ايران والاخرون

بالنسبة للبعض لا تستقيم المعادلة في المنطقة إلا بمقارنة ايران بالسعودية، بالمعنى الذي يجعل من البلدين قطبي معادلة واحدة.

لا يعترف هذا البعض أن السعودية شيء وايران شيء آخر.

عربيا فإن العلاقة بالسعودية هي نوع من الانسجام الداخلي، علاقة الاخ بأخيه. لا فرق في أن يكون ذلك الأخ مختلفا أم مؤتلفا. أما العلاقة بايران فانها علاقة جيرة لعب التاريخ بشروطها ومعاييرها وعرضها للكثير من لحظات العداء والمهادنة، وهي لحظات استهلكت الجزء الأكبر من علاقة لم ينظر الايرانيون إلى ما ترشح عنها من ندية باحترام.

عداء ايران للعرب لم يبدأ في العصر الحديث بل يمتد بجذوره إلى التاريخ القديم.

ولم يكن ظهور الاسلام في شبه جزيرة العرب إلا فاصلة بين عهدين من الكراهية.

لا يجرؤ الايرانيون على الاعلان عن كراهيتهم للنبي العربي ودينه بعد أن صاروا مسلمين، لذلك فإنهم يصبون جام غضبهم على العرب الذين هم مادة الاسلام الاولية.

وإذا ما أنتقلنا إلى العصر الحديث فان ايران الذي تدعي اليوم تمثيل العالم الاسلامي شيعيا كانت تبحث دائما عن معادل لها في عالم الاسلام السني فكان عليها أن تصنع من السعودية ممثلا لذلك العالم.

وهو امر لا يستقيم واقعيا. ذلك لإن السعودية لا تدعي إنها تمثل طرفا من المسلمين في مواجهة طرف آخر، بالرغم من أن دعاتها ينسجون الكثير من الحكايات التي تؤثث الطريق في اتجاه اختراع عدو افتراضي لن تكون ايران بعيدة عن تجسيده واقعيا، غير أن موقف اولئك الدعاة لا يمثل موقف الدولة السعودية.

كانت السعودية ذكية في صنع المسافة التي تفصلها عن الحراك الشعبي.

ايران لم تكن كذلك.

فايران التي لا يكفر دعاتها أحدا من المسلمين كانت قد نجحت في صنع بيئة تكفيرية لا ترى في العرب إلا أولئك الآخرين الذين لم يتعرفوا على الاسلام إلا في صورته البدوية وهي صورة تتعارض مع ما ادخره الايرانيون من صور مستلهمة من الحضارة الفارسية.

اليوم بعد أن تم تحطيم وتهشيم وتمزيق دولتي سوريا والعراق لا ترى ايران من العرب ما ينافسها سوى المملكة العربية السعودية. وهي وجهة نظر تصنع من السعودية منافسا افتراضيا في سباق اخترعته ايران لترضي نزعاتها التوسعية، وهي نزعات قد لا تلجأ ايران فيها إلى السلاح من أجل اشباعها. العقيدة تعوضها عن السلاح.

سيكون علينا أن لا نرى في تلك العقيدة وهما، بعد ما جرى في العراق وسوريا ولبنان. لقد حصدت ايران ما نتج عن هزائم الشعوب في البلدان الثلاثة في الوقت الذي ظلت السعودية فيه حائرة في العثور عمن يمثلها في صراع فرض عليها ولم تكن مستعدة له. صراع فرضته ايران في ظل انحطاط سياسي عربي.

لقد فرضت ايران على المنطقة معادلة غريبة من نوعها. مَن لا يقف معي فهو مع السعودية. وهي معادلة لم تشأ السعودية من قبل التورط في الدخول في متاهاتها. ذلك لأنها لم تبحث في المنطقة عمن يناصرها على ايران، بل أنها لم تكن تنظر إلى ايران باعتبارها عدوا.

غير أن المشكلة لا تنحصر في العلاقة بين دولتين. لو كان الامر كذلك لهان الامر على العرب. المشكلة تكمن في أن ايران صارت تزعم تمثيل جزء من العرب في مواجهة السعودية التي لا تدعي سوى تمثيل نفسها.

هل كانت السعودية على خطأ؟

شيء من هذا القبيل يمكن قوله.

لقد تأخرت السعودية في ايران وسوريا ولبنان. هذا صحيح وصحيح ايضا أن ايران استغلت ذلك الفراغ الأخوي لتكون موجودة بقوة.

غياب السعودية سهل لإيران تغلغلها في العالم العربي ولكن كل حديث عن ذلك التغلغل لا يعني بالضرورة رغبة في أن تقوم السعودية في لعب دور لا ترغب في القيام فيه.