في مشكلة أن نكون كلنا أبرياء

هل كان على الشعب العربي أن يؤيد جمال عبدالناصر في رغبته في الاستقالة من منصبه حين ضربتنا نكسة يونيو/حزيران 1967 بسبب اهماله غير المتعمد؟

لو فعلنا ذلك لكان التاريخ، تاريخنا المعاصر قد تغير بشكل جذري.

كان الرجل نبيلا في مسعاه. أقصد مسعى اعتزال العمل السياسي وكان بالنسبة للكثيرين نصف اله. ولكننا رفضنا الاستسلام لفكرة أن يكون الرجل ناقصا. رفضنا التعلم. رفضنا أن نكون بشرا كالآخرين، حين يخطئ أحدهم يكون عليه أن يدفع ثمن خطأه.

صرنا نبحث عن أسباب لبراءة عبدالناصر في خيانة الآخرين من حوله. "ولكنهم بطانته، صفوة قومه، موقع ثقته، الرجال الذي صنعوه وصنعهم في مسرحية كنا شهودها السلبيون".

كان ذلك كلاما لا ينفع. بالنسبة لنا فإن عبدالناصر المعصوم من الخطأ كان بريئا. رمز قوميتنا لابد أن يظل بريئا، سيقال إنه كان نزيها. ما علاقة النزاهة بغفلته التي مكرت بنا وقلبت الأرض من تحت أقدامنا، ما علاقتها باختياراته السيئة التي كانت تقوم على أساس الموالاة وليس الكفاءة. ما علاقتها بخططه العسكرية التي كانت مثقوبة ومخترقة.

الرجل الذي قادنا إلى الهزيمة ظل بطلا وفي الوقت نفسه كان بريئا من أسباب الهزيمة.

ولو اقتصرت المشكلة على عبدالناصر لهان الامر، مع أنه لن يهون.

لقد ارتكب الرئيس العراقي صدام حسين من الأخطاء ما لم يرتكبه أحد سواه، غير أن أحدا لم يكن معنيا بتلك الأخطاء في ظل ما أحيط به الرجل من رمزية بطولية دفعته إلى تحويل هزائمه إلى انتصارات، وهو ما الهم محبيه من العرب الكثير من الاوهام التي لم تستنفد قدرتها على التأثير حتى بعد أن أحتل العراق وجرى تحطيم دولته التي كافح الأجداد من أجل بنائها، لقد سلم صدام حسين بسبب أخطائه التي لا تحصى العراق بكل ما عليه وبكل ما تحته إلى الغزاة من غير أن يكون مذنبا. وبسبب رعونة وانحطاط أعدائه فقد ذهب إلى الموت بطلا. حلمه الذي استغرق حياة كاملة حققه موت ارتجالي لا يمكن نسيانه. في تلك اللحظة كان علينا أن ننسى أخطاءه لنعلنه بريئا من كل ما لحق بنا من مآس. بدا الرجل الذاهب إلى الموت كما لو أنه لم يكن سببا في ما تعرضنا إليه من عمليات إبادة. كان بريئا مثل طفل يعود من المدرسة ليجد قريته وقد محيت بسبب زلزال ضربها.

يمكننا أن نقول الكلام نفسه عن القذافي، عن البشير وقبله النميري، عن حسني مبارك وقبله السادات، عن بشار الاسد وقبله أبيه، عن علي عبدالله صالح وقد تلاه في الحكم نائبه. ولكن هل تتعلق المشكلة برغبتنا في أن يكون زعماؤنا ابرياء أم أن المشكلة تقع في حاجتنا إلى أن لا نتعثر بذنوبنا لنخلص إلى مرايانا باعتبارنا كائنا بريئة؟

كانت البراءة عنوانا لهلاكنا الذي بدأ مجازيا لينتهي إلى صلابته الواقعية.

نحن اليوم أمة هالكة لا يمكنها أن ترفع يدها لتشير إلى مواقع أخطائها.

ربحنا ابطالا غير أننا خسرنا حياة لم يعد في إمكاننا تحمل شروطها. صرنا أبرياء في مواجهة حياة لم نعشها كما يعيشها الآخرون. سنقول دائما "إن تلك الحياة التي خسرناها لم تكن من صنعنا" فلمَ لم نحاول أن نصنع الحياة التي تليق بنا، كائنات بشرية تلام وتعاقب وتركن جانبا حين تخطئ؟

أعتقد أننا ضربنا مثلا سيئا للبشرية حين قبلنا بالخطأ السياسي باعتباره عنوانا للبراءة التي صارت بالنسبة لنا مرادفة للسذاجة والغباء والعناد. وهو ما ندفع ثمنه اليوم، من غير أن نعترف أننا قد أذنبا في حق تاريخنا الذي بقي نائما وإنسانيتنا التي بقيت معلقة.

لم نبحث في ما بيننا عمن أخطأ لنتعلم درسا من ذلك الخطأ.

كنا أبرياء من خراب صنعناه بأيدينا.