الربيع الاحمر والاعلام الاسود!

في العراق وليبيا وسوريا واليمن ومصر والبقية آتية بلا ريب، ما أن بدأت أنسام الربيع العربي تعطر الأنوف وتطرب الأسماع في تهاوي أنظمة الزعيم الأوحد والحزب القائد والجمهوريات الوراثية، حتى عاودت فيروسات تلك الأنظمة بالانتشار في المفاصل المهمة من الهياكل الجديدة التي حاولت ملئ فراغات ذلك الإخطبوط، الذي هيمن لعشرات السنين إن لم تك مئات السنين على صدور وعقول ملايين البشر المقموعين جينيا بأفكار البداوة والقبيلة والغزوات، لا من اجل البقاء فقط بل من اجل الزعامة حتى وان كانت زعامة ثلة من السراق والقتلة. رافق عملية سقوط تلك الأنظمة نشوء تنظيمات وعصابات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام ونقابات من رحم تلك الأنظمة ومنظومتها الفكرية، لكي تحتوي أو تلتهم ما سمي في حينه بثورات الربيع العربي التي سرعان ما تحولت إلى ما نراه اليوم في ليبيا وما فرخته في سوريا واليمن وغيرها من دول المنطقة.

لعل اخطر ما امتلكته تلك الفايروسات تحت مظلة الانفتاح الديمقراطي وحرية تأسيس وسائل الاعلام، هو الفضائيات وخاصة هنا في العراق وفي سوق "مريدي" الشهير، والذي تخصص بعد سقوط نظام صدام حسين بمنح الشهادات العلمية وخاصة الدكتوراه لكبار مسؤولي النظام الجديد في سلطاته الثلاث، وبالذات التنفيذية والنواب والذي منه في مجالس المحافظات والاقضية، إضافة إلى المساهمة في صناعة الفضائيات التي يعاون فيها هيئة الإرسال العراقية، المفترض أن تكون ملكا للشعب العراقي ومن يمثله واقصد هنا (وبنية صافية) برلماننا العتيد، لكنها في غفلة من الزمن أيضا تم تأجيرها لحزب السلطة الجديد صاحب ما يسمى بالكتلة الأكبر، والوريث المتطابق لسابقه أيام القائد الضرورة المتحول إلى مختار العصر والذي يصر مريدوه على استنساخ مجموعة منه وتوزيعها على الدول العربية والإسلامية والأوروبية والأميركية لكي لا تفقد فرصتها الذهبية في امتلاكها فلتة زمانه وعصره.

هذه الفضائيات المفترض أن تكون وسيلة إعلام متحضرة، تعوض سنوات القهر والاستلاب الفكري والثقافي والسياسي، أنتجت مجموعة ما يسمى بالبرامج الموجهة لتوعية وتطوير الرأي العام باتجاه قبول الاخر وحرية التعبير، خاصة بعد قيام النظم الديمقراطية المفترضة كبديل لتلك التي حكمت بثقافة تكميم الافواه وخنق الاراء والتعبير، وافتراض وجود مساحة لتلك الحريات. على هذا الافتراض انتجت كما قلنا مجموعة برامج حوارية على شاكلة مجلس عراقي والاستوديو التحليلي أو منابر متعددة أو سميها ما شئت، حيث تستضيف "دقاقي الثوم بعكوسهم" كما يقول المثل الموصلي إشارة للفضوليين ومساحي الجوغ والملكيين أكثر من الملك نفسه، لكي تفرض مجموعة افكار لا تقل في شموليتها عما كانت تقدمه قنوات ووسائل الانظمة السابقة، خاصة وكنموذج لتلك الاستخدامات السوداء للاعلام هنا في العراق ومن خلال شن حملات عنصرية طائفية طيلة اشهر عديدة قبل سقوط ثلث العراق بيد داعش، ضد الأكراد من جهة واهالي الموصل والانبار وتكريت وديالى من جهة اخرى، مستخدمة شعارات وطنية وقومية كما كان يفعل صدام حسين في ابادته للأكراد وانفلتهم باعتماد ايات من القرآن الكريم. ثم تكتشف ان تركيا وقطر والسعودية ومصر وباكستان وجزر الواق واق عملاء للصهيونية والامبريالية، وان كردستان اصبحت ملاذا للبعثيين وداعش والامبريالية الاميركية (طبيخ مكادي - كما يقول اهل الموصل)، في توصيفات بائسة تستغل بها عقول الاكثرية الجاهلة والجائعة لتنشر الحقد والكراهية ولتوسع بيئة انتشار داعش وغيرها كما حصل فعلا.

وهكذا نجحت طواقم اعلام تلك الانظمة الفاسدة ان تتوغل في هياكل الانظمة الجديدة وتؤسس لها موضع قدم لتنطلق بذات الثقافة الشمولية والاقصائية في معظم برامجها الموجهة، معتمدة على اثارة الغرائز والعدوانية وبناتها في الكراهية والاحقاد، واضعة بيوضها الارهابية في بيئة طائفية وشوفينية جاهزة للتفقيس في أي وقت تشاء، لأثارة كل النعرات وقبول اكثر اشكال الابادة الجماعية كما حصل للأكراد الايزيديين والمسيحيين والشيعة والسنة في كل انحاء البلاد، حيث مارسوا تعتيما اعلاميا مريبا على واحدة من ابشع عمليات الجينوسايد بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تعرض لها الايزيديون بمئات الالاف الى القتل الجماعي والنهب والسلب واسر نسائهم واطفالهم، بل وبيعهم في اسواق النخاسة، دون ان تثير فيهم هذه الجرائم اي وازع اخلاقي او انساني او حضاري، بل انهم تعمدوا في اغفال دور البيشمه ركة وعدم التطرق لها في كل عمليات تحرير آمرلي وسليمان بيك وسد الموصل رغم معرفة قادتهم بدورها الرئيسي في مقاومة الارهاب وطرده من كثير من المناطق.

عادت حليمة الى عادتها القديمة بعد ربيع دامٍ باعلام قاتم ومجاميع من المشوهين الفاشلين والمعاقين ثقافيا واكاديميا تدير او تشرف على وسائل اعلام مريضة حتى النخاع وتتمع في مجال حيوي مدعوم بشكل كبير من السلطة تحت مسميات عديدة، سواء كانت لاحزاب وجهات متنفذة او لهيئات شبه حكومية يراد منها أن تكون على شاكلة هيئة الاذاعة البريطانية فتحولت بعد اشهر من تشريع قانونها الى وسيلة لحزب السلطة ورئيسه وطائفته ولم تعد تمثل الا حفنة من المنتفعين ومرتزقة الاعلام الاسود.