هل تراجع الدور الكردي في بغداد؟

التشكيلة الغريبة المترهلة لحكومة الدكتور حيدر العبادي، التي ضمت عددا من الساسة الذين اوصلوا العراق الى ما هو عليه اليوم، واختيار الوزراء الأكراد من دون الرجوع للأكراد أنفسهم والبرنامج الوزاري الذي جاء محبطاً ومخيبا للآمال واشبه ما يكون، بشعارات ووعود انتخابية خالية من الالتزامات والتوقيتات الزمنية المحددة، والتلاعب في صياغة ومضمون المطالب الكردية، كل ذلك دفع بعدد من الساسة والأعلاميين الأكراد الى القول، ان دور الأكراد في العملية السياسية في العراق قد تراجع كثيراً عما كان عليه في عام 2010، حين توافد قادة الكتل السياسية وممثلي الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة وايران على مدينة اربيل، عاصمة اقليم كردستان، انتظاراً لمبادرة كردية لحل ازمة تشكيل حكومة جديدة.. حيث تكللت جهودهم بتوقيع "اتفاقية أربيل" لتقاسم السلطة. في حين ان حكومة العبادي تشكلت ونالت ثقة البرلمان حتى قبل اتخاذ قرار من قبل القيادة السياسية الكردية بالمشاركة في الحكومة الجديدة من عدمها، وقبل حضور نواب التحالف الكردستاني الى قاعة البرلمان.

حكومة العبادي تشكلت في ظروف بالغة الخطورة والتعقيد وتحت ضغوط داخلية وخارجية شديدة، فقد أصرت الولايات المتحدة على تشكيل الحكومة الجديدة ضمن الفترة الدستورية المحددة، وأن تكون جامعة شاملة لا تقصي أحدا، وتمهد لمصالحة وطنية حقيقية تهدف الى استمالة العشائر والقوى السياسية السنية وعزل داعش ودحره عن طريق تكثيف الضربات الجوية وتقديم الدعم العسكري اللازم للعراق، وحشد التأييد الدولي لعمل عسكري في العراق وسوريا.

وربطت الولايات المتحدة مساعدتها للعراق بتشكيل حكومة وفاق وطني، تتبع نهجا سياسياً مختلفا عن النهج الكارثي لحكومة نوري المالكي.

ومن جانب آخر مارست ايران ضغطاً شديدأ لا يقل عن الضغط الأميركي على أطراف التحالف الوطني وعلى العبادي شخصيا من اجل تشكيل حكومة تحفظ المصالح الإيرانية ونفوذها القوي في العراق.

وفي الوقت نفسه حاول المالكي سواء بممارسة الضغوط على أطراف التحالف الوطني الأخرى أو عن طريق الشبكات الموالية له، التي زرعها في مؤسسات الدولة الحساسة وضع العراقيل أمام تشكيل حكومة العبادي، بما يضمن له التأثير في صنع القرار من وراء الستار.

نحن هنا لا نبرر دوافع التشكيلة الغريبة لحكومة العبادي التي جمعت الأضداد، ولكننا نشير فقط الى العوامل التي أدت الى ولادة الحكومة الجديدة على النحو الذي رأيناه، ولم يكن أمام القوى السياسية المشاركة في الحكومة الجديدة الا الرضوخ للأمر الواقع، ما عدا الأكراد الذين منحوا العبادي مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ مطالبهم الدستورية وحل المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل.

شارك الأكراد في حكومة العبادي بتحفظ شديد، لأنها لا تختلف كثيراً عن حكومة المالكي فهي تضم ممثلي المكونات الرئيسية الثلاثة في البلاد، ولم يتغير شيء يذكر من الناحية العملية لحد الآن بالنسبة للأكراد في الأقل، حيث لم تطلق الديون والمبالغ المالية المستحقة لأقليم كردستان،، وظلت المشاكل العالقة مع اربيل على حالها.

أما المالكي فقد تحصن وراء منصب نائب رئيس الجمهورية، بعد أن أسند مناصب حساسة في الدولة لأعوانه في سبيل ضمان نفوذه السياسي وتجنب مساءلته عن الانتهاكات الصارخة للدستور وقمع الحريات العامة والخاصة وتصفية الخصوم السياسيين وزرع وتأجيج العنف الطائفي والتستر على الفساد والفشل الذريع في أداء مهامه كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة.

لم يعلن العبادي لحد الآن ادانته لممارسات المالكي ونهجه السياسي الطائفي، ولم يشر مجرد أشارة الى الأخطاء القاتلة التي ارتكبها المالكي، ما يجعل من الصعب الاعتقاد بأن القائمة الطويلة من الوعود التي قطعها العبادي في برنامجه امام البرلمان وبضمنها وعوده بخصوص حل المشاكل التي أفتعلها المالكي مع اقليم كردستان، ستترجم الى خطوات عملية على ارض الواقع.

وزير النفط الجديد السيد عادل عبدالمهدي المعروف بعلاقاته الحسنة مع الأكراد، أقام هذا اليوم - الذي أكتب فيه هذه السطور - دعوى قضائية في الولايات المتحدة لمنع بيع شحنة جديدة من نفط كردستان. اذن ما الذي تغير في وزارة النفط لحد الآن؟

هيمنة مكون واحد على الحكومة لم تضعف بل تعززت عن السابق.

المالكي لا يزال على رأس حزب الدعوة الذي ينتمي اليه العبادي. ومن الناحية العملية فأن حزب الدعوة استطاع ان يضمن اسناد رئاسة الوزراء الى مرشحه الجديد. كما ان وزراء التحالف الوطني اسندت اليهم الحقائب المهمة، التي تتيح لهم مواصلة السياسة السابقة.

لم تقدم حكومة العبادي المساندة العسكرية اللازمة لقوات البشمركة، التي قال عنها القادة العسكريون الغربيون أنها القوة الوحيدة على الأرض، القادرة على مقاتلة داعش في العراق.

ولم يكتف العبادي بذلك بل نسب كل انتصارات قوات البيشمركة على داعش في جبهات القتال الى الجيش العراقي الذي لم يصمد امام عدة مئات من عناصر داعش في الموصل وفشل في استعادة معظم المناطق التي يحتلها التنظيم الأرهابي، رغم التصريحات الرسمية المتفائلة للناطق الرسمي بأسم القيادة العامة للقوات المسلحة، والتي – لو صحت الأرقام الواردة فيها عن خسائر داعش – لكان هذا التنظيم الأرهابي قد أنتهى منذ عدة أسابيع.

ولكن ما يبعث على الاطمئنان حقا هو التوازن الحقيقي الجديد للقوى على ارض الواقع في العراق والشرق الأوسط. وهذا التوازن يتجه لصالح الأكراد. ففي بداية تصدي قوات البيشمركة لداعش كان الفارق في التسليح هائلا بين طرفي الحرب، سلاح روسي خفيف ومتوسط وعتيق بيد قوات البشمركة مقابل اسلحة أربع فرق عسكرية عراقية أستولى عليها داعش، وهي أسلحة أميركية متطورة وفعالة، كما أن قوات البشمركة لم تكن قد خاضت معارك حربية حقيقية منذ انتصار انتفاضة آذار 1991 المجيدة في أقليم كردستان.

واليوم بعد تدفق الأسلحة الحديثة على قوات البيشمركة وبعد أن خاضت هذه القوات الباسلة معارك ضارية ضد داعش واكتسبت خبرات قتالية كبيرة، أصبحت قوة مرهوبة الجانب، قادرة على حماية إقليم كردستان والانجازات الحضارية لشعبه بمكوناته التي تسود بينها روح التسامح والعيش المشترك، مما أكسب هذا الشعب المتطلع نحو الحرية والديمقراطية والأزدهار أحترام العالم المتحضر بأسره.

تحية الى أرواح شهداء البيشمركة الأبرار. وننتهز هذه الفرصة لنرفع الى حكومة الأقليم أقتراحا بأقامة نصب تذكاري للجندي المجهول في العاصمة أربيل يليق بمكانة الشهيد الكردي السامية والعزيزة على قلوب الكردستانيين جميعاً.