داعش والنصرة... والهدم العملي لمبدأ الولاء والبراء

ربما يُخيل للبعض أن الجهاديين أكثر الناس تمسكاً بعقيدة الولاء والبراء التي لا يصح اسلام العبد الا بها، وذلك لما يبدونه من حرص وتأكيد في ادبياتهم على هذا الأصل العظيم.

بل إن الجهاديين يستعملون هذا المبدأ للطعن في أعيان الأمة وعلمائها واتهامهم بموالاة الساسة الظلمة وعدم البراءة من منكراتهم والقعود عن قتالهم.

والجهاديون ربما آمنوا بهذا المبدأ بألسنتهم إلا أن أفعالهم لا توحي بوجود فهم صحيح لهذا المبدأ. والسبب في الانفصام بين الفكرة والتطبيق، هو فساد التصور والجهل بالمعتقد السلفي والتطفل على أصوله واتخاذها كشعارات ثورية مفرغة من أي مضمون حقيقي وأثر واقعي.

ربما لم تتشابه طريقة الجهاديين مع طريقة العلمانيين والمستغربين في الإخلال بعقيدة الولاء والبراء، لكن الجميع يشترك في الصدام مع الأمة والانحياز عن جماعتها والانصراف عن أصولها.

لقد جعل الجهاديون -القاعدة وإخوانها- معيار الولاء والبراء متعلق بجماعتهم منوطا بمخالفتهم أو موافقتهم، فعزلوا أنفسهم عن مجموع الأمة وظنوا أن فعلهم هذا موافق لما فعله إبراهيم عليه السلام حينما تبرأ من قومه المشركين ومما يعبدون من دون الله.

فقبل أن يتبرأوا من المشركين ويعادونهم، تبرأوا من أمتهم التي لا توافقهم على ثوريتهم، وهذه العقلية الصدامية حملوها إلى ارض الحرب فلم يصبروا حتى خروج المحتل أو الانتهاء من العدو وإنما اخذوا يحاكمون المسلمين على منهجهم ويصنفون الناس على أساس الموافقة والمخالفة لما يعتقدونه، فمن خالفهم نأوا بأنفسهم عنه ونظروا له بارتياب، ليتطور الأمر إلى القدح المعلن والمبطن في عقيدته وإسلامه، ثم تكون الكارثة بإعلان الدولة وفرض البيعة ليصبح هذا المخالف مرتداً لمجرد المخالفة!

وهذه طريقة المبتدعة أنهم يُحدثون رأياً ويحملون الناس عليه بالقوة كما فعلت الخوارج والمعتزلة والشيعة وبعض أشاعرة المغرب كمحمد بن تومرت، حتى صح عن بعض السلف قوله "ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا فيها السيف".

وبدعة الجهاديين أصابت قاعدة الولاء والبراء فلم يعد المعيار عندهم "الطاعة والاستقامة وموافقة الشرع" وإنما المتابعة والرضى بما هم عليه، وهذا الانحراف يزول معه أي اثر لمحبة المسلمين ونصرتهم وموالاتهم. فالقاعدة وإخوانها (داعش والنصرة) لا تخوض معركة ضد الكفر والشرك وحده، وإنما هي معركة ضد مخالفيها من السلفيين والمجاهدين والمدنيين بالإضافة إلى الكفرة المعتدين!

فلا يمكن للجهاديين ادعاء محبة المسلمين، خاصة وأنهم:

1- ينقمون عليهم السكوت على منكرات الحُكام كما يقول أبو محمد المقدسي في كتابه ملة ابراهيم "أكثر الناس اليوم قد دخلوا في دين الحكومات ودين الطواغيت مختارين بلا إكراه حقيقي، وإنما استحباباً للحياة الدنيا ومساكنها وأموالها ومتاعها ومناصبها على دين الله، وبذلوه وباعوه بأبخس الأثمان، فإياك أن تكون منهم فتصبح من النادمين".

2- ولا يبالون بالأرواح عند اتخاذ القرارات العسكرية التي لها تبعات كبيرة على مجتمعات المسلمين، بل لهم جرأة على سفكها لا يبقى أي اثر للمحبة.

3- ويسارعون الى تكفيرهم، ولا يرفقون بعوامهم.

4- ويلزمونهم بمبايعة المجاهيل، ويأمرون عليهم الجهلة والغرباء.

فهذه السلوكيات لا تشير الى وجود الرحمة والرأفة المأمور بها شرعاً، ولا تشهد لأصحابها بمحبة المسلمين.

أما الانتصار للمسلمين فهو بعيد عن أخلاق القاعدة بالرغم من أنهم يتخذوه درعاً يستجنون به، وذريعة يتوسلون بها لشرعنة أعمالهم.

فالحزبية والعصبية للمنهج مقدمتان على مصلحة المسلمين، والمسارعة إلى الصدام مع الداخل واصطناع العداوات في صفوف المسلمين وافتعال الأزمات مع شركاء الميدان، تؤكد أن هؤلاء القوم لا يجدون قاسماً مشتركاً يجمعهم مع سائر المسلمين.

وإذا جئنا الى المبدأ الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية والذي ينص على أنه "إذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر". فالقاعدة أول من خالفه وأنكره بسلوكها.

فلم يرضَ الجهاديون من المسلمين إلا الطاعة العمياء، ومن تورط بمخالفتهم تراهم يتدرجون في تجريده من الإيمان حتى يصبح تكفيره واستحلال دمه من المعلوم بالضرورة عندهم.

وحينما تفكر القاعدة بجمع الفصائل تحت رايتها، أو تعلن قيام الدولة في الوقت الذي ينشغل به الجميع بمحاربة العدو فإن هذا الجنوح الفكري والشذوذ السلوكي يؤكد انعدام الأرضية الفكرية بين القاعدة وسائر العاملين.

فمنطق التمرد على الجميع لا يصلح معه فقه سليم لمفهوم الولاء والبراء، لأن الجماعة المسلمة التي يتمحور حولها موضوع الولاء والبراء ليست عند القاعدة سوى أمة خانعة تخذل المجاهدين، والوصاية على الدين وتزكية النفس واتهام الغير، وطلب الرئاسة (الخلافة والدولة الإسلامية) لا تُنبئ بوجود مشاعر أخوية بقدر ما هي نزعات مجنونة نحو السلطة.

وهذا النهج الدكتاتوري ساق القاعدة إلى أحضان العدو الايراني الذي وجدت نفسها مضطرة للتعامل معه والتغاضي عنه لأنها سدت منافذ الاتصال والتعاون والتواصل مع المسلمين، ولم تكن لهم ضوابط شرعية في سياستهم وإنما نظروا فيما يحقق مصلحتهم فأخذوا به حتى وإن صادم الولاء والبراء.

علاقة القاعدة بإيران في الميزان السلفي

ان كان البعض يصنف علاقة الحكام العرب بالانظمة الغربية واسرائيل بانها خيانة وقدح في العقيدة، فالعلاقة مع ايران أعظم خيانة، والطاغوت الذي أمرنا الله تعالى بالكفر به وعدم الركون اليه إنما هو وصف يصدق على ايران قبل دولة اسرائيل وانظمة الغرب.

فكل شر في المحاربين من اهل الكتاب يوجد أضعافه عند الايرانيين، وهذه حقيقة لا يعرض عنها كثيرون تجاهلاً أو إنكاراً، لكن السلفي العاقل يسلّم بهذه الحقيقة دون جدال.

فحينما تكف القاعدة يدها عن ايران، في الوقت الذي تستهدف فيه الدول العربية، فلن نجد غير الخيانة وصفاً لهذا العمل، بل إن آفاق التعاون بين الطرفين أوسع من غض الطرف وعدم التعرض لإيران، فما جرى ويجري في العراق والشام من تعاون سري وتواطؤ بين الانظمة الشيعية ومليشيات القاعدة باب يطول الحديث فيه، ويغني عن هذا كله الحقيقة التي تؤكد ان القاعدة بأعمالها تضعف الجبهة السنية وتنشط في أماكن الصراع الإسلامي الشيعي لإضعاف المسلمين، وهي حقيقة تُدرك بالتواتر والمتابعة ولا يقف أمامها عاطفة حب المجاهدين والذب عن أعراضهم والتماس العذر لهم.

ومن يبرر القاعدة ويجد لها عذراً في تعاملها مع الطاغوت الإيراني، فالأعذار متوافرة لمن يتعاون مع الغرب ودولة إسرائيل، والمصالح المتحققة من تعاون العرب مع الغرب لا يمكن مقارنتها بالمصالح المتوهمة التي يبحث عنها أنصار القاعدة والمجادلون عنها.

ان المشهد الكئيب في العراق والشام لا يرسمه أعداء الدين وحدهم، وإنما يساهم فيه الفساد المتجذر في مناهج الغلاة الجهاديين، وهذا يدفعنا للبحث في طبيعة الانحراف الفكري الذي دفع بهؤلاء الى صف العدو وهم لا يشعرون، وربما يشعرون لكنهم مقتنعون بأنه يسوغ لهم ما لا يسوغ لغيرهم.

ان نقض عقيدة الولاء والبراء لا يكون بمجرد ميل القلب الى المشركين ومحبتهم وتوليهم وترجيح كفتهم على المسلمين، بل يكون بعمل يؤدي الى نفس النتيجة، فالكفر ونقض الايمان يكون بالاعتقاد القلبي والقول الصريح، والعمل الظاهر دون ان يستلزم ذلك نية للكفر وارتضاء له وإيثاره الإسلام، هذا هو مذهب السلفيين، لكنه ليس مذهب المجادلين عن القاعدة وفصائلها المنشقة عنها.