سندباد عُمان يحارب التمييز الطبقي بالأدب

الأديب العماني يسير على الأشواك

يشتهر العمانيون بأنهم محبون للشعر، يجيدون إلقاءه، يبدعون في تأليفه، إلا أن كثيرين لا يعرفون أن في عمان مبدعين في القصة والرواية لهم وزنهم الأدبي واستطاعوا أن يفرضوا أدبهم على الساحة الأدبية العربية خلال السنوات الأخيرة.

وتفرض طبيعة الحياة الصحراوية من أماكن خلابة ومشاهد جمالية نفسها على الأدباء وفنهم القصصي والروائي، كما أن العادات المجتمعية أيضا جزء رئيسي من إبداعهم الأدبي.

ويعد الأديب العُماني محمد بن سيف الرحبي حالة فريدة في الوسط الثقافي والأدبي العُماني، فهو من رواد كتابة القصة والرواية في عُمان، ويتناول بجرأة كثيرا من المناطق المحرمة اجتماعيا في المجتمع العُماني مثل التمييز العرقي والطبقي في المجتمع، بأسلوب رشيق وجذاب للقارئ وعينه على الشكل الأدبي الذي يعنيه في المقام الأول.

وجاءت جولاته في بلاد عديدة في العالم لتضفي عالما خاصا بالرحبي تميزه عن غيره من أبناء جيله، حتى أطلق عليه "سندباد عُمان".

التقى ميدل إيست أونلاين بمحمد الرحبي للتعرف على عالمه الأدبي ورؤيته لهذا العالم الذي ينعكس بكل تأكيد على طبيعة الأدب العماني بشكل عام.

وفيما يلي أبرز المحاور التي تناولها الرحبي في هذه المقابلة:

القصة في عُمان

لم نعرف فن القصة بمفهومها الأدبي سوى من ثلاثة عقود تقريبا، ويعتبر جيلي هو الانطلاقة الجادة والحقيقية لكتابة القصة القصيرة في عمان، ومازال الجمهور في عُمان مهووسا بالشعر، خاصة الشعر الشعبي أو العامي الذي له حضور كبير مقارنة بالشعر الفصيح.

وتجرى العديد من المسابقات للشعر، ولا شيء للنثر سوى جائزة وحيدة تقدم لجيل الشباب ضمن فعاليات الملتقى الأدبي السنوي لوزارة التراث والثقافة.

وأراد كتاب القصة أن يخرجوا من عباءة القصة القصيرة فكتبوا الرواية، وهناك من هو حائر بين الاثنين، لكن الإنتاج ضعيف في كل الحالات.

ولا زالت الرواية العمانية مترددة، إنتاجها قليل مقارنة بدول أخرى، لكنها خطوات متزنة، وأتوقع أن تشهد السنوات القادمة ارتفاعا في مستوى الرواية العمانية كما ونوعا لأن جيل القصة القصيرة الذي عرفته فترة أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات تغريه المشهدية الروائية لاقتحامها.

وتعيش القصة القصيرة في عُمان عصرها الذهبي، ويوجد لدينا عشرات من كتاب القصة، وكل عام تفرّخ القصة أسماءا جديدة، وبمستويات جيدة.

وصل الأديب العماني عبد العزيز الفارسي قبل عامين إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، بما يعني قدرة الرواية العمانية على الحضور القوي، لكن للجوائز الكبرى حساباتها التي علينا أن نعترف بها، فاسم الدولة يشكل ضغطا لصالح الروائي، خاصة ما كان يسمى بدول المركز الثقافي في الوطن العربي، ولا زلنا رغم تحولات العصر من ضمن دول الهامش.

كتابة التاريخ من منظور أدبي

شعرت أن رسالتي تحتم عليّ أن أعود للتاريخ العماني، لا يكفي أن نكتب مشاكل الواقع التي نقرأها في أعمال أدبية ودرامية لا تحصى، كتابة التاريخ ضرورية، وإذا أحصينا خسائرنا قبل أن نبدأ السير على الطريق فلن نمشي أبدا.

وكانت رواية "السيد مر من هنا" تحديا كبيرا بالنسبة لي، وخفت أن أقع في فخ الكتابة التوثيقية الجافة، خاصة حينما تثقل الأحداث جمال الحكاية، ووضعت مفهوم التجريب نصب عيني وهو ما وجدته في التاريخ.

أبحرت في تلك الرواية داخل محطة مهمة من التاريخ العماني، واخترت أبرز شخصياتها لتكون حاضرة بطريقة فنية ما ليعرفها جيل الحاضر، وهو يتمزق من تداعيات عصره، خاصة على المستوى الفكري.

تعرضت لشخصية سعيد بن سلطان أحد أبرز السلاطين العمانيين الذين كونوا مملكة عمانية امتدت من مسقط وحتى سواحل الشرق الأفريقي، كانت له عاصمتان، مسقط وزنجبار، وأدخل زراعة الفرنقل لتكون نفط تلك المرحلة حيث عاشت مملكته على هذا المنتج وعوائده.

وكان أول من أرسل وفدا إلى الولايات المتحدة الامريكية معرفا الأمريكيين بعُمان التي سيّرت إلى هناك سفينة وضعت علامات التعجب عليها من قبل الصحافة الامريكية التي تساءلت كيف وصلت سفينة كهذه إلى ما وراء المحيطات.

وتحكي "السيد مر من هنا" عن رجل لديه زوجه شرعية واحدة ولديه 200 جارية وكانت الزوجة لا تنجب بينما الجواري ينجبون، فكل ابن من أبنائه له لون مختلف عن الآخر، وكيف أن هذا أثر على نظرة المجتمع لهم رغم أنهم أخوة.

تأثرت في هذه الرواية بالواقعية السحرية وكتبت عن الحارة العمانية مثلما فعل نجيب محفوظ الذي تأثرت به، كما تأثرت بماركيز الذى أنتج لنا الواقعية السحرية في الغرب.

الحرية في الكتابة

ارتفع سقف الحرية في عمان بشكل سريع في السنوات الأخيرة، ولا يوجد وجه للمقارنة بين ما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات، وما أصبح عليه الآن، خاصة بعد الثورات التي حدثت في البلاد المجاورة.

ويصعب على كثير من الأدباء ممارسة الكتابة بحرية في ظل هيمنة الرقابة السلطوية في العديد من الدول خاصة من دول العالم الثالث، ولكن الأصعب أن تكون هذه الرقابة ليست من السلطة ولكن من المجتمع نفسه.

وينطبق هذا على المجتمع العُماني، الذي يسير فيه الأديب على الأشواك عند كتابته لأي عمل أدبي، لأن الاصطدام بشخصيات حقيقية عند الكتابة قد يؤدي إلى المحاكم ومن ثم إلى السجن، والقانون في عُمان يساوي بين الجميع، إلا أن حُكم المجتمع أحيانا قد يكون أقوى وأقسى من حكم القانون.

كتب أحد الأدباء العمانيين قصة اسمها "الحمار" ودخل السجن بسبب أن بطل القصة يتشابه مع شخص حقيقي، مما يجعل الكتابة مغامرة ومجازفة وسط هذه المحاذير المجتمعية.

وقد تكون شبكة الإنترنت عاملا رئيسيا في هذه الحرية، وأشعر أن الكتّاب يحتاجون إلى بعض وقت ليستوعبوا ما حدث ويستفيدوا من الحرية العريضة المتوفرة لهم، ريثما يفكرون بمناطق أخرى سيكتسبونها لاحقا في طريق السعي نحو حرية الفكر والرأي، وحرية الصحافة.

وأتمنى أن تزيد هذه المساحة لتصل للمستوى المأمول، وليست الحكومة فقط من يحاول الحد من الحرية بل الصحفيين والكتاب أنفسهم يفعلون ذلك بسبب عدم نضجهم في التعامل مع الحرية، وحدث انفلات في بعض الأحيان في طريقة التعامل مع مستوى الحرية الجديد.

وعبر مقالي اليومي "تشاؤل" الذي أكتبه في صحيفة "الشبيبة" أحاول فيه أن أعبر فيه عن القاريء العادي، فيحسبني البعض أنني أهاجم، بينما الواقع يقول أنني أعبر منطقة عادية لكن القاريء لم يعتدها.

التمييز الطبقي وتأثيره على الأدب

تعرضت في أعمالي لقضية هامة جدا في المجتمع العُماني وهي قضية التمييز العرقي، التي تتغلغل داخل المجتمع بشكل صعب أن تزول، لأن المجتمع مقتنع بالعنصرية وينظر لها على أنها طبيعية، وأحيانا يذيب المال الفوارق بين البشر أكثر مما يصنعه اللون، ولكن ليس دائما.

لدينا وزراء وسفراء من كل الطبقات والقانون نفسه يساوي بين فئات المجتمع وطبقاته، إلا أن هذا لم يكن سببا في تسامح المواطن في نظرته الطبقية.

ويرجع هذا التمييز تاريخيا عندما كانت عمان تضم زنجبار في الساحل الشرقي الأفريقي، وكانت هناك عاصمتان للدولة الأولي في مسقط والثانية في ونجبار، وكانت عمان منفى للعمانيين، وكانوا يضطرون للإقامة بها بسبب التجارة، وعندما يعيش الرجل هناك فترة يضطر للزواج.

ويوجد في عُمان القبيلة والعبيد وطبقة ثالثة في الوسط، وأذكر أن أحد أقاربي عاش في زنجبار وعندما رجع عُمان جاء بثلاثين ولدا كل ولد لون، فاعتقد البعض أنهم عبيد رغم أنهم أولاد قبيلة، وكان ثري إلا أن المال لم يقدم له ما يريد.

أصدر الروائي محمد بن سيف الرحبي حوالي 17 كتابا منها أربع روايات وست مجموعات قصصية، وكتبا في النقد والسيرة والرحلات، إضافة إلى ثماني مسرحيات قدمها له المسرح العماني.

وترجمت بعض أعماله إلى الروسية والإنكليزية، وفاز بجوائز عديدة في مجالات القصة والمسرح والمقال منها جائزة النادي الثقافي للإبداع القصصي، وجائزة أفضل إصدار في الأسبوع الثقافي العماني، وجائزة الشارقة للإبداع العربي فرع الرواية.