العالم العربي ما بين الاستبداد والإرهاب

حلم الثورات العربية التي بدأت نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 كان في أن الثورات ستجلب معها الديمقراطية القائمة على التعددية، والتي تحقق الحرية والمساواة تحل محل الاستبداد.

تبخرت آمال الثورات العربية عندما ورطها المجتمع الغربي الديمقراطي في مستنقع الإرهاب، بل حتى الدولة الاستبدادية القائمة تبخرت وانهارت وتفتت. وأوضح مثال على ذلك سوريا التي تلاعب بها المجتمع الدولي، وجعل الدول الإقليمية تتصارع على سوريا، وتعمد الانقسام حول سوريا مراهنة على تقاسم المصالح والنفوذ على سوريا استعدادا لمرحلة جديدة أوجدت فراغا ملأه الإرهاب.

أصبح العرب قلقين من تلاعب السياسة الأميركية بالمنطقة، خصوصا بعدما نجحت في استبعاد روسيا، وبدأ تنافس أوروبي أميركي على المنطقة رغم اشتراكهما في حلف واحد هو حلف الناتو.

انتقلت المنطقة فعلا من مرحلة الغموض البناء التي بشر بها كيسنجر في سبعينات القرن الماضي إلى زمن الفوضى الخلاقة التي هددت بها كوندليزا رايس الدول العربية زمن بوش الابن.

يعتقد البعض أن ما يدور في المنطقة هو تخبط السياسة الأميركية، بينما هي ترتيبات واستراتيجيات مدروسة مسبقا. يمكن قراءة رؤية كيسنجر في كتابه "النظام العالمي الجديد شراكة بين أميركا والصين". يرى كيسنجر في الكتاب بأن دول الشرق الأوسط قد تآكلت من الإهمال، وسادت فيها الصراعات الطائفية والعرقية (بالطبع الصراعات التي زرعتها أميركا بعد احتلال العراق عام 2003). واعترف كيسنجر أن تلك الصراعات بسبب قوى خارجية ولكنه لم يقل الولايات المتحدة وإيران، ولم يذكر كيسنجر كلمة واحدة عن أهمية الحرية والديمقراطية.

تجمع الولايات المتحدة اليوم بين استراتيجية الغموض البناء التي تعتمد على الخداع والتي تقرأ على وجهين، وهي استراتيجية تستخدمها الولايات المتحدة الآن في قيادة تحالف دولي في محاربة الإرهاب لمجموعات لا تزيد عن عشرة آلاف أو عشرين ألفا يمكن القضاء عليهم بكل سهولة من الجو بسبب أن الولايات المتحدة تركت فراغا في سوريا ملأه الإرهاب وهم لا يمتلكون حواضن بشرية مثلما تملك الثورة السورية يمكن أن تحميهم من استهداف النظام، وكذلك حماس وحزب الله اللذان يحاربان من أرضهما ولديهما بنى تحتية قتالية معدة للقتال تحميهما من القصف الجوي بالطائرات بسبب اختلال موازين القوى.

تدعي الولايات المتحدة أن تكلفة القضاء علي الجماعات الإرهابية تبلغ 500 مليار دولاركما قال وزير الدفاع الأميركي في الكونغرس، وهي بذلك تبتز دول النفط التي ستدفع نسبة كبيرة لدعم الاقتصاد الأميركي المنهار مستثمرة استبعاد روسيا وركون صيني، وحاولت الولايات المتحدة استبعاد حتى الدول الأوربية حليفتها في الناتو ولكن شاركت فرنسا بضربات جوية لتحصل على نصيبها من التكلفة وهو ما جعل تركيا تستثمر الـ50 رهينة وتراجعها عن إعلان مشاركتها في التحالف الدولي حتى لا تشارك في دفع جزء من التكاليف.

لن تدفع دول الخليج أي تكاليف إذا لم تشمل تلك الضربات النظام السوري وإنهاء الأزمة السورية التي تركتها الولايات المتحدة حاضنة للإرهاب وحاضنة للصراعات وتصنيع داعش التي ضخمتها الاستخبارات الأميركية لإخافة دول الشرق الأوسط بينما هي في الحقيقة فقاعة لا تمتلك مقومات الصمود بسبب أنها لا تمتلك بيئة تحتية للقتال.

مما يثبت أن الولايات المتحدة تتلاعب بمنطقة الشرق الأوسط دورها الحاسم والواضح في إثارة كييف في أوكرانيا وتحفيزها في مواجهة موسكو حرصا منها على المصالح الغربية أمام توسع الدب الروسي خصوصا وان الولايات المتحدة مقبلة على توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوربي.

لم يظهر حتى الآن عالم ما بعد أميركا. وكما تنبأ كيسنجر إنه لن يكون هناك عالما متعدد الأقطاب يعمل معا على إعادة التوازن لعالم مختل ومضطرب، بل تنبأ كيسنجر بأن يكون نظاما عالميا جديدا هو شراكة بين أميركا والصين.

لا يزال لدى البعض آمال في استنساخ نظام تعددي جديد في منطقة الشرق الأوسط على غرار الموجود في العالم الغربي، بينما يصدر الينا الغرب ديمقراطية مشوهة ومستنسخة من نموذج تعددي طائفي وعرقي مثلما الموجود في لبنان، وتم تطبيقه في العراق وقد يتم تطبيقه في سوريا المستقبل وفي دول أخرى.

لكن مصر أفلتت بعدما أفشلت المساعي في أن تكون دولة تستورد مثل هذه الديمقراطية المشوهة والمستنسخة من لبنان أو العراق.

رغم أن البعض يندد بعودة الاستبداد إلى مصر، لكنه قد يكون أفضل من النظام التعددي المشوه في لبنان والعراق الذي أعاق أي تقدم اقتصادي، بسبب أن الكيانات كان همها الوحيد تقوية كياناتها على حساب الوطن، هذا إذا لم تكن تصرف تلك الكيانات على المليشيات التي تحميها من بقية الكيانات الأخرى مما أدخلها في صراعات والأغلبية تسيطر على الأقلية، والأقلية تستقوي بالخارج ضد الأغلبية، حتى لا يكون لدى تلك الدول أي أمل في استنساخ ديمقراطية تعددية وطنية وحرة ومستقلة التي تتزامن مع تطبيق التقدم الاقتصادي.