القصبي يرى أن المصريين بحاجة إلى إعادة هيكلة الدماغ

دور المدرسة ينبغي أن يكون تأجيج شهوة المعرفة

ألقى الكاتب الصحفي والروائي المصري محمد القصبي بمسئولية العوار الذي يعاني منه العقل الجمعي المصري على عاتق وزارة التربية والتعليم التي أسماها بوزارة التلقين.

وقال القصبي في لقاء مفتوح نظمه اتحاد كتاب مصر فرع الدقهلية ودمياط في المبنى الاجتماعي باستاد المنصورة وأدارته الشاعرة فاطمة الزهراء أن إشكاليات مثل الإرهاب وانتشار ثقافة القبح والتسول وثقافة الدجل والشعوذة وتفشي الفساد بين المصريين تعزى إلى أن المنظومة التعليمية في مصر تتجاهل ملكات التفكير والتذوق في الطفل وتحتفي فقط بملكة الحفظ ..حيث لا يرى المعلمون في التلميذ سوى ذاكرة يجري حشوها منذ سنواته الأولى بكم هائل من المعلومات يلفظها في أوراق الإجابة في امتحانات آخر العام إلى غير رجعة.

ونوه القصبي إلى أن الدراسات تؤكد أن المصريين ليسوا على الطريق الصحيح، حيث يعتقد 63% منهم بالدجل والشعوذة، كما تحتل مصر مركزا متقدما في قائمة الدول الأكثر فسادا والتي تصدرها سنويا منظمة الشفافية العالمية في برلين.

وأوضح القصبي أن مدخلنا لعلاج كل مشاكلنا القاسية لن يكون إلا بإعادة هيكلة الدماغ المصري من خلال مشروع قومي لتأجيج شهوة المعرفة محوره النظام التعليمي، مما يسهم في إعادة تخليق القاريء الذي يعاني الآن من الانقراض وتوسيع قاعدة تلقي الفكر والإبداع.

وقال: هذا يقتضي أن نلقي بلافتة وزارة التلقين أقصد وزارة التعليم جانبا ونعيد لافتة وزارة المعارف، أي تحويل الوزارة إلى وزارة للمعرفة وليس للتلقين! بحيث تصبح المنظومة التعليمية مركزا للتنقيب عن المعلومة وربطها بغيرها من معلومات. وكيفية التعامل معها .. وتتحول فصول الدراسة إلى معامل للتفكير والتحليل والاستنباط .. وواحة للارتقاء بملكة التذوق. فنحسن اختيار ما يطربنا من أغاني وأشعار .. ونحرص على جمال شوارعنا ومنازلنا ونرتقي بأناقتنا.. ونحتفي بروح المودة والتعاون في البيت والشارع والعمل .. ولا يكون الهدف من وراء امتحان آخر العام قياس مدى قوة ومتانة الذاكرة، بل قياس مدى قدرة الدماغ على أن يرى ويعي ويحلل ويستنبط ومدى استشعار ملكة التذوق في الوجدان لجماليات الحياة.

وقال القصبي إنه حين يكون هذا حال التعليم فلا مانع من السماح للطالب بأن يصحب معه إلى داخل لجنة الامتحان كتبه اامدرسية ومحموله، فالسؤال لن يكون عن معلومة حفظها، بل عن كيفية تعامله مع المعلومة. وقدرته على ربطها بغيرها من المعلومات. وفي امتحانات مثل هذه يكون عبقريا من يحصل على 75 أو 80%. وكل الناجحين في منظومة مثل هذه سيلتحقون بالكليات ليواصلوا رحلة البحث والتحليل والاستنباط. وكل الكليات ستكون كليات قمة وستخرج شبابا تتصدر قائمة شهواته، شهوة المعرفة! وشباب هذا حاله سيصبح مرحبا به في سوق العمل!

ومنظومة تعليمية هذا حالها سيتوصل الطالب بنفسه إلى أهمية قيم الخير والحب والتسامح والعمل والتعاون. وحين يتوصل إليها بنفسه سيكون أكثر حرصا عليها في حياته من أن تحفظ له!

واستطرد القصبي قائلا إن دور المدرسة ينبغي أن يكون تأجيج شهوة المعرفة تحت جلد التلميذ. ولو حدث هذا فسوف يمضي كل سنوات عمره مؤرقا بقضية المعرفة. وإنسان هذا حاله لن يكون صيدا سهلا للدجالين ومشايخ سمعا وطاعة. ولن ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأن حل مشاكله ومشاكل المجتمع سيكون بين يدي موظف مرتشي أو دجال.

وأثارت الشاعرة فاطمة الزهراء ظاهرة التلقي عبر الانترنت. وقالت إنه من الخطأ تصور أنها سبب العزوف عن القراءة الجادة. حيث تحتشد المواقع بآلاف الكتب والدراسات الدراسات في كافة حقوق المعرفة التي يمكن أن تسهم في بناء عقل مصري مستنير.

ونوّه الكاتب فرج مجاهد إلى حاجة مصر الآن إلى المثقف الذي يناضل من أجل تكريس قيم الحق والخير والتسامح والسلام.

ونبه الكاتب محمد خليل إلى ظاهرة "اختطاف" أبنائنا من قبل الجماعات المتطرفة عن طريق استدراجهم في مرحلتي الطفولة والشباب المبكر للانخراط في أنشطتهم التي تتسم في مظهرها السطحي بالبراءة كتحفيزهم للصلاة في المساجد والزوايا وتشجيعهم على قراءة كتب تحث على التطرف. وقد ينتهي الأمر بالدفع بهم في أتون الحرب على المجتمعات الإسلامية كما يجري الآن في سوريا والعراق وليبيا باعتبار أنها مجتمعات تعيش في الجاهلية الأولى.

وحمل شاعر العامية علي عبدالعزيز بمسئولية عزوف المصريين عن قراءة الأدب على عاتق الإعلام الذي احتفى بشعراء الحداثة الذين يكتبون ما يستعصى على الفهم وما لا يجدي الإنسان المصري فانصرفت الأجيال الجدية عن قراءة الأدب.

وعقب القصبي بأن شعراء الحداثة برزوا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لكن كان حضورهم وتأثيرهم أقل بكثير من أدباء الستينيات الذين عرف عنهم إيمانهم بما قاله سارتر في كتابه "ما الأدب؟ " من التزام الكاتب.

حضر اللقاء الشاعر الكبير ابراهيم رضوان والكاتبة حنان فتحي، والعديد من أدباء الدقهلية ودمياط.