لا عنصرية بالمغرب رغم أنف هؤلاء

لقي مهاجر سنغالي مصرعه الأسبوع الماضي بضواحي طنجة إثر مشادة بين شبان طنجويين ومهاجرين أفارقة. طنجة تلك المدينة الساحلية التي تقع قبالة الشواطئ الأوروبية، يعتبرها هؤلاء المنحدرين من جنوب الصحراء، محطة عبور إلى الضفة الأخرى. وقد أوقفت السلطات المغربية، ثلاثة مشتبه فيهم في ارتكاب جريمة قتل المهاجر السنغالي.

العنف حالة عامة تمر بها كافة المجتمعات. ما حدث مع السنغالي بول ألفور ندو، لن نقول بأنه عنف عنصري موجه ضد اللون الأسود. المسألة أعقد بكثير، والتجني على المغاربة عامة كونهم عنصريين يجانب الصواب.

تسييس المجالات المتعلقة بالحقوق والواجبات يجعل من حالة ظرفية وعابرة كهذه، محورا لكثرة التأويلات والتأويلات المضادة. ما يجعل النقاش الجاد يخبو أمام تجييش الآراء العنصرية، والأصوات المتطرفة.

مثل هذا الحادث وغيره يكون فرصة مواتية أمام الأعداء والخصوم لكي يضعوا الملح فوق الجرح.

أعداد المهاجرين من جنوب الصحراء واقع مفروض على المغرب. وقد سارعت الرباط إلى تبني سياسة تعطي لهذا العنصر الوافد حقه في الإقامة وما يترتب عنها من حقوق وواجبات. فأن تستقر بالمغرب ليس معناه انك فوق القانون وثقافة المجتمع وتقاليده.

لدينا مهاجرون غير نظاميين تمتلئ بهم الأزقة والأحياء بكافة المدن المغربية. يتدبرون حياتهم وينخرطون في ممارسة اعمالهم دون أن يتعرض لهم احد. هناك الكثير منهم يمتهنون تجارة بسيطة أو يتسولون في الطرقات. فيتعاطف معهم الكثير ويتبرم منهم آخرون. شيء طبيعي.

هناك من ينجرف إلى حافة الأعمال غير المشروعة. فيرتاب في سلوكهم آخرون. ويعترضون عليهم ويوقفونهم عند حدهم. كون هؤلاء الوافدون يعتدون ويقطعون الطرق وينخرطون في زعزعة أمن المواطنين.

لقد بدأت السلطات المغربية في إجراءات ترحيل 24 مهاجر غير نظامي بعد الأحداث المؤسفة بطنجة. وعندما نقول إجراءات فالأمر متعلق بقوانين ومشاورات مع سلطات الدول الإفريقية التي ينتمي إليها هؤلاء المهاجرين. الأمر هنا لا يعدو كونه طبيعيا. بالنظر إلى أنه متعلق بالمس بالأمن والنظام داخل الدولة المضيفة.

لا ندعو هنا إلى شرعنة العنصرية واستعداء الأجانب. في الآن عينه لا نتعاطف مع أصحاب مبادرات بحسن نية أو لأهداف مدسوسة، يقتنصون حالات تفرضها ظروف المجتمع وإكراهات الواقع المعيش، لكي يصنعوا منها منصة يستفرغون فيها كل أنواع التنكر لما حققه المغرب في مجال التعامل مع المهاجرين الأجانب بغض النظر عن لونهم ودينهم وجنسهم.

لم يحدث أن أهدر المغاربة دم الآخر لكونه اسودا أو احمر أو اصفر. والسنغالي بول ألفور ندو. ضحية لنموذج من المهاجرين الذين احتضنهم المغرب. فلم يتعرفوا على حدودهم المرسومة. أرادوا استفراغ كبتهم المضغوط فكانت المواجهات مع أصحاب الدار.

القصة القبيحة في طنجة كمكان للواقعة المؤسفة. لا تعبر عن حقيقة المغاربة. المغاربة دائما ما احتضنوا هؤلاء وغيرهم لأنهم أحسوا بوضعيتهم وتعاطفوا مع حالتهم. وأرادت الدولة الإفادة منهم بإدماجهم في الدائرة الاقتصادية والاجتماعية.

هؤلاء الذين ارادو العبور إلى "الجنة الأوروبية". استقروا بالمغرب. سكنوا وأكلوا وهاج بعضهم وأراد الهيمنة على الدار وأهل الدوار. احتلوا منازل مغاربة هاجروا قبلهم إلى تلك الجنة الموعودة فخاطوا الليل بالنهار لأجل لقمة وسقف يسكنون تحته. لكن الوافدين احتلوا الدور واستفزوا الأحاسيس فكانت المواجهات.

سكن المهاجرون بأحياء طنجة بعضهم احتل المكان في دور العمران. والبعض سكن بإيجار.المهم أن هؤلاء الوافدين غرتهم الأماني واستوطن الشيطان أهواءهم. فقاموا بأعمال ضد البلاد وأهلها واستباحوا ما هو محرم. فما كان من أهل البلاد إلا أن قاموا بالدفاع عن أنفسهم.

أين العنصرية هنا.

مجرد أن القتيل مهاجر سنغالي تصبح التهمة ملتصقة بالكل من طنجة إلى الكويرة. وبأن المغاربة يقطرون عنصرية. والأدهى أن هناك من يلعب في زمن الصدفة، وفي مكر اللحظة. ليستخرج من خطأ الحادثة ما يشوش به بين بلدين نسجت بينهما خيوط المحبة والمودة والمصالح المتبادلة خيوطا رفيعة.

المغرب والسنغال بينهما ما يجمع أكثر مما يفرق. والحوادث تسوق أخرى في مسيرة الشعبين والدولتين. لكن هذا لا يفسد ما بناه الأولون ويحنو عليه اللاحقون. في السياسة والدين والاقتصاد.

انخرط المغرب في عملية إدماج هؤلاء الوافدين. هذا البلد الذي لا يتوفر على مخزون نفطي أو غاز وبالكاد يحاول بناء اقتصاده ومجتمعه. انخرط في سياسة الإدماج، رغم أن الأوروبيين وعدوا بالمساعدة في الأمر. لكن كلامهم أكثر بكثير من هزالة ما يقدمونه. وعظم ما يستفيدونه.

كل مرة وعندما يحدث طارئ من هذا القبيل يتحدث البعض عن العنصرية. وكأن هذه الأحداث تقع فقط هنا بالمغرب. ونسيان انها عابرة لكل الدول والعصور.

قبل سنة صدر عنوان في مجلة ماروك ايبدو، «الخطر الأسود »، كان العنوان صادما للبعض ومثيرا عند آخرين تطلب ردود أفعال متباينة. ما جاء في الغلاف ومتن المقال، أراد صاحبه في حينه سبقا صحفيا. ولم يرقى إلى كونه تعميما إحصائيا لعلاقة المغاربة بالأجانب.

احتكاك المهاجر من جنوب الصحراء بالمغربي، ليس الأول أو الأخير. فعندما ارتضى هؤلاء الاستقرار بالمغرب. فهذا يعني أن الاحتكاك والاصطدام سيكون واقعا بين المهاجرين مع بعضهم البعض أو مع سكان الأحياء المغاربة.

ولن نذهب بعيدا فالجارة الجزائر عقدت العزم على إيداع كل المهاجرين كانتونات لعزلهم. بغض النظر عن السحنة واللغة وبلاد القدوم. أين يمكن تصنيف هذا المسعى من دولة تعوم فوق بحر من النفط والغاز واحتياط مالي ضخم ورصيد من المقولات الحقوقية اتجاه إفريقيا وبلاد العربان؟

انظر معي أيضا إلى تلك الاستفزازات التي طالت الجالية المسلمة بإقليم الكيبيك. من طرف جماعة "وطنيي ساجوانَايْ"، فهل هذه الجماعة هي كل كندا؟

الجماعة ومناصروها كنديون استحلوا العنصرية منهجا يتناغم مع توجهاتهم وأجنداتهم. لكن لن نعمم الحكم على كل الكنديين.

لا يوجد لدينا حزب يميني يريد اجتثاث الأغراب لمجرد الادعاء بأنهم لا يشبهوننا. فالمغرب به أيضا مواطنون سود ولا يشكل الأمر أية سبة عنصرية.

المغاربة هم أيضا في حاجة إلى عناية وحماية من سلوك بعض العابرين الذين أصبحوا مستقرين ومستفزين.

السنغالي والسيراليوني والايفواري... كلهم أتوا من جنوب المغرب. هذا البلد الإفريقي بالجغرافيا والتاريخ والانتماء، لا يمكن لأي كان أن يدعي بأن أهله ضد الأفارقة. فالمغاربة أفارقة بالهوى والسليقة والجينات المتداخلة.

فالتاريخ يحكي حكايته.