عشرة ملايين دولار قد لا تكفي لرأس البغدادي

نتيجة استجواب الكونغرس الأميركي لوزير الخارجية جون كيري هذا اليوم حول الحرب على داعش هي أن الرؤية واضحة بالنسبة للعراق، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لسوريا. الدول العربية ضد الإرهاب غير أنها ترفض إرسال قوات على الأرض ويكتفي بعضها بطلعات جوية فقط. في حرب الخليج على العراق تحملت الدول العربية حوالي نصف النفقات وأرسلت قوات على الأرض. هذه المرة نرى بوادر تحمل الدول العربية جزءا من كلفة الحرب على الإرهاب بشروط معقدة لأنها حرب مكلفة وطويلة الأمد، فقد تمتد إلى عشر سنوات.

رصدت الإدارة الأميركية خمسمائة مليون دولار لغرض تسليح الجيش الحر وتدريبه وتزويده بمستشارين. المشكلة أن الجيش الحر يريد قتال الأسد قبل داعش، بينما أميركا تريد قتال داعش أولا. ثم كيف سيقاتل الجيش الحر على جبهة واحدة مع فيلق العباس؟ نظام الأسد من جهته يقوم بقصف واغتيال المعارضة المعتدلة حتى لا تكون خيارا أميركيا مناسبا في هذه الحرب.

سوريا هي مصدر المشكلة. فهناك اليوم ألف وخمسمائة ميليشيا تقاتل في هذا البلد، ولا يمكن لدولة عربية إرسال جيشها لقتال داعش، بينما قوات الأسد هي المسؤولة عن قتل ربع مليون سوري وتهجير الملايين من المدنيين. لا يمكن التباهي بقصف داعش وبراميل الأسد المتفجرة في الجوار قامت بمحو مدن بأكملها مثل حمص وحلب وحماة وغيرها.

القضاء النهائي على داعش مرتبط بالقضاء على النظام العلوي في سوريا، والولايات المتحدة ليس عندها استراتيجية متكاملة كما يبدو، وهذا ما يجعل العمليات ضد الدولة الإسلامية غير جادة ولا مؤثرة. لأن السنة في المنطقة يتصرفون بشكل مشابه. فهم ليس عندهم مخطط للقضاء على داعش فقط يدينونها ويقدمون الدعم للعمليات ضدها. بدون وجود قوات على الأرض ستضطر الولايات المتحدة إلى عقد صفقة مع إيران، وهنا ربما ستنهار المنطقة والتحالفات.

نحن جميعا ضد التطرف، لكننا نرى بأن القنابل الغربية أكثر تطرفا من الإسلاميين، كذلك الحصار الإقتصادي على العراق منذ 1991 وحتى 2003، كان أكثر إرهابا من الحادي عشر من أيلول والقاعدة. وهذا بالضبط ما حاولت أن تقدمه الخارجية السعودية من نصح للإدارة الأميركية في الشأن السوري منذ ثلاث سنوات. فعلى النقيض من السعي القطري نحو دعم الإسلاميين، كانت السعودية تشجع الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار سياسي لإسقاط النظام السوري قبل أن تفلت الأمور وينتشر التطرف. من الممكن ملاحقة المتطرفين قانونيا غير أن الدول العربية لا تستطيع منع الأمهات من البكاء على أطفال سوريا ومساجدها.

في العراق أيضا فإن الولايات المتحدة لم تكترث لخمسة ملايين سني تظاهروا بشكل سلمي شتاء وصيفا في سبيل حقوق إنسانية مشروعة منذ عام 2012 حتى جلبوا نساءهم المغتصبات وعرضوهن في الإعلام، ولم يتحرك أحد.

الآن يتحرك شيوخ العشائر بدولارات أميركية في مشروع غامض. أي حرس وطني هذا الذي لم يستطع إطلاق سراح النائب أحمد العلواني من السجن حتى الآن؟ وأي شيوخ عشائر لا يستطيعون إعادة محمد الدايني وتحرير آلاف السنة المعتقلين ظلما لدى الحكومة الصفوية؟ يجب أن يكون هناك قبول شعبي للتحرك السني ضد داعش أولا.

الإرهابيون يسيطرون منذ ثلاثة شهور على مدينة الموصل التي يسكنها ثلاثة ملايين إنسان، ولم نسمع بمقابر جماعية ولا بإعدامات ميدانية للمدنيين. الدواعش يقتلون الأسرى لأن أحدا لا يأخذ الداعشي أسيرا، وإذا أخذه فسيجعله يتمنى الموت قبل قتله. هذه قضية واضحة وبسيطة للمراقب والمتابع.

المضحك حقاً هو الكلام عن تدمير داعش، وهل داعش حكومة وجيش ومؤسسات؟ إن داعش ليس لها حدود أصلا، أما إذا كان المقصود هو قتل هؤلاء المسلحين فهذا لا يعني القضاء على التطرف. إن التطرف يظهر حين يظهر الظلم والبؤس والطائفية، والقتال ضد التطرف بالصواريخ لا جدوى منه، بل هو أكبر دليل على سطحية السياسة الأميركية. العراق وسوريا دولتان طائفيتان مهزومتان، ولا يمكن لهذه الدول الفاشلة مساعدة أميركا للنجاح في الكفاح ضد التطرف.

أميركا اليوم تبحث عن شيء مستحيل. فلا يمكن العثور على مرتزق يقوم بتفجير نفسه مقابل الدولارات. الحل الوحيد الممكن الآن هو سحب دمشق من العلويين وإيران وتقديمها للسنة حول العالم. أما هذا القصف بقوة التكنولوجيا فلا يفعل أكثر من رش الماء البارد على الوجدان السني النائم.

الأمر المثير للشكوك هو لماذا هناك تخوف تركي من الإنضمام إلى الولايات المتحدة في حربها على الدولة الإسلامية؟ فلم توافق تركيا التوقيع في مشروع جون كيري، ولم تصادق حتى على موضوع الحصار الإقتصادي لداعش. هل السبب هو حقاً احتجاز الدولة الإسلامية للدبلوماسيين الأتراك؟ ثم كيف تقوم الولايات المتحدة بحرب على داعش دون التحالف مع إيران؟ وكيف يمكنها نقل المعركة إلى سوريا دون التحالف مع الأسد؟ وكيف يمكن للخليج تمويل حرب أميركية على منظمة سنية متطرفة، إذا كانت هذه الأموال ستذهب في النهاية إلى تعزيز النفوذ الإيراني؟ إسرائيل نفسها لن توافق على صفقة تؤدي إلى قنبلة نووية شيعية في إيران.

من الواضح أن البغدادي زرع مسألته في منطقة شائكة. حتى تشكيل صحوات سنية بالمال لم تعد قضية مأمونة لأن الأميركان ربما يرحلون ويبقى رجال الصحوات تحت سكاكين الذبح والإنتقام.

لا أميركا تريد إرسال قوات على الأرض، ولا الدول العربية، ولا السنة في سوريا يريدون خوض حرب جحوش تؤدي إلى بقاء الأسد. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن زحزحة الأسد رغم جرائمه بسبب الدعم الروسي والإيراني فإنها ربما لن تستطيع اقتلاع الدولة الإسلامية بسبب ذلك العجز نفسه.

يبدو أن رأس البغدادي سيكلف أكثر بكثير من العشرة ملايين دولار التي وضعتها المخابرات الأميركية كمكافأة عليه.

النصر والهزيمة كما يقول نيتشه مجرد خيال، وصاحب الخيال الأقوى ينتصر في كل الأحوال. لهذا السبب يهتم الفقهاء المعتدلون، في الدول العربية، بسياسة المناصحة والتوعية. وهي سياسة لا يمكن أن تنجح إذا تخلى المجتمع الدولي عن المنطق والإنسانية، وترك النظام السوري الطائفي يبيد المدن ويطارد شعبه. لا يمكن أن ينجح الإعتدال السني إذا لم يتوقف المشروع الصفوي في العراق وملاحقة السنة بهذه الطريقة المعلنة.

البغدادي لم يهدد المالكي، ولا السيستاني، ولا شيوخ العشائر فحسب هؤلاء تم تجاوزهم ببساطة. لقد امتد بنا العمر لنرى رجلا مجنونا يهدد ضريح الحسين بذهبه ورهبانه، هذا أخطر ظاهرة حتى الآن. وربما يدعي بأنه هادم أوثان ومتحرر طالما الغرب يعبد الذهب ويتخلى عن السوريين لأنه لا يوجد بترول، وما دام الصفويون يبيدون السنة ويعبدون القبور.