داعش... اِسْتِغْلالِ الوِلايَاتِ المتحِدَةِ للدِّين

من القاعدة إلى داعش أمريكا إلى أين؟

حينما يذكر اسم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الشام والعراق، فإنك على الفور تجد نفسك التي قد تأمرك بالسوء دوما إلا من رحم ربي بين أمرين ؛ الأول أنك تجد امتقاعاً وامتعاضاً تجاه هذا التنظيم كونه يسعى إلى تقويض الكيان العربي الذي لم يكن متحداً يوماً ما حتى في ظل قيام مؤسسات مثل جامعة الدول العربية، وتجد حالك في هيئة المناهض لهذا التنظيم الذي يوصف ليل نهار بالدموية والبعد عن شعائر الإسلام الحنيف، وتجدك مشدوهاً في حمية إلى البرامج الفضائية التي قل عدد مشاهديها والتي تتناول أمر هذه الدولة المزعومة والتي تسعى إلى إقامة دولة جديدة تحكم المنطقة العربية وتنطلق منها إلى أوروبا لحكمها وسيادتها.

لقد بات الموضوع مكروراً وباهتاً بصدد الحديث عن المذابح التي ارتكبت في العراق على أيدي تنظيم داعش بحق المسلمين هناك، وكذلك الأقباط الشئ الذي لم يدع للعقل برهة في التفكير بشأن هذا التنظيم الذي بدا جسماً غريباً داخل نسيج دول المنطقة العربية.

تعاطف سلبي

الأمر الثاني أنك تجد نفسك اليوم مضطراً كرهاً، وليس طوعاً، إلى التعاطف النسبي غير التام مع تنظيم الدولة الإسلامية داعش رغم كافة صور الوحشية التي تم ارتكابها تحت مظلة دينية لا تتصل بالإسلام الذي يعتنقه الملايين في شتى أنحاء المعمورة. هذا التعاطف غير الإيجابي لا يعد من قبيل الإيمان بفكر هذا التنظيم وطرحه الذي بزغ لنا في أشكال متوحشة لا تعرف لمساحة الإسلام سبيلاً، ولا لفطرته النقية طريقاً، لكن هو تعاطف من جهة تأويل هذا الازدحام الطبيعي من دول حلف الأطلسي صوب القضاء على تنظيم داعش كونه يمثل خطراً كبيراً على دول المنطقة.

وعود إلى حال المواطن العربي إزاء تنظيم داعش، فموقفه الأول يبدو طبيعياً صوب فصيل لا يمكن أن ينتمي للإسلام بصلة أو جهة اللهم سوى إعلان الشهادتين فقط، لذا فالمواطن بامتداد الوطن العربي يرفض وجود مثل هذا الفصيل وغيره سواء كان هذا الرفض عن طريق بيانات سياسية لا تجد صداها لأنها قد تصدر من مؤسسات سياسية لا تكترث بالمواطن نفسه، أو من خلال صمت اعتاد العربي على استخدامه طوعاً إزاء الأحداث الجسام التي تعتري وطنه الكبير.

والقضية التي تحتاج إلى ثمة تأويل اليوم هي حرص حلف الأطلسي على موافقة دول المنطقة العربية بشأن توجيه ضربات عسكرية مباشرة صوب تمركز تنظيم داعش هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما جاء في سياق خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما من أن هذا التنظيم يمثل خطراً حقيقياً على الدول العربية، وأنه يسيئ إلى الدين الإسلامي، وهذا يعيدنا إلى تقرير عقلية الإدارة الأمريكية والدول الحليفة لهذه الإدارة التي لا يمكن الغفلة عن دورها في صناعة داعش والقاعدة وغيرهما من التنظيمات المسلحة التي قامت بتعزيزها تارة وبتكريس قواعدها تارة أخرى في بورما وكشمير وأفغانستان وباكستان وكوبا وبعض مناطق شبه الجزيرة الهندية. فالإدارة الأمريكية التي لم تشر من قريب أو بعيد عن خطورة تنظيم داعش على الكيان الصهيوني رغم قربه والتصاقه المكاني بوجود هذا التنظيم وأعماله الوحشية، هي بحق تعترف اليوم بانفلات تنظيمها الوليد الذي زرعته في بورة مضطربة بالأخحداث السياسية وفي أثناء فوضى وعبث ثورات دول المنطقة.

خوف أمريكا على الإسلام!

هذا يجعلنا مضطرين مجدداً لتناول طبيعة الخطاب السياسي الديني للإدارة الأمريكية التي تهرول من أجل مباركة عربية رسمية لقصف مواقع تنظيم داعش ودك حصونه وتقويض مساعيه. فمن الغريب أن الإدارة الأمريكية وهي إدارة حسب التوصيف السياسي الديني علمانية يمكن جعلها في تصنيف الدول اللادينية، وهو الأمر الذي يثير كثيراً من الشكوك حول مصداقية الخطاب الأمريكي في اجتماع دول حلف الأطلسي. وكم بات الأمر مضحكاً بعض الشيء للمحللين السياسيين وهم يستعرضون نص خطاب الرئيس الأمريكي الذي تناول فيه تنظيم داعش كونه خطراً على الإسلام والمسلمين بالمنطقة العربية الإسلامية في الوقت الذي تتبنى فيه الإدارة الأمريكية سياسة تفصل فيها العلاقة بين الكنيسة والدولة، رغم أن الدين المسيحي البرروتستانتي هو العقيدة الدينية الأكثر تغلغلاً في الهوية الأمريكية إلا أن خطوط الصدع الدينية هي التي دفت الإدارة الأمريكية إلى اعتماد العلمانية كسياسة وهوية لتسيير المهام الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن تبقى السياسة الأمريكية بعاداتها التقليدية من حيث الإيمان بأنه من الضروري إرساء تفسير معين للدين داخل الحياة الداخلية العامة وسياساتها الخارجية أيضاً وهو ما وجدناه حينما سعت الإدارة الأمريكية في تعزيز الأساس الديني للقومية الأمريكية في سياساتها الخارجية في كوبا والفلبين وأفغانستان وعراق صدام حسين والآن عراق داعش.

هل هي إعادة هيمنة؟

هذه أمريكا اليوم التي تعيد هيمنتها الخارجية التي فقدت الكثير من هيبة قدراتها الاستخباراتية، بفضل اشتعال ثورات الربيع العربي في مصر وليبيا وتونس واليمن دون أدنى أو أقل معرفة ممكنة لديها بوقت الاشتعال أو باتجاه بوصلة تحرك تلك الثورات، تسعى اليوم إلى ارتداء قناعها التقليدي بفرض الاتجاه الديني على سياساتها دونما الإعلان بأنها في حرب مقدسة مع الإرهاب كما كان الحال وقت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش للولايات المتحدة الأمريكية وهو يستعد لاستعمار العراق تحت دعاوى تطهير البلاد من حكم صدام حسين. ووقتها لم ينتبه العالم العربي وقت غفلته المستدامة إلى تصريحات بوش الابن التي أعلن من خلالها أن اتجاهه نحو القضاء على الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط تحديداً العراق جاء بتكليف إلهي، وهو الأمر الذي يعكس الارتباط الديني بالسياسة الأمريكية رغم إعلانها اليومي بعلمانيتها.

العسكراتية الأمريكية مع الإرهاب ضد الإرهاب!

ولهذا تريد الإدارة الأمريكية كسب تأييد الدول العربية وفقاً لخطاب باراك أوباما بشأن توجيه ضربة عسكرية موجعة للقضاء على تنظيم داعش، وهي في ذلك بدأت مجددا اللعب على أوتار التوجه الديني لدى العرب بأن تنظيم الدولة الإسلامية لا يتفق وتعاليم الإسلام رغم أن صمتها بات طويلاً أمام الضرب الصهيوني الموجه لقطاع غزة. ولكن الإدارة الأمريكية على امتداد تاريخها الرئاسي هي أكثر وعياً بخصوص اللجوء المباشر إلى الدين في الخطاب السياسي الرسمي، فمثلاً نجد خطاب تنصيب جون كيندي الذي يعتبره الكثير من الأمريكيين بياناً جوهرياً عن الدين المدني الأمريكي، ونيكسون الذي سعى إلى استقطاب المسيحية المحافظة من أجل القضاء على الهيمنة السياسية للحزب الديموقراطي.

التلاعب في الدين

ولقد نجح جورج بوش الابن في إظهار المقدرة في التلاعب بالدين والثقافة بشكل جيد وفعال منذ بداية حملته الانتخابية وحتى لحظات خروجه من سدة الحكم في أمريكا، واليوم يعاود باراك أوباما نفس اللعبة السياسية بعدما أدرك هو وإدارته أن الواقع العربي لم يعد مهيأ لقبول خطاب سياسي يدافع عن المصالح الصهيونية في المنطقة العربية، تماما كما أدركت أجهزة الاستخبارات الأمريكية يقظة أجهزة المخابرات العربية تحديداً مصر وسوريا والمملكة العربية السعودية وقدرتها على حجب أكبر قدر مستطاع من البيانات الاجتماعية والمدنية التي تخص مواطنيها، ناهيك عن انهيار قدرة المؤسسات والمنظمات الأمريكية التي عرفت بالمعونة الأمريكية في تعزيز ثقافات مستهجنة غير صالحة للاستعمال في دول الشرق الأوسط، فمصر العظيمة اليوم مشغولة بأمر بنائها وإعمارها وتدشين مشروع القرن وهو قناة السويس الجديدة والاعتماد على اقتصادها الداخلي الوطني بغير مساعدات خارجية مشروطة بإملاءات سياسية، وسوريا رغم اضطراب أحداثها السياسية والكوارث الإنسانية التي تجري على أرضها استطاعت أن توقف أي تدخل أمريكي على أرضها بحجة مساندة المعارضة هناك أو تعضيد الجيش السوري الحر، وكذلك ما تشهده المملكة العربية السعودية من تغييرات على مستوى الجهاز الاستخباراتي وتعزيز القوة العسكرية.

فمناخ المنطقة بالفعل لا يسمح بمغامرة أمريكية جديدة من أجل الدخول في صراع عسكري مع فصيل مثل داعش؛ إلا من خلال مباركة حميمية مع الدول الأقوى في المنطقة، لأن خيار توجيه ضربة عسكرية إلى مناطق تمركز تنظيم الدولة الإسلامية يشبه حالة الدخول العسكري في أفغانستان، وهي حالة الحصار التي فرضت على الجنود الأمريكيين ومن ثم أصبحت مهمة الفرار من قتال الجيش الرسمي وفصائل المقاومة مستحيلة. لذا من الصعب اليوم الحديث عن مزاعم الديموقراطية في خطاب سياسي، ومن الرهان الخاسر دغدغة مشاعر المواطنين العرب بقضايا وهمية لا ترتبط بمصيرهم مع أنظمتهم الحاكمة، فكان الخيار الأمريكي الوحيد هو أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يمت بصلة إلى الإسلام وأنه يسيئ إلى إسلامنا الحنيف، وهذا الخيار لا يمكن تجاوزه إلا بموافقة عربية من أجل الدخول العسكري في المنطقة من جديد، وبالتأكيد هو دخول لتحقيق استقرار أمني لصالح الكيان الصهيوني، بدليل أن القوات العراقية تقوم بملاحقة تنظيم داعش بغير مساعدات أجنبية أو تدخل عسكري وافد.

استقطاب الحكومات لا الشعوب

لكن المشكلة الحقيقية هي حالات الصمت المتوالية من جانب الحكومات العربية عموما، ومن جانب جامعة الدول العربية التي استمرأت السكوت الطويل على وجه الخصوص، لكن اليقين الذي لا يحتمل الشك أن الخطاب السياسي الأخير للرئيس الأمريكي باراك أوباما يسعى هذه المرة إلى استقطاب الحكومات العربية وليس الشعوب لأنها أدركت حجمها وسط فورة الغليان الشعبي وقوة الثورات التي اشتعلت بالمنطقة ولم تعد الخطط الاستراتيجية المتعلقة بالديموقراطية والثقافة المدنية صالحة للتداول مرة أخرى أو مسعى ترويجها بين مواطني الدول العربية سالكاً، فكانت العودة إلى تراث الخطاب السياسي الأمريكي الذي يعزف على أوتار الدين مناشداً مباركة الحكومات العربية هي السبيل والخيار الأوحد للتواجد في المنطقة يقيناً منها هذه المرة بالمثل الشعبي السائر القائل بأن " الداخل مفقود ".

بليغ حمدي إسماعيل

كاتب مصري

BACEL21@HOTMAIL.COM