'يا هالة جنب القمر' .. شهامة سكندرية في فن الزجل

جت تجمِّل.. شط لؤلؤ موج بحوره

أضفت الإسكندرية على أبنائها من الصفات الطيبة الكثير، أهمها صفة الشهامة التي تتجلى في قوة الفعل وصدق القول ونصرة الضعيف والدفاع عن المظلوم وكرم الضيافة والإنتماء إلى كل ما هو جميل وعريق.

وحسن أبوسونا واحدٌ من هؤلاء تجده في محافل الأدب زجالاً يتغنى بسكندريته منتمياً إلى ترابها وبأسها شهماً في أفعاله وأقواله يملأ سماء الزجل بعباراته التي تؤكد قيمة الإنسان وقدرته على الخوض في بحر الحياة والتأثير فيها تأثيرا قوياً بنّاء.

ولم يأتِ ذلك من فراغ بل من جذور عميقة - شخصيّة وحياتيّة - فهو ابن أسرة سكندرية أصيلة ثرية وهو أحد تجار الإسكندرية المعروفين والذين علمتهم التجارة الثقة في المعاملة والسرعة في التعامل، فانعكس ذلك على إبداعه الزجلي فخرج إلينا صادقاً مؤثراً.

ولطول عشرته بفن الزجل وروّاده أثر بالغ في أعماله الزجلية، فنجده قد تأثر بقوة بيرم التونسي وتأمّل كامل حسني وبساطة محمد مكيوي إلى جانب الحكمة التي قد أتته من قراءته لابن عروس، ويُحسب له أنه لم يخرج علينا صورة متكررة من أحد الزجالين بل تميز بصياغة زجلية يستطيع القارئ أن ينسبها إليه دون تردد فهو يوظف الكلمات وفقاً لأدائه النفسي والفني لا وفقاً لموقعها في الجمل، وله القدرة على التقديم والتأخير في الألفاظ وخلق موسيقى ظاهرة يتعمدها من خلال تشابه الحروف الأخيرة في مفرداته أو تكرار حرف واحد في مواضع مختلفة فيها.

وديوانه "يا هالة جنب القمر" يعكس لنا شهامته السكندرية وانتمائه إليها، ولعل أبرز مدخلٍ إلى ذلك إبراز سمة سكندرية أصيلة وهي احترام الرجل للمرأة وتوقيرها والحفاظ على الأسرة ومحبّة الأبناء ويقول في زجله "المرأة قيمة وقمة":

"كانت مشاركه.. للرجل فى جميع أموره

ماليه دورها.. وهوّه برضه مالى دوره

ضىّ بدر.. ليه تراعى وعاشقة نوره

لى تكمِّل.. شئ زيادة مالى تحمِّل

جت تجمِّل.. شط لؤلؤ موج بحوره"

وهذه الخماسية الزجلية تؤكد على قيمة المرأة في حياة الرجل، فهي الزوج التي تشاركه حياته وتكمل دوره وتجمل خطوته.

ونلمح هنا التورية في كلمة دورها فهي تفهم على معنى الدور أي البيت، وأيضاً على معنى المهام التي تكلف بها.

ونلحظ أيضا الموسيقى الظاهرة المتعمدة في جملة: "لى تكمل.. مالى تحملّ.. جت تجمّل" وهي سمة من سماته في الصياغة الزجلية، وتنتهي بصور شعرية رقيقة وجميلة في "جت تجمِّل.. شط لؤلؤ موج بحوره" والتقديم والتأخير هنا لشد الانتباه ولفت النظر والتأكيد على ما أراده من معنى.

وفي خماسيته الزجلية بعنوان "يا هالة جنب القمر" عنوان الديوان يخاطب ابنته "هالة" مؤكداً على اعتزاز الأب بابنته والتفاخر بخصالها النبيلة:

توب الأدب مين نسج.. زيه وضاهاكى

دا (المولى) أنعم وبيه.. فوقك وحاباكى

وخيوطه واهب لها.. مين اللى حاكاكى

واللى وقلبه مع (ربه).. الجميع حَبّه

وجنبه القبول ع المدى.. ووحده الرضا إداكى

***

ويلاحظ القارئ أنه لم يلتزم بوضع الكلمات في مكانها في قوله: دا (المولى) أنعم وبيه.. فوقك وحاكاكى، ولكنه يصل إلى معناها بل يحلو له أن يرددها كما جاءت وتلك سمة من سمات أبي سونة.

وبعد أن أكد لنا أبو سونة اعتزاز السكندري بأسرته ينتقل بنا إلى صورة أخرى من صور المنتمي إلى بلده وأرضه الحبيبة الإسكندرية، ويتغنى بمحافظها الجاد المعطاء محمد عبدالسلام المحجوب الذي في عهده عادت الإسكندرية موجة حب على أرض مصر متجددةً وساحرة وخلابة, ويقول في زجله "إنتى ماريا" مخاطباً الإسكندرية:

"محجوب" غالى.. دايماً بينا وزاد مقداره

علشان حبك.. نجمات هادت.. ولأنواره

وانتى يا غالية.. بيه ومشاغله الليل بنهاره

بساتين خضر.. ومعاه عشق بحبه بيكتر

أد - ما يقدر.. إدّا ولسه الخير بمساره

ويقول – أيضاً - في زجله "ميرميد":

وموج شباكك شبك.. اللى انشبك بيكى

والبحر الابيض بلولى الشط.. حابيكى

بنسيجه صدرى انشرح.. والقلب هام بيكى

جنّة بهواكى.. وهوى المحجوب دا هواكى

ومين وبيكى سمع.. وما كان وشاريكى

ونلمح في قوله:

ومين وبيكى سمع.. وما كان وشاريكى .. استلهامه للحوار اليومي السكندري وبيئته اللفظية، فأبناء الإسكندرية يقولون لمن ينكر شيئاً لديهم "دا لا كان ولا بقى". فيستخدمها في موضع مفاجئ للقارئ يجعله لا يملك غير أن يبتسم أمام هذه الصياغة.

وتتأكد شهامة السكندري في الاعتزاز بوطنه مصر ونيلها الخصيب بقوله:

صباح الخير يا محروسة.. يا طارحة طرحتك فوقى

يا زينة الدنيا يا عروسة.. يا ساقية الدم لعروقى

ومنى وليكى كام بوسة.. ويمّك بالرضا شوقى

ما تكسفنيش.. أنا حالف بعزيتك ما أزعلكيش

وما نفوتكيش.. ونرضى تكونى لى طوقى

والمحروسة هي مصر عاشها "أبوسونة" منذ حُكمها الملكي الذي وصفها بالمحروسة، وفي استخدام هذه الصفة دلالة اعتزازه بعمره الشاهد على سنوات الحياة – بين الأمس واليوم - وكأنّ في هذه الدلالة تأكيد على مصداقية قوله. و

ينجح في استخدامه "النيل" كمعادل موضوعي لكل ما في مصر من عريقٍ أو تليد أو تاريخ مشرف فيقول:

النيل طلع .. بحتر ما صادفنى

أسمر عشق جيتى.. مفتون بى عارفنى

وكونى مصرى أنا.. دا شئ يشرفنى

با اعشقها أصلى ابنها.. وقطوف ولى بغصنها

حلوة وضحوك سنها.. دايما تكاتفنى

ونصل في هذا الديوان إلى قمة صور الشهامة من ابن البلد تجاه وطنه الحبيب من خلال حوار درامي يتضمن اللوم اللطيف منه إلى وطنه مؤكدا على أن كل ما يملك فداءه فيقول:

طلبت إمتى وقولنا إحنا.. ما معناش

ومين شاورت وليه يرمشك.. راح ماجاش

ومين وشافك شوق سناده.. قال بلاش

مين يا وطن.. يا اللى وقلبى وفيك سكن

ومين وبيك.. والدنيا فيك وماحبهاش

ويقدم لنا أبوسونة واحدة من صوره الشعرية المميِّزة له في قوله:

ومين وشافك شوق سناده.. قال بلاش

وفي خماسيات زجلية أخرى يتمسك بالأمل ويبرز آثاره الطيبة في النفس والمعاملات والعلاقات، وفي ذلك تأكيد على أن الشهامة نبضها السعي فى أملٍ وتفاؤل وهو يرى أن امتلاك الوجود مشروط بعدم فقد الأمل:

كونك بتفقد أمل.. يعنى فقدت وجود

مفروض تعايشه برضا وترضى.. ما بيه موجود

دا - أكامها شح بزمن.. وأكامها ليه م الجود

الصبر لازم.. مالازم تقرا ليه ملازم

دا - أكم طريق وانفتح.. وبسد كان مسدود

وقد أحسن هنا استخدام الطباق بأن يأتي باللفظ في معنى ويأتى بعكس معناه في لفظة أخرى "شح/ الجود – انفتح/ مسدود" وهو من الأساليب البديعية المحببة الاستخدام في مثل هذه الأغراض والمؤثرة في نفس المتلقي.

ومما تقدم نرى أن أبا سونة قد وظّف ما يملك من أدوات زجلية في سبيل توصيل مضمونه الذي يعدد فيه صور الشهامة وهي نهجه في الحياة وخطوهُ في الوجود من خلال ديوانه الزجلي "يا هالة جنب القمر".