالتأكيد ، لأنها نقطة فاصلة وفارقة في نهاية شوط من مشوار رحلة مع الأدب، وهي حتى الآن تدل على صدق تداعي الخواطر في حس الرواية، وأنها بالفعل تُمثل علامة فارقة على صعيدي الداخلي، مع التناغم بين الأخذ والرد بين الأنا والغير، وهي خليط من الدراما وفلسفة الحياة، وتطرح جانباً نفسياً، يقع على مسافة وسطى بين معاناة الحياة، في إطار صراعها الممتد، وأوجاعها تخلق السرد الروائي في إطار الدراما، وهي نقطة انطلاق أيضا من شواطئ الشك إلى مرافئ اليقين، وهي بذلك رواية تجسد الألم، ولعل مَن يشاركني في ذلك الإحساس كثيرون، ممن قرأوا هذا النص الروائي، حيث تعكس دواعي الكبت والخيانة إلى جانب مشاعر الحب ومسارات الحرب، ومغزى مفاهيم الحياة وغموض طعم الموت، وقد أعطيتها عنوان "313"، لأن هذا الرقم يشير إلى عقد الرواية التي تدور أحداثها حوله، مما يجعل القارئ في حالة تيقُّظ وترقُّب وانتباه طوال متابعة ومراقبة الأحداث، مع رفيف شعور بالمتعة، دون أن يصيبه ضجر الملل.

• هل ترى أن النقد حالياً على درجة من المتابعة والموضوعية للإبداع؟

ـ الإبداع والنقد متلازمان، ولا يتطور أحدهما دون تطور الآخر، وللناقد مطلق الحرية أن يعبّر كما يشاء عن رأيه، لكن يجب ألا يتخطى إطار العمل، نحن نفتقد لأدب الجدال والنقاش وروح ثقافة الاختلاف، ونفتقد الرؤية المحايدة والتحليلية للأعمال الأدبية. (خدمة وكالة الصحافة العربية)