اتحاد كتاب وأدباء الإمارات يؤبن سميح القاسم

أنا لا أحبك يا موت

نعى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، مساء الأحد 7 سبتمبر/أيلول الجاري في مقره الجديد بأبوظبي، رحيل المناضل والشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، بأمسيةٍ شعرية وأدبية غلب عليها من الحزن ما يليق بحجم الفاجعة، ومن الأمل ما هو شبيه بروح شاعرنا الراحل إذ كان يدعو إليه من وسط الظلام، فاجتمع أهل الفكر والثقافة المعاصرون لإحياء قامته الباقية دوماً والمساوية لقامة قضية بلده، لتخليدها، ليقصوا على الحاضرين كيف يستطيع الغياب أن يكون ثقيلاً، موجعاً يستبيح الذاكرة في كل مرة نقرأ فيها الشعر!

قدّم الأمسية وأدارها القاص السوري إسلام أبوشكير، وكل من الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، والمفكر والكاتب الفلسطيني الدكتور أحمد برقاوي، والشاعر والإعلامي السوري إبراهيم اليوسف، وأسامة ابراهيم المستشار السابق في سفارة دولة فلسطين.

بدأ أبوشكير الحديث محاولاً أن يرثي سميح القاسم، مؤكداً أنها مناسبة مفجعة بسبب الغياب الذي سيشكل فراغاً كبيراً إلى أن نجد من يسده. وقال: "الجلسة ليست تأبيناً بقدر ما هي محاولة استحضار هذه القامة، تكريم لهذا الرجل الذي أمضى حياته مناضلاً من أجل القضية، وكان في الوقت نفسه رجل فن وسلام وهي القيمة التي يتطلع إليها الفلسطينيون والعرب والعالم كله".

بعدها استلم الصايغ الكلام، فقرأ لنا ما كتبه مؤبناً القاسم، ومنه: "يحار المرء، الشاعر تحديداً إزاء غيره من الشعراء في مواجهة الشعر وتجلياته. ويحار عندما يتكلم باسم المؤسسة التي ينتمي إليها الاتحاد".

وقال إن دوره المؤسساتي يضعه في قالب غالق يضطره إلى الحديث عن أهمية الشاعر إذ نحن نقوم بتأبينه. وأشار إلى أنه الليلة نصفه له ونصفه الآخر ليس له. فنحن في النهاية وكما في البداية لسنا لنا، نحن للعمل والحب والتعب. الشعراء بالتحديد ليسوا لهم. وسميح القاسم حياته لم تكن له، بل كانت للوطن.

وفي ختام كلامه، أعلن الصايغ: "الليلة لا أؤبن أو أسهم في تأبين سميح القاسم، إنما أؤبن مرحلة كاملة.. مرحلة شعراء المقاومة".

هنا عاد أبوشكير ليسأل: هل كان سميح القاسم فلسطينياً؟ مجيباً: نعم بالتأكيد.. لكنه أيضاً كان أوسع من ذلك بكثير.. كما كانت فلسطين ولا تزال للجميع.. إلا أن شاعرنا قد أضاف إلى القضية بعداً جمالياً وآخر أدبياً جعلنا أكثر التصاقاً بها.

بدوره تحدث أسامة إبراهيم وبعد أن ترحم على أرواح الشعب الفلسطيني وشكر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، عن الغياب الكبير لسميح القاسم صاحب القامة المنتصبة والهامة المرفوعة. حيث ساهم هو وكوكبة من الشعراء والأدباء والمفكرين في الحركة الأدبية والفنية في الوطن العربي. عاشوا لأجل قضايانا ونجحوا في خلق التوازن النفسي والوجداني عند الإنسان العربي. مبيناً دورهم في التحديات الفكرية والاجتماعية والسياسية الراهنة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية.

كذلك تعمق ابراهيم في أساس العدوان الإسرائيلي على فلسطين ألا وهو الاحتلال، مطالباً بعدم تخفيف رؤيتنا لحقيقته أبداً. ومؤكداً على مجموعة من النقاط يأتي في مقدمتها: كيف قام شاعرنا الراحل بواجبه كاملاً وبكل إخلاص كما أقرانه من المثقفين. وأن أي عربي لا يعتبر الكيان الإسرائيلي عدوه الأول مشكوك بانتمائه، وأن أي عربي لا يدرك بأن المقاومة الفلسطينية هي خط الدفاع الأول والأخير عن كامل الأمة لن يناله إلا الخزي والعار.

أنهى إبراهيم ورقته باستحضار ذكرى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في هذا الزمن المر، وذكرى الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قال "النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي"، وذكرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بقوله "الشعب الفلسطيني لن يركع إلا لله".

هنا عاد إسلام أبوشكير ليحكي لنا عن وجع غياب القاسم. لكنه وجع وللأسف يضاف إليه وجع الدماء التي تفيض من حولنا، حيث رصد الشاعر هذه التحولات التي تعيشها الأمة وهذه الهزائم التي نحياها كل يوم. إلا أن أبوشكير استحضر الأمل كجزء أساسي من حيواتنا كما الهزائم. مترجماً إياه في الجلسة التأبينية التي تدل على أننا لا نزال نعشق الحياة، الفن، الأدب. وعلى أننا لسنا مهزومين من الداخل، فنحن هنا لنتجاوز آلامنا وإحباطاتنا.

أما الدكتور أحمد برقاوي، فاختار من المعاني الفلسفية التي يجيد توظيفها دائماً، ما يليق بالموت والفقدان، منها الشذرات التالية: "نهزأ بالمعنى الكلي وراء الموت المجرد، فنكشف عن اللامعنى عبر سخرية فلسفية في النهاية نعرفها... لكننا وما أن ندخل عالم الموت الخاص حتى تنفجر الروح ألماً. كل موتٍ هو موت خاص وكل حزن هو حزن خاص ونحن لا نختار الحزن الذي يليق بالموت الخاص بل هو الموت الذي يعين حزننا. فاللغة لا تطيق الصمت أمام الرحيل الأبدي".

وقال: "موت سميح موت خاص.. وحزننا حزن خاص".

مزج البرقاوي بين شخصية سميح القاسم مناضلاً وشاعراً وبين الإنسان الفلسطيني في تعلقه بأرضه وبقضية بلده. حيث صارت القضية حياته كلها. طارحاً مجموعة من التساؤلات من وجهة نظر الفيلسوف تجاه المصير الشعري بعد غياب القضية.

ولأبوشكير وقفته الخاصة بعد كلام البرقاوي، إذ قال: "أن يكون سميح القاسم مع فلسطين فلأنه فلسطيني، وأن يكون مع أية قضية أخرى فلأنه إنسان شاعر، والشاعر إنسان كوني".

مضيفاً أننا لا نستطيع أن ننظر إلى القضية إلا باعتبارها قضية حرية.. حرية إنسان.. إنسان يتوق إلى الحرية.

من جهته قدم الشاعر والناقد إبراهيم اليوسف شكره لروح سميح القاسم التي جمعتنا هذا المساء. مبيناً أنه موجود في هذه القاعة ليحاول تقديم مقاربة من عوالم شاعرنا الكبير. مستهلاً الحديث بما كان قد كتبه القاسم مقاوماً لمرضه:

اشرب فنجان القهوة

يا مرض السرطان

كي أقرأ ببختك في الفنجان

ثم انتقل اليوسف إلى التجربة الإبداعية التي أحاطت بحياة سميح القاسم، موضحاً أن أية مقاربة من عوالم القاسم هي مخاطرة كبرى في الشعر والنقد. موغلاً في حديثه عن مرحلة شعر المقاومة. متوقفاً عند موقف شاعرنا من ثورات الربيع العربي الذي كان شبيهاً بموقفه من القضية الفلسطينية، حيث أنه فرح بسقوط أكثر من نظام حكم، إلا أنه يسجل عليه تفاؤله بنظام دمشق.

وقرأ اليوسف ما كتبه الراحل عن الموت، متحدياً إياه:

أنا لا أحبك يا موت

لكنني لا أخافك

أعلم أني تضيق علي ضفافك

وأعلم أن سريرك جسمي

وروحي لحافك

أنا لا أحبك يا موت

لكنني لا أخافك